سعيد البرغوثي المتمرّد الفلسطيني المهووس بإثراء المكتبة العربية

الاثنين 27 يونيو 202203:17 م

أثناء سيري في حارات "حي ساروجة" الدمشقي المحاذي لأسوار المدينة القديمة، أو "إسطنبول الصغرى"، كما كان يُسمى في فترة الحكم العثماني، دخلت "حارة الورد" بحثاً عن "دار كنعان للدراسات والنشر"، الدار ذائعة الصيت، والتي حجزت لكتبها حيزاً في مكتبة كل مثقف عربي. لم أستطع تمييز الدار لتماهيها الشديد مع البيوت الشامية المجاورة ذات الطراز المعماري العتيق، والتي يطلق عليها اسم البيوت العربية.

دخلت الدار وصعدت درجاً خشبياً يصدر صوتا يشبه الأنين، وكأنه يخبرني عن كبار مثقفي هذه البلاد الذين عبروه وغابوا عنه، وهو الذي طالما حملهم إلى الدار وصاحبها الصديق سعيد البرغوثي، وجلسات السمر التي تداولت الفن والأدب والشجون آناء الليل وأطراف النهار، التفت حولي فرأيت وجوه أغلفة الكتب معلقة على جانبي الجدران وكأنها صور أهل الدار ترحب بي، رفعت رأسي فلفحني ضوء الشمس الداخل من المندلون (نوع من النوافذ تعتلي أبواب البيوت الدمشقية القديمة)، ضوء ملأ المكان بهالة أنبأتني برحلة التنوير التي تنتظرني.

في الردهة أعلى الدرج، تنشّقت رائحة الكتب القديمة والورق، ورأيت الأقداح والزجاجات الفارغة المتدلية على جانب من الدرج العلوي، والتي حوّلها زوّار الدار وأصدقاؤه إلى تحف فنية رسموا عليها شيئاً من تجلياتهم، إضافة إلى أدوات خشبية قديمة وقطع قماش فلكلورية تناثرت على الجدران وتآلفت مع الأغلفة.

توسط الردهة باب خشبي بدرفتين ملأته الألوان، وكأنه لوحة سيريالية رسمها فنان مصاب بلوثة الحياة، فتخبر كل ضربة لون قصة، جلسة وحوار شهدته الدار، خلف الباب تماماً وجدت حيزاً من المساحة جمعت على مدى أعوام أدباءً ومثقفين عرباً، وفاضت فيها حوارات الأشعار والأدب والفن، وتسلقت جدرانها رفوف خشبية احتضنت أمهات كتب الدار، مساحة ساهمت بتشكيل المشهد الثقافي العربي لأكثر من عقدين من الزمن.

ابن مدينة صفد، الأسمر ذي الشعر الأبيض، مشرعاً غليونه ومعتمراً فيصليته، سعيد البرغوثي توسّط هذا الفسحة وجلس على أريكة يغطيها وشاح مطرز بالقطب الفلسطينية الملوّنة، واضعاً أمامه بعضاً من الكتب، لفتني منها كتاب باللغة الإنكليزية على الطاولة، يتناول فن التطريز في بلاد الشام، وبصوته الرخيم رحب بنا البرغوثي مؤسس الدار قائلاً: "يا هلا... يا هلا.. شرفتونا"، وبدأ الحوار.

من النكبة واللجوء إلى الثورة والعمل الفدائي وصولاً إلى أروقة ودهاليز السياسة... سعيد البرغوثي ورحلته المليئة بالانكسارات والنجاحات على مدى أكثر من سبعة عقود

بعض من قصص كثيرة اختزنها الكنعاني القديم والقامة الأدبية اليسارية، رسمت لي شيئاً من رحلته الطويلة المليئة بالانكسارات والنجاحات على مدى أكثر من سبعة عقود، بدأت بمدينته صفد شمالي فلسطيني، لطفل لم يتجاوز العاشرة من عمره، ولم تنته بحارات دمشق القديمة، عاصر سعيد، المثقف والصحفي، صاحب أحد أهم دور النشر في سوريا والعالم العربي، خلال رحلته جميع التحولات التي مرّت بها القضية الفلسطينية، من النكبة واللجوء إلى الثورة والعمل الفدائي، وصولاً إلى أروقة ودهاليز السياسة، فطبعت في روحه الكثير وانعكست بأعماله الأدبية والصحفية، لم تغب عنه مغامرات الحب والثقافة منذ الكتاب الأول في المكتبة الظاهرية في خمسينيات القرن الماضي وحتى يومنا، فكانت هذه السردية.

النكبة واللحظات الأولى

يملأ سعيد البرغوثي غليونه القديم بالتبغ ويشعله، يبدأ حديثه عن تلك المرحلة التراجيدية بكل ما تعنيه الكلمة، فيقول: "أنا مليئ بذكريات طفولتي في مدينتي صفد، ابتداء من الكتّاب الذي تعلمت القراءاة والكتابة فيه، وكان عبارة عن غرفة في الجامع، درّسني فيها محمد رضا خميس، وصولاً إلى الصف الرابع في المدرسة الابتدائيّة التي كان مديرها محمود العابدي، وشفيق بريك مدير المدرسة الثانوية الذي كان دائماً ما يعتمر فيصليته (قبعة من نوع أوربي)، وهو الذي جمعنا وقال لنا: "يا أولاد لم يعد هناك مدرسة!"، كان ذلك في الـ 15 من أيار عام 1948".

يومها قصف الصهاينة مدينة صفد بعدة قذائف هاون بشكل عشوائي لإرهاب أهل المدينة وإجبارهم على الهجرة، وهو ما حدث، يستذكر البرغوثي أُستاذه في الكتّاب، محمد رضا خميس، بحطته الفلسطينية وعقاله وكأنه أمامه، حين سقط شهيداً جرّاء القصف، قذائف كثيرة دكّت المدينة وكانت بمثابة قنبلة ذرية في تلك الأيام، حيث كان أهالي صفد لا يمتلكون سوى متفرقات من الأسلحة لا تزيد عن 100 بندقية من أنواع مختلفة (فرنسية – بلجيكية – إنكليزية) وغيرها، فعندما تنتهي ذخيرة الفلسطيني الذي يدافع عن مدينته من غزو العصابات الصهيونية، لا يستطيع طلب المزيد من أقرانه لأن بنادقهم من أنواع أخرى.

"قريّد العش" والخروج من فلسطين

يتحدث سعيد البرغوثي لـرصيف22 عن يومه الأخير في مدينته صفد، بالقول: "دمشق في ذاكرتي القديمة كانت الشام. هذا الاسم بدأ يتردد بين أهالي صفد وأن الناس يغادرون إليها، فأخبرتني والدتي أن بيت خالي ذاهبون إلى هناك، ويجب أن نراهم قبل رحلتهم هذه. وصلنا بيت خالي واشتعلت الغيرة في صدري مثل أي طفل يرى ابن خاله يذهب إلى الشام وهو لا، زوجة خالي كانت على درجة كبيرة من الحساسية والنبل، فشعرت بما يعتريني من أحاسيس الغيرة، وخاطبتني قائلة: سعيد حبيبي... تروح معنا؟ نظرت إلى والدتي التي قالت لي: إذا بدك روح معهم".

تعلو نبرة صوته التي تحمل معها ألم ومعاناة، ويضيف: "هكذا رافقتهم كما أنا، بالملابس التي أرتديها، مشينا جميعاً إلى أن وصلنا مفرق طرق في آخر المدينة، ذهبت والدتي إلى اليسار عائدة إلى المنزل ونحن أكملنا باتجاه اليمين نحو شمال فلسطين، لحظات تخلّلها التفات بيني وبين والدتي التي لوّحت لي بكفها النحيل إلى أن غبت وغابت، وأكملنا طريقنا مشياً على الأقدام".

يخبرنا سعيد البرغوثي أنه كان خلال مرحلة طفولته المبكرة يلقب بـ "قريد العش"، وهو ما يعني باللهجة الفلسطينية أصغر الأبناء، حيث كانت والدته تأتثره للنوم بجوارها في الليل، ويكمل حديثه عن رحلة اللجوء: "عندما وصلنا إحدى البلدات في أقصى شمال فلسطين، نزلنا في بيت المختار وقدموا لنا العشاء، وجاء وقت النوم، ولأول مرة سأنام دون أمي، وأنا لست طفلاً صغيراً لأبكي وأقول أريد أمي وأنا في العاشرة من العمر، هكذا كانت قناعتي وقتها، فقمت بتغطية رأسي وبدأت بالبكاء إلى أن غفوت".

قال المدير: "يا أولاد لم يعد هناك مدرسة!"، كان ذلك في الـ 15 من أيار عام 1948

في اليوم التالي، أكمل البرغوثي الطفل رحلته برفقة بيت خاله إلى القنيطرة بواسطة سيارة "كميون"، وباتوا فيها ليلة وتكرر مشهد بكائه لافتقاد والدته، وفي الصباح استقلوا باصاً متوجهين إلى الشام، يصف سعيد المشهد: "كان الباص يهتز كثيراً، ونحن الصغار لم نجلس على المقاعد، بل وقفنا في المنتصف ثم جلسنا على أرضيته، فرأيت طفلاً بجانبي شئت أن أسئله سؤالاً قد يريحني جوابه، قلت له: أمك معك؟  

فأجابني: هياتا قاعدة قدام. انكفأت لحزني من جديد، كنت أتمنى أن أجد أي طفل أمه ليست معه، يكون مثلي أو أكون مثله، وكنت أسأل نفسي أسئلة عبثية، كيف يمكن ان أرجع إلى صفد، بعد كل هذه الرحلة الطويلة؟ أخيراً وصلنا الشام، وبعد حوالي الأسبوع جاءت والدتي إلينا، ومن فرحي بها لم أسألها على والدي، الذي التحق بنا بعد أيام عدة لتكتمل الأسرة من جديد، ووقتها لم يفتني أن أسأل والدي عن (نمر)، القط الذي كنت أربيه في صفد".

عندما رحلت عائلة البرغوثي عن مدينتها كانت مطمئنة بالعودة خلال أيام قليلة كما وعد جيش الإنقاذ العربي، وحين وصلت العائلة إلى سوريا في أيار من عام 1948 تم منحها إقامة لمدة شهر أسوة بباقي العائلات الفلسطينية المهجرة، وانتهى الشهر ولم تتحقق العودة، ثم أعطوهم إقامة لمدة ثلاثة أشهر، وانتهت أيضاً ولم يرجعوا، ثم تم منحهم هوية كُتب عليها (تذكرة إقامة مؤقتة للفلسطينيين)، أصبح عمرها اليوم 74 عاماً، وما زالوا ينتظرون!

الكتاب الأول

استقرّت عائلة البرغوثي بعد تهجيرها من فلسطين عام 1948 بقرية حرستا في غوطة دمشق والقريبة من أسوار المدينة القديمة، بقيت العائلة فيها حتى عام 1961، إلى حين انتقالها إلى داخل مدينة دمشق، طيلة تلك الفترة لم تدفع العائلة الفلسطينية ليرة واحدة مقابل السكن، كان أهالي حرستا ممن يملكون غرفتين في منازلهم يخصصون إحداها لعائلة فلسطينيّة، والذين يمتلكون ثلاثة غرف يستضيفون عائلتين: "هذا أمر لا ينسى"، كما وصفه البرغوثي.

وعن شغف القراءة المبّكر لديه يحدثنا سعيد: "بدأت التّعرف على القرية، فرأيت أحد الأبنية مكتوباً عليها (مدرسة حرستا الرسمية للبنين)، وأنا الذي تركت أقلامي ودفاتري في صفد حيث كنت في الصف الرابع، فأتيت إلى النافذة واحتضنت رأسي بين كفيّ ونظرت عبر الزجاج، لمحني معلم المدرسة، فأشار إلي بالدخول، وعندما دخلت أخذ التلاميذ يتصايحون: فلسطيني... فلسطيني... بيعرف إنكليزي، وبعدها ألحقوني بالصف الثاني، وأصبحنا في آخر العام الدراسي ونجحت إلى الثالث، وفي الصف الرابع سمحوا لي بالقفز إلى الخامس فوراً، كيلا أضيّع سنة، وهكذا أخذت الشهادة الابتدائية، وكانت أسماء الناجحين تُذاع في الراديو وتكتب في الصحف".  

كان الطلاب بعد حصولهم على الشهادة الابتدائية يوزعون على ثانويات دمشق، وكان حظ البرغوثي ثانوية تسمى (التجهيز الخامسة للبنين) في منطقة (السبع طوالع) بين حي العمارة وسوق الحميدية، رحلة يومية كان يعبرها سعيد الطالب من المدرسة إلى منطقة المسكيّة لقضاء الاستراحة بين فترتي الدوام، حيث يوجد دكان صغير جداً يبيع الفلافل لصاحبه عبد، فيقول: "عرفت اسمه من الأيدي التي تمتد له وتقول: بفرنك ونص عبد... بفرنكين عبد... كنت أشتري خلال الرحلة أيضاً قطعة شعيبية مليئة بالقشطة بـفرنك".

عندما رحلت عائلة البرغوثي عن صفد كانت مطمئنة بالعودة خلال أيام قليلة كما وعد جيش الإنقاذ العربي، وحين وصلت العائلة إلى سوريا عام 1948 تم منح أفرادها إقامة لمدة شهر، ثم أعطوهم إقامة لمدة ثلاثة أشهر، ثم تم منحهم هوية كُتب عليها (تذكرة إقامة مؤقتة للفلسطينيين)، أصبح عمرها اليوم 74 عاماً

ويكمل حديثه: "خلال طريقي، لاحظت في أحد المرات يافطة مكتوب عليها المكتبة الظاهريّة، دخلت إليها حيث منحتني مدة الساعتين الفاصلة بين الفترة الصباحية وفترة بعد الظهر في المدرسة فرصة لذلك، ورأيت أناساً جالسين إلى الطاولات وكل منهم أمامه كتاب يطالعه، فتقدمت إلى أمين المكتبة وقلت له، من أين أستطيع أن أخذ كتب؟ فدلّني همساً إلى إحدى زوايا المكتبة كي لا يزعج القرّاء، ذهبت وتناولت أحد الكتب".

"دائماً الكتاب الأول يترك آثراً"، يقول سعيد متبسماً، ويضيف: "لحسن حظي كان الكتاب جميلاً جداً لتوفيق الحكيم بعنوان (عصفور من الشرق)، يتكلم من خلاله الكاتب عن تجربته، فهو العصفور القادم من الشرق إلى باريس، وعن المفارقات التي تصادفه. أنهيت الكتاب وتناولت آخراً فوجدته (الأيام) لطه حسين، فأخذته بأجزائه الثلاثة، وكان كتاباً ساحراً بأسلوب طه حسين العظيم، ومنذ ذلك التاريخ أصابتني لوثة القراءة وما زالت تلازمني حتى الآن".

التّرحال من وإلى دمشق

حدّثني سعيد عن دراسته الجامعية وحلمه بالتخرّج من قسم اللّغة العربيّة الذي ظلّ يراوده زمناً طويلاً: "الشهادة التي حصلت عليها كانت من جامعة بيروت العربيّة، تخصص تجارة وإدارة أعمال، وأنا لا علاقة لي بهذا الاختصاص لا من قريب ولا من بعيد، بل كنت منجذباً إلى الحقوق والأدب العربي، وكان متاحاً في جامعة دمشق تسجيل فرعين في آن واحد، فالتحقت بكلية الحقوق وقسم الأدب العربي، لكن لم تطل إقامتي، حيث تعرضت للسجن وبعدها طُلبت لتأدية الخدمة الإلزاميّة".

أما عن شتاته الثاني بين الدول العربية يقول سعيد: "خروجي الأوّل من دمشق كان إلى الجزائر بداية عام 1964، للعمل داخل إحدى المدارس الفرنسية، وعلّمت هناك اللّغة العربيّة لأبناء الأرستقراطية الجزائرية الملزمين بتعلّمها. كان لدي على مدى عامين خمس ساعات تدريسيّة يومياً، الأمر الذي ساعدني على الالتحاق بالجامعة، وكان التعليم باللغة الفرنسيّة، فوجدت ضالتي في قسم اللغة العربيّة، إلى حين طردي من البلاد إن صحّ التعبير! فأثناء مشاركتي في مؤتمر الطلبة الذي عقد في القاهرة نهاية عام 1965، دُهم بيتي بالجزائر لأسباب معيّنة ولم يعد بمقدوري العودة".

ذهب البرغوثي بعدها إلى ليبيا، قضى فيها ثلاث سنوات، نصفها في العهد الملكي والنصف الآخر في عهد معمر القذافي، في النصف الأول مارس سعيد مهنة لا علاقة لها باهتماماته والتحق أيضاً بالجامعة، كما كان يكتب أحياناً بعض الشذرات في الصحف العربيّة، أما النصف الثاني من إقامته فكان أكثر إثارة، حيث التقى معمر القذافي ثلاث مرّات.

"كانت لقاءات سيريالية"، يقول سعيد البرغوثي ويُكمل: "المرة الأولى كانت في بداية حركته، كان برفقتي شخصان، أحدهما هو المسؤول العسكري في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين هيثم الأيوبي، القذافي في تلك المرحلة كان في بداية تنظيره، فقال يومها: بالنسبة لنا أمريكا أقل خطراً علينا من الاتحاد السوفيتي، لأن الأمريكان من أهل الكتاب! اقترب مني الأيوبي رحمه الله وهمس في أذني قائلاً: هزُلت... هزُلت، وهدّد القذافي في تلك المرحلة بإيقاف المساعدات عن الفلسطينيين في حال لم يتوحدوا، طبعاً كانت أموراً طوباوية".

يقول البرغوثي: "نادى القذّافي  على أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة وقال له: خصصوا للإخوة عشر رشاشات ومئة بندقية وألف طلقة مع كل قطعة"، يتابع سعيد بالقول: "تشكرته رغم معرفتي المسبقة أن هذه الأسلحة من الحرب العالمية الثانية ولن تفيدنا بشيء"

لقاء البرغوثي الثاني مع القذافي كان برفقة جورج حبش الأمين العام للجبهة الشعبية، لمدة لم تتجاوز الخمسة دقائق، لأن القذافي كان متوتراً وقتها بسبب أول محاولة انقلابيّة عليه من قبل وزير دفاعه آدم الحواز.

أما اللقاء الثالث فكان في صباح أحد الأعياد، بعدما طلب سعيد البرغوثي مقابلته كممثل للجبهة الشعبية في ليبيا لتهنئته بالعيد، وجاءت الموافقة على ألا تتجاوز مدة الزيارة ربع ساعة وألا يتخللها أي حديث سياسي، إلا أن اللقاء استمر حوالي ثلاث ساعات ونصف!

يقول البرغوثي: "أخبرني القذّافي وهو يودعني أنه يجب الاستماع لنا كفلسطينيين، ونادى على أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة وقال له: خصصوا للإخوة عشر رشاشات ومئة بندقية وألف طلقة مع كل قطعة"، يتابع سعيد بالقول: "تشكرته رغم معرفتي المسبقة أن هذه الأسلحة من الحرب العالمية الثانية ولا تفيدنا بشيء، فالفدائي يحتاج إلى غزارة نيران تعوضه عن دقة التصويب، أما هذه الأسلحة القديمة تتطلب التصويب". بعد مرور شهر على اللقاء طُرد سعيد البرغوثي هو ومجموعة من الرفاق من ليبيا "طرد الكلاب"، بحسب وصفه.

تأسيس دار كنعان

يتحدث سعيد البرغوثي عن الجذور الأولى لتأسيس دار كنعان فيقول: "الفكرة كانت لدي منذ بداية الثمانينيات، وناقشتها مع صديقي الروائي الكبير غالب هلسة، الذي نصحني أن أبدأ النشر بأعمال الروائي السوري المعروف حيدر حيدر، وامتد الموضوع حتى عام 1989 ليبدأ المشروع على أرض الواقع".

أسس سعيد دار كنعان في دمشق بالتعاون مع مؤسسة عيبال في قبرص، واسم كنعان يُحيل إلى معنى الدار وانتمائها، يحيل إلى فلسطين وأهل فلسطين، كما يوضح البرغوثي، الذي يضيف: "منذ ذلك التاريخ اتخذنا قراراً بإصدار الكتب التي تحترم عقل القارئ، وذهبت إلى الكتب البحثية والدراسات، ولم نهمل النواحي الأدبية من رواية ومن شعر وسينما ومسرح، وأصدرنا مئات العناوين ضمن هذا المشروع. صادفتنا نجاحات وتعثرات في رحلتنا، نالت الدار خلالها الدار جائزة أحسن دار نشر في دورات معارض الكتاب مرّتين".

أسس سعيد البرغوثي دار كنعان في دمشق بالتعاون مع مؤسسة عيبال في قبرص، واسم كنعان يُحيل إلى معنى الدار وانتمائها

لم تبتعد دار كنعان عن الخط الجاد قيد أنملة، وقدمت الكتاب الهام الذي يساعد القارئ على طرح أسئلته الثقافيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة، فيما يتعلق بيومه وغده، كما أولت الدار اهتمامها بالكتّاب اليهود، أصحاب المواقف المناصرة للقضية الفلسطينيّة، مثل نورمان فينكلستاين الأستاذ الجامعي الأمريكي الذي أصدر كتاب "صعود أفل فلسطين"، وأستاذ الكيمياء العضوية إسرائيل شاحاك، الذي دفعه مشهد رفض الصهاينة إسعاف طفل فلسطيني للمشفى بحجة أنه يوم سبت ويحرم عليهم ركوب وسائل النقل، إلى كتابة "تاريخ اليهود وديانتهم.. عبء ثلاثة آلاف عام على نفسهم وعلى البشرية". يقول سعيد: "هذه الأصوات الهامّة والشجاعة والجريئة التي تقف إلى جانب قضيتنا، لا يمكن إلا احترامها والاحتفاء بها، وترجمة كتبهم وإصدارها باللغة العربية".

أصدرت الدار كتباً عدة تهتم بالجانب الفلسطيني، كان أبرزها موسوعة "رحلات العرب إلى فلسطين من القرن الرابع الهجري حتى بداية المشروع الصهيوني"، في ثمانية أجزاء، ويؤكد سعيد أهميتها بأن كل من الرحالة تكلّم عن الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة في فلسطين بالفترة التي زارها، لذلك هي إضاءة مهمة كثيراً على التاريخ الفلسطيني، ويتابع الحديث: "اذا أردتُ أن أشير إلى هويّة دار كنعان فهي تذهب أكثر إلى الأسماء الأجنبية والكتب الأجنبية المُترجمة، نحن لدينا مفكرون وأدباء وعلماء لكن لا زلنا نحتاج فترة طويلة لنصل إلى سوية الغرب".

"رحلة النشر هي رحلة طويلة، وتبدأ معاناتها منذ اختيار الكتاب الذي يتقاطع مع همومك وتوجهك وتتجاوز كل صعوبات نشره"، بهذه الكلمات وصف سعيد البرغوثي الصعوبات التي تواجههم كدار نشر، ويكمل بالقول: "بعد النشر تأتي المعاناة الثّانية في التوزيع والبيع. الكثير من دور النشر في سوريا تسمّي نفسها دار كذا للنشر والتوزيع، إلا أننا في دار كنعان لا يوجد لدينا توزيع". يستذكر سعيد إحدى الندوات التي حضرها على هامش معرض للكتاب في فرانكفورت، وقدّمها صاحب مؤسسة توزيع ألمانية، أخبرهم أن لديهم في المؤسسة عدة مخازن للكتب، وكل مخزن بحجم ملعب كرة القدم، وعندما يخرج الكتاب من دار النشر ينتقل إلى المؤسسة ولا يتدخل الناشر أبداً في عملية بيع الكتاب، فالمؤسسة لها نوافذها وأساليبها وأدواتها، ويضيف البرغوثي متعجباً: "تأتيتهم الكتب مساء كل يوم إلى المؤسسة، وصباحاً يوزعون بحدود ستين ألف نسخة يومياً، وهنا ليس علينا إلا أن نصاب بالذهول والفارق الكبير!".

سعد الله ونوس، عبد الرحمن منيف، فيصل دراج، جابر عصفور ونصر حامد أبو زيد

هي أسماء كبيرة في الوسط الثقافي العربي تركت بصمتها بين زوايا دار كنعان، ولعبت دور هيئة استشاريّة، يحدثنا عنهم سعيد بالقول: "أنا أعتزّ بأنني كنت قريباً من هذه القامات الكبيرة، وبفضل جهودهم أصدرنا الكتاب الدوري (قضايا وشهادات)، وهو كتاب ثقافي هام جداً، حيث تمكّنا من إصدار ست أجزاء متتالية قبل وفاة سعد الله ونوس، وهنا فقد فيصل دراج أحد جناحيه، ولاحقاً توفي عبد الرحمن منيف ففقد جناحه الآخر، وهكذا توقف الكتاب، كما أصدرنا أيضاً كتاباً دورياً آخر هاماً يختص بالعلوم الاجتماعيّة، حرّره الدكتور عصام الخفاجي".

نشرت دار كنعان كتباً لعبد الرحمن منيف وفيصل دراج، أما سعد الله ونوس فقد اكتفت بالمقدمات التي كان يكتبها في كتاب "قضايا وشهادات"، يقول عنها البرغوثي: "أذكر أنني كنت مهتماً بالجانب التنفيذي لقضايا وشهادات، وكنت ألحّ بالسؤال على الأستاذ سعد الله ليسرع في كتابة المقدمّة لنتمكن من نشره، لكنه كان يطلب عدم استعجاله بها.

سعد الله ونوس، عبد الرحمن منيف، فيصل دراج، جابر عصفور ونصر حامد أبو زيد... أسماء كبيرة في الوسط الثقافي العربي تركت بصمتها بين زوايا دار كنعان

عندما سلّمني المقدمة الأولى فهمت سبب حاجته للوقت، فكما هو معروف أن سعد الله ونوس مسرحي كبير، إلا أنه أكبر من ذلك بكثير. هو مثقف كبير جداً، وعندما يصعب علي شيء كنت أهاتفه سائلاً ليجيبني بأدق التفاصيل حتى بالنقطة والفاصلة"، يصمت سعيد ليحبس شوقاً للرفاق القدامى، ويقول: "وفاة سعد الله ونوس وعبد الرحمن منيف الروائي الكبير كانت خسارة كبيرة لسوريا، فهذه المجموعة كانت تتميز بأخلاق عالية وعطاء غير مشروط بالماديات".

كتاب الطروادي الأخير وحوارات محمود درويش                 

هو أحد الكتب التي أعدّها سعيد البرغوثي، جمع فيها غالبيّة الحوارات الصحفيّة التي أجراها الشاعر محمود درويش، يقول عنها لرصيف22: "أخذ الكتاب ثلاث سنوات لأتمكّن من جمع ما تيسر من هذه الحوارات، لأن معظمها كانت في الصحف والمجلات، ولكي لا تندثر قمت بجمعها وتحريرها بشكل خاص، شئت ألا أعطي القارئ كتلة حوارات محمود درويش ليقرأها، فقمت بتبويبها حسب زمنيتها وموضوعها".

الباب الأول من "الطروادي الأخير" جاء بعنوان "الوطن في الذاكرة"، ويحتوي الأسئلة التي تتعلق بالأب والأم وقرية البروة مسقط رأس درويش وانتماءاته الأولى وبداياته في الداخل، ثم تتسلسل الأبواب وأكبرها عن التجربة الشعرية الخاصة عند محمود درويش، إضافةً إلى حوارات اقتربت من السياسة، يقول عنها البرغوثي: "لابدّ لمحمود درويش أن يتطرق للسياسة، رغم رفضه لاستلام وزارة الثقافة الفلسطينيّة عندما عرضها عليه الراحل ياسر عرفات، فقال له: أنا شاعر للشعب ولا أطمح أن أكون وزيراً، وهذا كان كتاب الطروادي الأخير".

يكملُ سعيد حديثه عن كتابه فيقول: "كنت متهيّباً من نشر الطراودي الأخير، لذا أرسلته إلى فيصل درّاج الذي رافق محمود درويش خلال السنوات الأخيرة، فقلت له: إما أن تقول لي أن أنشره أو لا، فمحمود درويش لا يمكن لأحد الاقتراب منه إلّا بحذر، وكتب لي فيصل عدّة سطور وطلب مني وضعها في مقدمة الكتاب (يعتبر كتاب الطروادي الأخير الأفضل في نوعه.. ثم أكمل)، هُنا اطمأنيت وكنت سعيداً جداً بإصدار الكتاب".

أعدَّ البرغوثي كتاباً آخراً بالتعاون مع الكاتب سمير الزبن وحمل عنوان "وداعاً لما سوف يأتي"، وهو عبارة عن مراثي محمود درويش لأصدقائه وشخصيّات كبيرة فلسطينيّة وعربيّة، ويرى سعيد أن نثر محمود درويش يرتقي لسوية شعره، عندما تقرأ مثلاً "يوميات الحزن العادي" أو "ذاكرة للنسيان" أو"في حضرة الغياب"، أما كتاب "الإسلام والغرب" فهي مجموعة مقالات لإداورد سعيد المفكر الفلسطيني العملاق والكبير، حيث جمع فيه البرغوثي هذه المقالات وحررها وأصدرها في كتاب واحد كيلا تندثر مع الأيام.

حوار مع الشعر

يتحدّث سعيد البرغوثي لرصيف22 عن تجربته في حوار كبار الشعراء، فيقول: "لديّ بعض الكتابات والإسهامات الثقافيّة والسياسيّة والحوارات التي تستهويني، عندما تحاورُ مفكراً كبيراً فأنت تنبش في ماضيه وتُسلّط الضوء على إنتاجه الفكري الهام. يَحضُرُني ما حدث مع أدونيس الشاعر السوري الكبير، فعلى مدى عامٍ كاملٍ وفي كلّ مرّة التقينا بها أخبره برغبتي إجراء حوار معه، إلى أن زرته بمنزله الكبير في قريته قصابين الواقعة قرب مدينة جبلة السوريّة، كانت كلّ نافذةٍ في المنزل تطلّ على منظرٍ جميل، كنتُ محاصراً بالجمال. وأخيراً استقرّينا على الحوار، سألني: ماذا تريد أن أُضيّفك؟ وأخبرني أنه لن يشرب معي لأن لديه مقابلةً في الصّباح، فقلت له: سيغفر لي الله هذه المرّة، لأن الحوار معك برفقة كأس من الويسكي سيكون شيئاً جميلاً لا يفوّت".

يُعدّل البرغوثي من جلسته، ويتابع سرده: "أحضر لي أدونيس الكأس وقرأ المُقدّمة التي كتبتها عنه. هذا الشاعر والمفكر الكبير، الذي يبالغ أحياناً في الغموض في شعره والجمال يا عزيزي يكمن في الغموض، أما الشعر الواضح قد يكون جميلاً لكنّه لا يُدهش. بالنسبة لي مثلاً شعر نزار قباني لا يُدهشني لكنّه يُعجبني.

فنزار عندما توجه للقصيدة السياسية مثل قصيدته (هوامش على دفتر النكسة) التي يقول في مطلعها: (يا وطني الحزين حولتني بلحظة من شاعر يكتب شعر الحب والحنين إلى شاعر يكتب بالسكين)، وفي سياق القصيدة يقول: (لأنّ ما نقوله أقل من إحساسنا)، تماماً كما تقول لأحدهم لا يمكنني التعبير عن مشاعري، فيأتي شاعر آخر يقول الفكرة ذاتها ولكن بصيغة تحثك على التفكير لتحليل معاني رموزه، فتقرأ محمد لافي يقول (شرفات القصيدة ضيقة وأنا واسعٌ كالفضيحة)، الفكرة هي ذاتها أنا واسع كالفضيحة لكن هذه القصيدة لا تستوعبني لأن ما نقوله أقل من إحساسنا، نفس الفكرة ونفس المعنى لكن بصيغة شعرية تصدم القارئ للوهلة الأولى وهذا أحبّ إلى قلبي".

سنواتٌ من الحربِ في سوريا

"ما حدث في سوريا خلال العشرية الأخيرة ليس بالقليل، ومن الطبيعي أن تتأثرَ الدّار شأنها شأن أي شيء في هذه البلاد"، بهذه الجملة عبّر البرغوثي لـرصيف22 عمّا واجهته مؤسسة النشر خلال الحرب، وأضاف: "كُنّا في ما مضى نُصدر ما بين خمسين إلى ستين عنواناً جديداً كل عام، أما في سنوات الحرب أصدرنا فقط عشرةَ عناوين! وهذا يعني أننا فقدنا أهم شرط في أن نكون دارَ نشر، وهو إصدار ثلاثين عنواناً سنويّاً على أقل تقدير".

خلال سنوات الحرب أغلقت العديد من المكتبات ودور النشر الدمشقيّة أبوابها، مثل "ميسلون، نوبل، دمشق" وغيرها، بسبب الخسائر التي لحقت بها نتيجة الأوضاع التي آلت إليها البلاد، حيث أطلق عليها سعيد البرغوثي لقب "مكتبات شهيدات"، واعتبر ذلك مؤشراً خطيراً على تدهور الحالة الثقافيّة عندما تتحول المكتبات إلى محال بيع أحذية أو ملابس، مُستذكراً مكتبة "أطلس" في شارع الصالحيّة، التي كان لها بوابتان، واضطر صاحبها سمعان حدّاد إلى إغلاق إحدى البوابات ليتبعها بالثانية بعد فترة، وفي نهاية المطاف أصبحت متجراً لبيع ملابس.

تحاول دار كنعان استعادة شيء من ألقها القديم وسط الرُّكام الثقافي التي خلّفته الحرب، عبر تفعيل نشاطاتها الثقافيّة من جديد والمشاركة بالمعارض الدوليّة، يقول البرغوثي عن هذه المحاولات: "اليوم توجد بعض دور النشر العالميّة تصدر حوالي مئةً وخمسين عنواناً، وأنا لا لأطمح للوصول لهذا القدر حتّى الآن، لكنني أُحاول الترميم وإعادة التّوازن رغمَ صعوبة الموضوع، ففي فترات معينة كانت دار كنعان مهددة بالتوقّف، أما الآن تجاوزنا هذا الأمر نسبيّاً بمساعدة معارض الكتاب العربيّة والدوليّة وعدنا لخط الأمان، وهذا شيئ مهم بالنسبة لي"، ويضيف: "سأعمل جاهداً لتستمر الدار وآمل أن تستمر. ليس لدي خيار آخر. هذه هي مهنتي التي اعتدت عليها".

لن أعود إلى صفد

حادثة كان لها الأثر على سعيد البرغوثي، دفعته لتغيير موقفه من زيارة مدينته مع أول فرصة تسنح بذلك، فيقول: "عندما بدأت محادثات أوسلو التي تفاجئنا بها، كان حيدر عبد الشافي موجوداً في أمريكا، يجري لقاءات وحوارات حول القضية الفلسطينية. هو أيضاً فوجئ بالاتفاقية، وهو الشخصية الاعتبارية والوطنية الفلسطينية رحمه الله، وعندما وقعت الاتفاقية التي سميت اتفاقية السلام، وهي ليست كذلك، بل هي محاولة تسوية فاشلة حتى الآن عملياً".

راودت البرغوثي الكثير من الأفكار حينها بحال نجحت حوارات التسوية، فأول ما كان سيفعله هو الذهاب إلى صفد، مكان طفولته الأولى، وزيارة حقل أبيه ليرى ما حلّ به، إلا أنه شعر بغصّة كبيرة عندما تخيل نفسه يقرع باب بيته الخشبي ليفتح له غريب استوطن الدار ويستأذنه بالدخول، ويقول: "كيف ذلك! وأنا في الماضي كنت أدخل الدار وأرى أبي يصوّل التراب ويزيل منه الشوائب ليصبح مثل الحنة بين يديه، ويطوف على الأشجار كأنهم أبناؤه، هو ذات الشخص الذي تحوّل إلى إنسان صامت وحزين كرجل مسن فقد كل أبنائه بعد استقرارنا في دمشق".

تلك الأفكار جعلته يعدل عن فكرة زيارة صفد التي هي أقرب إلى دمشق من حمص، ويؤيد قراره هذا بتجربة عاشها، فيروي لنا: "قضيت بالماضي فترة خدمتي العسكرية في السويداء، وأصبح لي هناك قبيلة من الأصدقاء من أهل السويداء المضيافين جداً، فعندما تقرع أي باب هناك لا يقولون لك من على الباب، بل تفضل دون أن معرفة هويتك، حيث يكون باب المضافة مفتوحاً دائماً".

ويتابع: "بعدما غبت عن السويداء حوالي 25 عاماً، عدت عبر معرض أقمته في ردهة أحد الفنادق في المدينة، وكان المعرض على درجة من الأهمية شاركت فيه دور نشر هامة، وبعدما انتهينا من مراسم افتتاح المعرض في اليوم الأول، طلبت من صديق كان يعمل معي في الدار وهو من أبناء الجبل، بأن يجول بي في السويداء لأستعيد ذكرياتي الجميلة فيها. بالفعل خرجنا وكان الجو مليئاً برذاذ المطر، لم أتعرف على البلد ولم أجد أحداً من أصدقائي القدامى، فكان الرذاذ كما يقول بدر شاكر السّياب: هل تعملين أي حزن يبعث المطر... انهالت الأحزان علي واحتجت إلى قدر كبير من التماسك حتى لا أبكي وأحزن في الطريق".

هنا تفجر لدى البرغوثي السؤال: "اذا أصابتني كل هذه الأحزان والآلام في السويداء، فماذا سيحلّ بي عند العودة إلى صفد حاملاً ذكريات طفولتي معي؟ وهنا اتخذت قراري بأني لن أذهب إلى صفد، لن أذهب إلا اذا كانت هناك عودة بكل ما تعنيه الكلمة من العودة الجماعية، ستكون هناك ذكريات حزينة لكنها لن تكون بدرجة الألم الذي يصيب الإنسان عندما يذهب ويقرع باب بيته، وينتظر أن يُسمح له أو لا بالتّجول داخل حقل والده"، كان القرار بأنه لن يذهب لأنها ستكون فاجعة، ليست فقط بكائية بل فاجعة بكل صورها ومعانيها! ويختم بالقول: "ربما كان الموضوع أسهل لمن لم يعش طفولته في صفد ولم يعرفها، إلا أنه صعب جدا علي".

حوار تمنيت ألا ينتهي مع هذه القامة الثقافية الكبيرة، كنت قد أخبرته مسبقاً أن الحوار سيكون خفيفاً عليه ولن يتجاوز الـ 15 دقيقة، إلا أن حضوره وأسلوبه في السرد وتشكيل مشاهد الحكايا عبر كلمات ملحنة وموزونة بصوت عميق، لم يترك لي المجال أن أوقف التسجيل إلا بعد تجاوزنا الـ 45 دقيقة في الحوار، لتليها جلسة على هامش اللقاء تجاوزت الساعة ونصف الساعة، تناولنا فيها أحاديث فلسطين والوطن والقضية ومآلاتها، وكيف لا وأنا ابن مدينته.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard