وجوه مستعارة... مجلة مصورة عن حكايات النشر العربي وخفاياه الأيديولوجية

الأحد 15 ديسمبر 201904:30 م

تستفزّ عبارة "مجموعة من المترجمين" أي قارئ حين يبحث عمن قام بالترجمة الرديئة للرواية أو الكتاب الذي يقرأه، فاختفاء اسم المترجم أو إغفاله، ليس دوماً بريئاً، ذات الاستفزاز نراه في بعض الهوامش التي يبدو أن سبب وضعها سياسي ودعائي، كأن نقرأ في أسفل الصفحة: "ما عدا منطقتين وهما لبنان وأكثرية سكانه من المسيحيين، وإسرائيل وأكثرية سكانها من اليهود"، في كتاب "القافلة: قصة الشرق الأوسط" لكارلتون كون، ترجمة برهان دجاني ومراجعة د. إحسان عباس، فهذا الكتاب الصادر عام 1959 بدعم من مؤسسة فرانكلين الأمريكية للنشر، أثار حنق عفاف سمرة، الشخصية المتخيلة وصاحبة مكتبة الشرق في بيروت، فعفاف القادمة من حيفا بعد النكبة، رأت في الكتاب ترسيخاً للسياسات الأمريكية الثقافية، واعترافاً ثقافياً بالكيان الإسرائيلي كدولة عبر مساواته مع دول أخرى، ما دفعها لرفض نشر الكتاب باسم مكتبة الشرق ورمي مخطوطه في القمامة.

الحكاية السابقة نقرأها في العدد الأول من مجلة "وجوه مستعارة" الـ"نشرية، قصصية، فنية" الصادرة عن فهرس الممارسات النشرية، والتي نقرأ فيها عن عوالم النشر الثقافي في شرق المتوسط وشمال أفريقيا خلال ستينيات القرن الماضي، مرحلة ما بعد استقلال العديد من الدول العربية.

يمكن تصنيف المجلة بأنها "رواية من صور" أو "photo Roman" وهي نوع من أنواع القصص المصورة التي تعتمد على تقنيات الكولاج لسرد الحكاية، لكن المميز في تجربة أوجه مستعارة، أنها تستخدم صوراً أرشيفية حقيقية لبيروت ودمشق تعود للستينيات، تحضر ضمنها حكايات كل من عمر نقولا الذي يلعب دور "هدى الوادي" وسامي رستم كـ"هالة حداد" و كنان درويش كـ"عفاف سمرة"، الأهم أنها تقدم شكلاً مختلفاً لقراءة الأرشيف، وكيفية صياغة حكاياته بعيداً عن الصيغ التقليدية الجامدة.

يعمد كل من نقولا وحداد ودرويش إلى رسم صورة تاريخية نقدية للممارسات النشرية، والسياسات الخفية ورائها في المنقطة العربية، خصوصاً في ظل الصراع السوفيتي- الأمريكي، وانقسام المثقفين إلى معسكرين متصارعين، يذهب ضحية هذا الصراع فئة من المؤمنين بقضايا التحرر، أو المتمسكين بمفاهيم الوطنية والديمقراطية والوقوف بوجه الأنظمة القائمة.

تستفزّ عبارة "مجموعة من المترجمين" أي قارئ حين يبحث عمن قام بالترجمة الرديئة للرواية أو الكتاب الذي يقرأه، فاختفاء اسم المترجم أو إغفاله، ليس دوماً بريئاً... عن مجلة "وجوه مستعارة"

 الكثير من الكتب الروسية المترجمة للعربية تخضع للذائقة الغربية التي تتبعها دور النشر العربية، دون الأخذ بعين الاعتبار ما يريده الجمهور العربي أو ما يفضله

هدى الشيوعية والمترجمة المتخصصة بالأدب الروسي تصل بيروت هرباً من ملاحقة حكومة عبد الكريم قاسم، وهالة حداد، سورية أمريكية تريد ترجمة الدكتوراة التي أنجزتها عن النشر في العالم العربي في بيروت، أما عفاف سمرة، فهي صاحبة مكتبة الشرق، والمهتمة بالثقافة وصناعة الكتب في بيروت.

تقدم لنا "وجوه مستعارة" عبر حكايات النسوة الثلاث، قراءة نقدية لطبيعة الكتب في تلك المرحلة وتوجهاتها، إذ نقرأ تعليقات عن الكتاب والمثقفين والمترجمين كلها تستند إلى مرجعيات حقيقية وآراء تاريخية، فالعمل البحثي واضح في الحكاية التي يتقاطع فيها التاريخي مع السير المتخيلة للنسوة الثلاث، كذلك نتعرف على التفاصيل التي ترتبط بالحياة اليومية و "شكل" بيروت الذي يتضح في الصور الأرشيفية التي يظهر الفوتو كولاج ضمنها كرحلة نوستالجية في الماضي، خصوصاً أن الشبان الثلاثة يؤدون أدوار نساء، في محاولة لتسليط الضوء على أشكال ظهور المرأة في تلك الفترة، ودور العديد من النساء في طرح تساؤلات ثقافية هامة بوصفهن أكاديميات ومثقفات، كليلى بعلبكي التي التقت النساء الثلاث في محاضرتها، وكأننا أمام محاولة لتحرير قراءة الأرشيف من الصوت الذكوري المهمين عليه.

بدأت صداقة النسوة الثلاث تتوطد في السهرات في علية مكتبة الشرق، والتي تظهر في النهاية كعلاقة حب بينهن يلمح لها فقط، لننتقل بعدها إلى نهاية تشبه نهاية حكايات المغامرات السعيدة، التي تقف فيها النساء إلى جانب بعضهن البعض أمام بحر بيروت.

يكشف لنا هذا العدد من المجلة عن السياسات الخفية التي كانت تتبعها الأقطاب المتصارعة في المنطقة، عبر الترجمة وإغراق السوق، وأحياناً نشر كتب محددة، وخلق هيمنة ثقافية تحاول كل منها تقديم نموذج "صالح" للتطبيق في المنطقة العربية، لنكتشف لاحقاً أن هذه النماذج ذاتها ليست إلا أشكالاً مستوردة ولا تصلح للتطبيق على الواقع، كونها لا تخاطب الشارع حقيقة، كما نتعرف على طبيعة العمل الثقافي ودور المال في خيارات العديد من الفاعلين في هذا المجال والذي يضطر البعض إلى المساومة أو قبول بعض التدخلات "الغربية" للحفاظ على أعمالهم.

نتعرف أيضاً أثناء زيارة هدى إلى مكتبة " دار اليقظة العربية" في دمشق إلى مشكلة الترجمة وغياب أسماء المترجمين عن الكتب السوفيتية الصادرة عنها، والتي تحوي أخطاء لا تقدم الدار جواباً واضحاً حولها ولا تشير إلى أسماء مترجميها، بل فقط إلى أن الكثير منهم يترجمون عن لغات وسيطة لا من الروسية مباشرة، كذلك نكتشف أن الكثير من الكتب الروسية المترجمة للعربية تخضع للذائقة الغربية التي تتبعها دور النشر العربية، دون الأخذ بعين الاعتبار ما يريده الجمهور العربي أو ما يفضله.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard