يملك السلطة والبنزين... رئيس الحكومة المغربية في قلب زوبعة تضارب المصالح

الخميس 9 يونيو 202204:48 م

أصدر مجلس النواب المغربي، في أيّار/ مايو 2018، تقريراً كشف عن استحواذ شركة "إفريقيا" التي تعود ملكيتها إلى رئيس الحكومة المغربية، عزيز أخنوش، على سوق المحروقات في المغرب، بنسبة 29% من الديزل، و42% من البنزين الممتاز بعد أن قامت الحكومة في الفاتح من كانون الأوّل/ ديسمبر 2015، برفع يدها عن تسعير المحروقات وتحرير السوق بشكل كامل، تزامناً مع توقّف مصفاة "سامير" لتكرير النفط، عن الإنتاج.

وفقاً للنائب عبد الله بوانو، رئيس اللجنة الاستطلاعية البرلمانية التي أشرفت على إعداد هذا التقرير، فإنّ شركات المحروقات التي تتكلّف باستيراد النفط وتوزيعه -وعلى رأسها شركة إفريقيا- راكمت في الفترة ما بين نهاية عام 2015 وحتى حدود الثلاثة أشهر الأولى من عام 2018، بشكل غير مشروع وخارج نطاق الربح القانوني، ما يساوي 17 مليار درهم (نحو 1.7 مليار دولار)، مطالباً عزيز أخنوش بإعادة هذه الأموال إلى المغاربة. فيما يؤكد الحسين العيماني، الخبير في مجال المحروقات والقيادي في نقابة الكونفدرالية المغربية للشغل، أنّ الأرباح غير المشروعة التي حصلت عليها تلك الشركات قد بلغت حتى مطلع عام 2021، 45 مليار درهم (نحو 4.5 مليارات دولار).

"يملك السلطة وكبرى شركات توزيع الوقود في المغرب". يرى متابعون أن عزيز أخنوش رئيس الحكومة المغريبة يعيش حالة تضارب للمصالح، تفيد شركته في التطور وتحقيق المكاسب ولو داخل الإطار القانوني 

بفعل الارتفاع غير المسبوق في أسعار النفط في المغرب، إذ يفوق ثمن الليتر الواحد من البنزين والديزل 15 درهماً (دولار ونصف)، وفي ظلّ عدم تفعيل مجلس المنافسة الذي يعمل على ضبط الأسعار ومراقبتها، وعدم اتخاذ أيّ قرار لتسقيف الأسعار والحد من تراكم الأرباح غير القانونية للشركات العاملة في المجال، أصبحت تهمة "تضارب المصالح" مقرونةً بعزيز أخنوش، بحكم دوره المزدوج كرئيس للحكومة وفي الآن نفسه كصاحب الشركة المحتكرة لاستيراد المحروقات وتوزيعها وبيعها.

زواج السياسة والاقتصاد

في أواسط تشرين الأوّل/ أكتوبر 2013، أعلنت سليمة بناني، مديرة صندوق المقاصة، وهو صندوق حكومي للدعم الاجتماعي يهدف إلى دعم أسعار الغاز والسكّر وبعض المواد الغدائية إلى جانب المنتوجات النفطية التي رُفع عنها الدعم بدءاً من نهاية 2015 مع تحرير السوق، أنها تواجه مشكلات عدة لإثبات صحة الفواتير المقدَّمة من لدن شركات المحروقات للصندوق، الأمر الذي قد يؤدّي بالحكومة إلى أداء مصاريف الدعم لهذه الشركات من دون أيّ دليل، خصوصاً أنّ الصندوق -وفقاً للسيدة سليمة- لا يتوفر على اشتراك يمكّنه من الاطلاع على أسعار المواد الأوليّة للنفط في الأسواق العالمية، إذ يعتمد فقط "على الفواتير كوسيلة لإثبات المصاريف وتكلفة الاستيراد، وكذلك ملفات الدعم التي تتم تصفيتها في غياب أيّ وثيقة، إذ يتم الاكتفاء بالتصريح الذي تقوم به الشركات فقط".

بل الأكثر من ذلك، أنّ صندوق المقاصة "لا يتوفر على مصلحة للمراقبة الخارجية التي بإمكانها تحقيق دوريات للمراقبة عند جميع الفاعلين، في القطاعات المدعمة"، إذ من الصعب التحقق من "التصريحات التي تصل إليه، بل إن عدم تمكنه من مراقبة هذه المواد، يحول دون تدخله كفاعل في منظومة الدعم، وعدم مشاركته في مناقشة السياسات التي تعتمدها الشركات لاستيراد المواد الأولية، ولا أيضاً التكاليف المترتبة على هذا الاستيراد".

أغضب هذا التصريح الشركات البترولية التي رأت أنّ كلّ الإجراءات التي قامت بها مديرة الصندوق لضبط أرقام الشركات ومعاملاتها ومراقبة الفواتير، "معقدة ولا يسهل التعامل معها". وقد نجح لوبي الشركات النفطية في ضغطه على سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة السابق، الذي أقال سليمة بناني من منصبها، وعيّن مكانها شفيق البلغيتي مديراً للصندوق في نيسان/ أبريل 2018. 

بالنسبة إلى عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة الأسبق، فإنّ رئيس الحكومة الحالي عزيز أخنوش، قد يكون متورطاً في "شبهات الفساد" التي طالت استفادة شركته من أموال صندوق المقاصة بشكل غير قانوني، إذ صرّح بأنّ شركته كانت من بين الشركات التي تقدّم الفواتير لصندوق المقاصة من دون أدلة، ما يزيد من الشكوك، متهماً إيّاه بـ"الاتفاق مع شركات المحروقات لزيادة الأرباح بعد تحرير السوق"، عبر استغلال منصبه الحكومي السابق كوزير للفلاحة ومنصبه الحالي كرئيس للحكومة وكونه مالكاً لأكبر شركة تحتكر سوق المحروقات في المغرب.

كبح دور مجلس المنافسة

ارتفعت أرباح الشركات النفطية مع تحرير سوق المحروقات انطلاقاً من سنة 2015، كما رصد التحقيق البرلماني الصادر في عام 2018، ولم ينتج عن ذلك أيّ تحقيق قضائي أو إداري، باستثناء ما قام به مجلس المنافسة، وهو مؤسسة رسمية تعمل على تنظيم المنافسة الحرّة ومحاربة الاحتكار، الذي خصّص جلسةً عامةً في 21 تمّوز/ يوليو 2020، حول "وجود محتمل لممارسات منافية للمنافسة في سوق توزيع المحروقات".

غياب سلطة رقابية حقيقية لمجلس المنافسة على قطاع توزيع الوقود في المغرب وضغط لوبي الشركات ومن ضمنها إفريقيا عليه، يطرح اليوم محل تساؤل اهتمامات عزيز أخنوش الذي يضع قبّعتي رئيس الحكومة ورجل الأعمال

قدّمَ المجلس قراره المتعلّق بـ"التواطؤ المحتمل لشركات المحروقات وتجمع النفطيين في المغرب"، إلى الملك محمّد السادس في 23 تمّوز/ يوليو 2020. خلص القرار إلى ضرورة "فرض غرامة مالية بمبلغ 9 في المئة من رقم المعاملات السنوي المحقق في المغرب بالنسبة إلى الموزعين الثلاثة الرائدين، وبمبلغ أقل بالنسبة إلى بقية الشركات". وتوصّل الملك أيضاً في 28 من الشهر نفسه بمذكرة ثانية من رئيس المجلس تتعلّق بقيمة "الغرامات المفروضة" على الموزعين خلال الجلسة العامة المنعقدة يوم 27 تمّوز/ يوليو، إذ تمّ تحديد المبلغ في حدود 8 في المئة من رقم المعاملات السنوي من دون تمييز بين الشركات.

أثار قرار مجلس المنافسة الذي أثبت تورط الشركات النفطية في الربح غير القانوني، حفيظة الإعلام التشهيري المكوّن من صحف ومواقع تُعدّ مقربةً من عزيز أخنوش، وزير الفلاحة آنذاك ورئيس الحكومة الآن، إذ تمّ شن حملة تشهيرية على رئيسه إدريس الكراوي، الذي رفض الإذعان للضغوط، والنتيجة كانت، بحسب البعض، إعفاء الملك للكراوي من مهامه كرئيس، وتعيين أحمد رحو بدلاً منه في 22 آذار/ مارس 2021.

في الأخير، لم يُفَعّل القرار الصادر عن مجلس المنافسة، بحجة أنّ الملك قد توصل في يوم 28 تموز/ يوليو 2020، بورقة احتجاجية محررة من لدن بعض أعضاء المجلس رأوا فيها أنّ "تدبير هذا الملف اتّسم بتجاوزات مسطريّة وممارسات من طرف الرئيس مسّت جودة القرار الذي اتخذه المجلس ونزاهته"، ففي نظرهم أنّ تواصل رئيس المجلس "أضرّ ببحث القضية ومصداقية المجلس"، وأنّ سلوك الرئيس "يوحي بأنه يتصرف بناءً على تعليمات أو وفق أجندة شخصية"، وفقاً لما جاء في بلاغٍ للديوان الملكي.

عُدّ قرار القصر القاضي بإقالة إدريس الكراوي من منصبه وعدم اعتماد قرار مجلس المنافسة، في صالح عزيز أخنوش المعروف بقربه من الملك محمّد السادس شخصياً.

إعدام مصفاة "سامير"

شكّل توقف مصفاة "سامير" لتكرير النفط التي تأسست عام 1959، في مدينة المحمدية، عن العمل في آب/ أغسطس 2015، بعد إفلاسها عقب عملية خصخصة فاشلة، ضربةً قاضيةً للاقتصاد الوطني المغربي.

غطّت المصفاة حاجيات السوق المغربي بنسبة 63% حتى توقفها، مع توفرها على طاقة إنتاج تقارب 10 ملايين طن سنوياً، ومليوني طن كطاقة للتخزين تكفي السوق الوطنية لثلاثة أشهر، وفقاً لتقرير "الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول".

تزامن إفلاس شركة "سامير" وتوقفها عن الإنتاج مع تحرير سوق المحروقات. أدّى ذلك بشكل مباشر إلى احتكار الشركات النفطية القوية -مثل شركة إفريقيا المملوكة لأخنوش- إلى احتكار السوق والتحكّم في أسعاره، في ظلّ غياب أيّ نوع من الرقابة الإدارية أو القضائية، إذ إنّ التحرير كان عشوائياً، وهو ما أدّى إلى تراكم أرباحها التي توصف بـ"الخيالية"، خارج نطاق الرقابة من مجلس المنافسة.

وفقاً للأستاذ الجامعي والخبير الاقتصادي نجيب أقصبي، فإن عزيز أخنوش متورّط في شبهة تضارب المصالح لكونه "المسؤول الأوّل عن تدبير ملف المحروقات"، إذ كان من المفترض إعفاؤه من منصبه الحكومي عندما كان وزيراً للفلاحة، إذ "استعمل موقعه لأخذ الامتيازات"، فما بالك اليوم وهو يترأس الحكومة المغربية!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard