نتائج مبشّرة لعلاج ولقاح جديدين… هل يقترب العلم من الانتصار على السرطان؟

الخميس 9 يونيو 202204:35 م

حملت الآونة الأخيرة بعض الأخبار المبشّرة في ما يخص مجموعة من الخيارات العلاجية ضد أنواع فتّاكة من السرطان، بما في ذلك علاج مناعي يحقق الشفاء بنسبة 100% في فئة من مرضى سرطان المستقيم، ولقاح يحفّز جهاز المناعة على مهاجمة سرطان البنكرياس لدى نصف المرضى.

مع ذلك، يقول خبراء إن التفاؤل الحذر إزاء هذه النتائج ضروري نظراً لمحدودية العينة التي أُجريت عليها هذه التجارب، وبعض العوامل المؤثرة الأخرى. مع الإقرار الكامل بأن النتائج الأخيرة تبعث الآمال في نفوس المرضى بأن "الاكتشافات تحدث" وأن تطوير علاجات شافية من السرطان ليس مستحيلاً.

لقاح ضد سرطان البنكرياس

خلال مؤتمر الجمعية الأمريكية لعلم الأورام السريري في شيكاغو، هذا الأسبوع، أُعلنت نتائج المراحل الأولى من التجربة الرائدة التي قادها الدكتور فينود بالاشاندران في مركز ميموريال سلون كيترينغ للسرطان في نيويورك بالتعاون مع شركة "بيونتك" الألمانية.

قام علماء أمريكيون بالتعاون مع الشركة، التي كان لها السبق في تطوير أول لقاح ضد فيروس كورونا بالتعاون مع عملاقة صناعة الأدوية "فايزر"، بتطوير لقاح يعتقد أنه يوقف عودة سرطان البنكرياس الفتّاك.

يودي سرطان البنكرياس بحياة 90% من المرضى في غضون عامين من تشخيص إصابتهم به، ولا تنجح الخيارات العلاجية المتاحة إلا مع 5 % من مرضاه. لقاح جديد يبشّر بمنع عودة الورم عقب إزالته

يعتمد اللقاح الواعد تقنية mRNA المستخدمة في بعض لقاحات كورونا، وهو مصمم لمنع عودة الأورام بعد الجراحة. وقد أظهرت النتائج الأولية أن نصف المرضى الذين أُعطوا اللقاح ظلوا خاليين من السرطان بعد مرور 18 شهراً.

ويعتبر سرطان البنكرياس أخطر أنواع السرطان الشائعة إذ يودي بحياة 90% من المرضى في غضون عامين من تشخيص إصابتهم به.

شملت التجربة المبكرة للقاح سرطان البنكرياس 16 مريضاً، جرى تطعيمهم بثماني جرعات من اللقاح عن طريق الوريد بعد جراحة إزالة الورم. صُنعت جرعات خاصة لكل شخص باستخدام الشفرة الوراثية لـ mRNA الخاصة بأورامه في محاولة لتعليم خلايا الجسم صنع بروتين من شأنه أن يحدث استجابة مناعية. علماً أن الأمر الخطير المتعلق بسرطان البنكرياس هو تأخر اكتشافه وصعوبة مقاومته لأن الخلايا لا تعتبر الورم تهديداً.

وتقوم فكرة لقاح mRNA الجديد على تمكين الجسم من اكتشاف أي خلايا سرطانية والتعامل معها كتهديد بحيث تقوم الخلايا التائية، وهي نوع من خلايا الدم البيضاء، بتدميرها.

أظهرت النتائج الأولية أن هذه الجرعات الشخصية من اللقاح تستطيع أن تدرب جهاز المناعة على قتل الخلايا المرتبطة بسرطان البنكرياس.

أثار اللقاح استجابة الخلايا التائية في نصف المرضى الذين ظلوا خاليين من السرطان طوال فترة الدراسة. أما المرضى الثمانية الباقون الذين لم يستجيبوا للقاح، فقد توفي ستة منهم أو عادت الأورام في الظهور.

وقالت أوزليم توريسي، المؤسسة المشاركة لبيونتك، إن النتائج المبكرة للقاح "مشجّعة" لا سيما وأن أقل من 5% فقط يستجيبون للخيارات العلاجية المتاحة حالياً لسرطان البنكرياس.

وأردفت: "نحاول فتح آفاق جديدة في علاج مثل هذه الأورام التي يصعب علاجها. ونتطلع إلى مزيد من تقييم هذه النتائج المبكرة في دراسة عشوائية أكبر".

من جهته، أوضح البروفيسور بالاشاندران: "على عكس بعض العلاجات المناعية الأخرى، يبدو أن لقاحات mRNA هذه قادرة على تحفيز الاستجابات المناعية لدى مرضى سرطان البنكرياس. لذلك نحن متحمسون جداً".

يشار إلى أن هناك تجربة مماثلة خاصة بسرطان الأمعاء قيد العمل. كما تطور شركة مودرنا علاجات mNRA للسرطان وأمراض المناعة الذاتية.

لأول مرة في التاريخ، تظهر أجساد جميع المرضى المشاركين في تجربة سريرية لعلاج مناعي ضد سرطان المستقيم خالية من الأورام مدة عامين. المفاجأة الكبرى تمثلت في عدم وجود مضاعفات كبيرة له على المرضى  

علاج غير مسبوق لسرطان المستقيم

ولأول مرة في التاريخ، شُفي جميع المشاركين في تجربة محدودة لعقار تجريبي لسرطان المستقيم في الولايات المتحدة الأمريكية بعد تناول عقار "Dostarlimab" على مدى ستة أشهر.

بكلمات أكثر دقة، ظهرت أجساد المرضى خالية تماماً من الورم لمدة عامين، زمن الدراسة، بعد تناول جرعات الدواء كل ثلاثة أسابيع لمدة ستة أشهر بتكلفة تناهز الـ 11000 دولار لكل جرعة.

العلاج الذي يعمل على كشف الخلايا السرطانية بما يسمح لجهاز المناعة بالتعرف عليها وتدميرها، أُعطي لـ12 مريضاً شخصت إصابتهم بسرطان المستقيم. وهو بالأساس دواء يستخدم في العلاج المناعي لسرطان بطانة الرحم، وهذه هي أول دراسة سريرية تختبر فعاليته ضد أورام سرطان المستقيم.

"هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها هذا في تاريخ السرطان"، قال لويس دياز، من مركز ميموريال سلون كيترينغ للسرطان، عن قدرة الدواء على إدخال جميع أفراد التجربة في مرحلة "هدأة" أو عدم ظهور للأورام، فيما أكد آلان فينوك، أخصائي سرطان القولون والمستقيم بجامعة كاليفورنيا، أن الشفاء التام في كل مريض "لم يسمع به من قبل".

ولفت فينوك إلى أن المفاجأة الأخرى كانت عدم تعرض أي من المرضى لمضاعفات كبيرة من الناحية السريرية خلال مدة الدراسة.

استمدت هذه الدراسة إلهامها من تجربة إكلينيكية لدواء من إنتاج شركة ميرك للأدوية عام 2017 ثبت أنه ساهم في تقليص الأورام أو استقرارها في ثلث إلى نصف المرضى الذين عاشوا فترة أطول، فيما اختفت الأورام في 10% من المشاركين في التجربة.

في حين اتفق الخبراء على أن نتائج الدراسات الأخيرة كانت "مبشّرة" و"غير مسبوقة"، إلا أنهم شددوا على حاجتها لمزيد من التجارب الموسعة مع الإقرار بأنه "ما زال مبكراً جداً أن تحتفل البشرية بنهاية #السرطان"

لكن هذه التجربة الجديدة اختارت فئة معينة من مرضى المستقيم تشترك الأورام التي يعانون منها في طفرات MMRd الجينية التي تجعل الخلايا السرطانية أكثر قدرة على الاستجابة المناعية للجسم، خاصةً عندما يتم تعزيزها بواسطة عامل العلاج المناعي مثل dostarlimab. 

الخبر غير السار هنا هو أن طفرات MMRd لا توجد سوى لدى نحو خمسة إلى 10% فقط من مرضى سرطان المستقيم.

دعوة إلى التفاؤل الحذر

في غضون ذلك، حثت مجموعة من الخبراء على وضع النتائج في نصابها بدون مبالغة في التفاؤل أو تهويل بالزعم مثلاً أن هذه قد تكون نهاية السرطان.

على سبيل المثال، قالت كيمي نغ، خبيرة سرطان القولون والمستقيم في هارفارد، إنه برغم أن النتائج الخاصة بسرطان المستقيم كانت "رائعة" و"غير مسبوقة" إلا أن الدواء بحاجة لمزيد من التجارب.

من جهته، قال الصحافي المصري المصاب بالمرض محمد أبو الغيط إنه "من المهم أن نتجنب الآمال الكاذبة وما يتلوها من إحباط، ولا يمنع ذلك التفاؤل والاستبشار بالخبر الجميل". منذ إصابته، اعتاد أبو الغيط مشاركة تفاصيل محنته مع السرطان وأحدث ما توصل إليه العلم في علاج حالته لغرض التوعية.

وفي منشور مطوّل عبر حسابه في فيسبوك، فنّد أبو الغيط المعلومات المتاحة عن dostarlimab بما في ذلك نقاط إيجابية وعوامل ضعف. أوضح أن العلاج التجريبي "لا يعمل مع كل المرضى" وتتعلق فعاليته بـ"وجود بروتين معين هو PD-1 هو ما يستهدفه الدواء ، ونسبته تختلف حسب الشخص ونوع السرطان وتفاصيل عديدة".

وأضاف أن التجربة أجريت على عدد محدود من المرضى المطابقين لمواصفات بعينها ولا تزال بحاجة إلى مزيد من التجارب على أعداد أكبر في مراحل مختلفة من المرض، خاصةً أن نسبة كبيرة من الأورام تُكتشف في مرحلة متأخرة.

وزاد أن المرضى في الدراسة ثبت خلو أجسادهم من الأورام عامين فقط بينما "المنهجية المعتمدة هو قياس نسبة من يبقون أحياء بعد خمس سنوات من التشخيص إذ خلال هذه الفترة قد تحدث في أي وقت عودة مفاجئة أكثر شراسة للمرض.

وختم: "الخبر مبشر فعلاً… (لكن) ما زال مبكراً جداً أن تحتفل البشرية بنهاية (السرطان)، لكن تدريجياً عبر السنوات الأخيرة تحدث إنجازات عظيمة لعلاج أنواع معينة وفئات معينة من المرضى".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard