مرةً ظهرت بصورة العصي، ومرةً أخرى تحوّلت إلى ضحكة ساخرة... صور الحرية المشوّهة

الخميس 9 يونيو 202211:31 ص

في مدرستنا الابتدائية في تل كوجر (بلدة في محافظة الحسكة السورية)، كنت أشعر بالإعياء والغثيان في الحافلة، حين كانوا يأخذوننا بالباصات إلى المدن في مسيرات لإحياء ذكرى عيد الجلاء، أو الحركة التصحيحية، وغيرهما. في الحر والبرد الشديدين، كنا نحمل صور الرئيس وأعلام البعث ونجوب الشوارع أرتالاً. كانت رائحة الأعلام المليئة برائحة بنزين الحافلات تجعلني أقرف وأتقيأ جاثيةً على ركبتي طوال المسيرة، فيتبعثر الرتل.

في صغري، كنت أرى المناسبات الوطنية شكلاً من أشكال الحرية، أما الآن فأتّحد مع ذكرى إحياء المناسبات الوطنية بالتقيؤ، اتحاداً يثير إعيائي. أتذكرها بالشعور ذاته. تغيرت إلى صورة موجعة بعد تصدّر ما يحدث في سوريا المشاهد الأكثر ألماً في التاريخ؛ باتت الحرية كالطريق التي تنفر من مسالكها الضحايا، سرباً وراء سرب، وأنا أحاول أن أحظى بروح منهم لأجد معنى واضحاً للحرية، لكن بلا جدوى.

في صغري، كنت أرى المناسبات الوطنية شكلاً من أشكال الحرية، أما الآن فأتّحد مع ذكرى إحياء المناسبات الوطنية بالتقيؤ، اتحاداً يثير إعيائي.

أتذكر جيداً جارنا عامل التنظيفات في تل كوجر. كان يخرج إلى عمله منذ الصباح الباكر في مدينة القامشلي، ويعود بعد الظهر منهكاً؛ كان في الستين من عمره، أي في سن التقاعد، عندما أرسل في طلبي لقراءة رسالة وصلته. صادف أنه كان ينظف حظيرته في ظهيرة يوم الجمعة، أي في يوم العطلة. نظّف الغبار عن ثيابه وأخرج من جيبه رسالةً ملوثةً بروث الماعز. كانت رسالة تهنئة وثناء من الحكومة السورية تصفه فيها بالبطل المضحي لوطنه في حرب تشرين التحريرية، وسألني بخوف: هل اشتكى عليَّ أحدهم قائلاً إني لم ألتزم بعملي؟ أو اجترَّت أغنامي خضروات رئيس المخفر المزروعة عند طرف بيته؟

شرحت له محتوى الرسالة بلغة عاميّة كردية، وأخبرته بأنه بطل، وأنها شهادة فخر له ولعائلته. ضحك بسخرية وسحب الورقة من يدي، وألقاها على كومة الروث، وقال: حاربت لأصنع الحرية، ما هذا الثناء المضحك؟

لم أفهم كلامه وقتها. كنت في الصف التاسع. ربما لم يفهم هو الآخر بالضبط معنى ما كُتب في الورقة، لكن العبرة في التعبير الذي ظل في بالي، واتّضح الآن.

ها قد عرفت الآن أن الحرية ضائعة. هي نداءات الراحلين الذين يصرخون بحناجرنا الملتهبة. الحرية هي صور الموتى الذين يحملون ملامح لآخرين سيموتون ويغيبون عنا غداً أو بعد غد.

شرحت له محتوى الرسالة بلغة عاميّة كردية، وأخبرته بأنه بطل، وأنها شهادة فخر له ولعائلته. ضحك بسخرية وسحب الورقة من يدي، وألقاها على كومة الروث، وقال: حاربت لأصنع الحرية، ما هذا الثناء المضحك؟

في العطلة الصيفية، شكّلت وبنات حارتنا الأربع عصابةً، "فتيات الخير"، على غرار أفلام كرتون "فتيات القوة". كنا نجتمع في أماكن خالية للحفاظ على السرّية، ونتحدث عن القوانين التي يجب تطبيقها لحماية الناس من الشر، وشعارنا كان "الحرية". كان العالم بالنسبة إلى تفكيرنا على حافة الهاوية، ونحن منذورون لإنقاذه من السقوط.

في أحد الأيام، شكت إحدى البنات حزنها لأن والدها سيزوج أختها من رجل غني مطلق يكبرها بعشر سنوات. اتفقنا بعد محادثات مطولة على أن نمنع هذا الزواج. كنا نغلي سخطاً ووجدنا أنه لا يمكن أن نسمح لهذا الشر بأن يحصل، فقررنا أن نعرّف بأنفسنا لجارنا، وننصحه بأن زواج ابنته ظلم وباطل.

كم تأثرت بقصص النساء اللواتي يتسلقن مرتقى الحرية العصيب. مرةً، في صغري، ظهرت الحرية بصورة العصي، وأدوات المطبخ الحادة.

في يوم العرس الذي أقيم في إحدى ساحات تل كوجر، لبسنا أجمل ما عندنا، وتوجهنا إلى جارنا والد العروس وكلنا ثقة وإيمان بأننا سننهي هذه الفضيحة ونمنحها الحرية. كان الرجل في الخمسين من عمره، يتكلم بجهدٍ يجعله يشهق بصعوبة بسبب داء الربو. كان يرتدي طقماً مكويّاً بعناية. وقفنا أمامه من دون أن يتفوّه أحدٌ منا بحرف، فسألنا: ماذا تردن يا بنات؟

نظرت كل واحدة منا إلى الأخرى، ثم خرجت منا جملة بصوت واحد: "نرفض هذا الزواج الذي يؤدي إلى كبت حريتها"؛ لم يعِر أهميةً لأيٍّ منا، ثم بصق في منديله وهو يسعل، وضحك قائلاً: "اذهبوا من هنا للّعب، ستكبرون غداً وسترون الشر بأشكال أخرى". تمتم في سرّه وقد ارتسمت ابتسامة غريبة على وجهه، قائلاً: "هكذا تبدأ صورة البحث عن الحرية برفضكن، هو ناعم وبريء في البداية". لم نفهم كلامه لكننا انصرفنا والسعادة تغمرنا، معتقدين أننا أنجزنا المهمة بنجاح وستعود العروس إلى البيت حال انتهاء العرس. سمعت جارتنا بعد أيام تتحدث عما حصل معنا، فانفجرت أمي بضحكة ساخرة.

اكتشفت الآن أن الحرية ظلت على حالها، ضحكةً، تبدأ بالرفض، وبآمال عظيمة، ثم تتلاشى وتتحول إلى ضحكة ساخرة في أفواه الجميع.

كم تأثرت بقصص النساء اللواتي يتسلقن مرتقى الحرية العصيب. مرةً، في صغري، ظهرت الحرية بصورة العصي، وأدوات المطبخ الحادة.

أخبرني أبي يوماً عن جدتي المتوفية حليمة، أنها قاومت مع نساء قرية كرديم عصابةً من اللصوص هاجمت قريتهم، وانتصرن عليهم، بينما الرجال وقتذاك كانوا يعملون في البيادر. قذفت الأمهات أسلحتهنَّ البيضاء في الهواء، ورفعن أكمام أثوابهن الطويلة عالياً كراية نصر. ظلت نساء القرية مجتمعات وخالدات في ذاكرة الحرية ببالي، خاصةً أن اسم القرية تغير وقتها من كرديم إلى كرديم حليمة.

محزن أنني أتعثر في بحثي عن الحرية، لكني أسعد من أن صراخها سيعيش في ذهني وذاكرة كتاباتي، وقد أصرخ يوماً بنبرة الحرية في قلوب آخرين، ويرونني في ذواتهم وسيكون هناك من يسمعني بعد الموت ويسعى إلى الحرية مثلي. لطالما كانت تختفي كلما حاولت لمس مفهوم واضح لها

أخذني والدي وقتها إلى قبرها. كان والدي يمشي سريعاً كعادته، وكنت أركض للّحاق به، وأتجاوزه أحياناً بثوانٍ، ثم أقف لألتقط أنفاسي.

شعرت بروح الحرية وهو يعيد سرد قصتها في الطريق. لكن أبي أخبرني حينها، للمرة الأولى، أنها توفيت كمداً وقهراً، بعد أن تزوج جدي بامرأة ثانية.

كلما أتذكر الحدث، أسمع جدتي حليمة تصرخ من داخلي لكي ترتاح. لم أكن وقتها أعرف كيف أتكلم بوضوح عما يجول في داخلي، وأعبّر عنه كما الآن، بعد أن ماتت الحرية فيه، لا سيما أنني كنت أشبّهها بالشخصيات الأسطورية.

محزن أنني أتعثر في بحثي عن الحرية، لكني أسعد من أن صراخها سيعيش في ذهني وذاكرة كتاباتي، وقد أصرخ يوماً بنبرة الحرية في قلوب آخرين، ويرونني في ذواتهم وسيكون هناك من يسمعني بعد الموت ويسعى إلى الحرية مثلي. لطالما كانت تختفي كلما حاولت لمس مفهوم واضح لها.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard