فيديو زائف وتعليقات عدائية... تنميط المُسلمة المحجّبة كمتسوّلة ثريّة في إسبانيا

الأربعاء 8 يونيو 202203:12 م

 لو أن امرأة إسبانية، بشعر طليق وملابس أوروبية، قادت سيارة مرسيدس في شوارع مدريد أو برشلونة، لربما لن يلتفت إليها أحد.

لو أن نفس المرأة اقتربت من سيارات بنك الطعام المخصص للفقراء، ومدت يدها لحمل بعض العلب، لن يلتفت إليها أحد كذلك، ولو التفت إليها فضولي فسيقول لا بد أنها تحملها لفقراء أو متسولين.

لكن لو كانت المرأة محجبة سيختلف الحكم سريعاً، إذ سيلتفت العديد من الناس أولاً لامرأة محجبة، وبالتالي أجنبية مسلمة، تقود سيارة مرسيدس، وسوف يُطرح السؤال: من أين لكِ هذا؟ ثم لو أن نفس المحجبة اقتربت من بنك الطعام ستكون الكارثة، وسيتم الاعتقاد غالباً بأنها تقود سيارة مرسيدس لكنها تتسول أيضاً وتأخذ أكل الفقراء.

لن يدقق من يقول ذلك، أو يكتبه في تعليق، في ملامح المرأة، لأن الحجاب أعطى للمرأة هويتها العربية المسلمة، ولن يفترض، قطعاً، أنها تحمل نيةً حسنة لمساعدة الفقراء كواجب يومي تستغل فيه سيارتها.

 لا افتراضات هنا، ولا تصورات خيالية. ففي الشهور الماضية انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي فيديو لامرأة محجبة ترسل أبناءها بعربات التسوق ليحملوا علب الطعام، فيما تنتظرهم بالقرب من مكان توزيع الغذاء وبالقرب من سيارتها المرسيدس. الفيديو الذي لا تتجاوز مدته أربع دقائق رافقته تعليقات عن المرأة المسلمة المحجبة، دون ذكر إذا كانت إسبانية مع افتراض (شبه مؤكد) بأنها أجنبية تدعي الفقر وتأكل أكل الفقراء، وتتلقى المساعدات الاجتماعية، وفي نفس الوقت لديها سيارة لا يقل ثمنها عن 68 ألف يورو.

الفيديو لم يتوقف، ولم يكن غرضه طرح قضية، وإنما إحداث فضيحة، لأن المرأة يمكن التعرف عليها، ولوحة السيارة ظاهرة في التصوير.

 رافقت الفيديو تعليقات عن المرأة المسلمة المحجبة، دون ذكر إذا كانت إسبانية مع افتراض (شبه مؤكد) بأنها أجنبية تدعي الفقر وتأكل أكل الفقراء، وتتلقى المساعدات الاجتماعية، وفي نفس الوقت لديها سيارة لا يقل ثمنها عن 68 ألف يورو.

تداولت صحيفة "الدياريو" الإسبانية محتوى الفيديو وتواصلت مع المرأة التي كشفت حقائق تجاهَلها مصور الفيديو. 

منها، أنها إسبانية من مدريد، وأنها لا تحمل الطعام لعائلتها، وإنما لتوزيعه على عائلات فقيرة أو تحمل بعض أفراد هذه العائلات في سيارتها لتُقِلهم إلى بيوتهم، بحسب ما أكدت مديرة بنك الطعام، أمادورا نونيث، لتي تعرف الامرأة نفسها، مضيفةً أن كل العائلات التي تتلقى مساعدات مسجلة لدى البنك من ضمن المستحقين للمساعدة. كما أن مقر الجمعية الخيرية يقع في المركز الصناعي بمدريد، حيث تم التقاط الفيديو، وهذا ما ينفي عن المرأة شبهة التسول.

وبحسب ما صرحت به نونيث لجريدة الدياريو، فالجمعية تتلقى طلبات المساعدة مع مستندات تثبت احتياج العائلات والأفراد، مثل شهادة البطالة أو التعرض للنبذ الاجتماعي لكونهم أجانب، وشهادة أخرى عن عدد أفراد العائلة، وبناء على دراسة الحالة تُحدد قائمة المستحقين، وبالتأكيد لن يكون من ضمنها سيدة تحوز سيارة خاصة ولا سيارة مرسيدس.

 وفي تصريح لموقع maldita.es، يقول إدوين بوينو، رئيس التوزيع بجمعية Aviva الخيرية، إن المرأة التي ظهرت في الفيديو ليست من ضمن متلقي المساعدات، وإنه رآها في مرات سابقة تساعد في توزيع الطعام، وإنه اعتاد حضور أفراد بسيارات فارهة لتقديم هذه المساعدة.

في ردها على جريدة الدياريو، أكدت المرأة المحجبة (لويسا) التي نشر لها الفيديو، أنها لا تعمل لكن زوجها، وهو مغربي الأصل، يعمل، وأنه صاحب السيارة مع أنها هي التي تستخدمها، وأنه يقيم في إسبانيا منذ 15 عاماً. مضيفةً أنها تكرس وقتها لمساعدة العائلات المهاجرة المحتاجة.

تعليقات عنصرية 

 إذا كان أحد الأفراد، سواء ممن يكرهون الأجانب أو ممن يتشبثون بالإسلاموفوبيا، قد نشر الفيديو بنية مغرضة لتضليل الرأي العام، فالمأساة الأكبر في تعليقات المشاهدين.

ليس فقط لأنهم صدّقوا بدون دليل، وهذا يحدث كثيراً، وإنما أيضاً لأنهم كشفوا عن نوايا ليست بعيدة عن صاحب الفيديو.

تكررت على الفيديو تعليقات تقول "اخرجي من بلدنا" و "عودي إلى بلدك"

لقد تكررت تعليقات تقول "اخرجي من بلدنا" و "عودي إلى بلدك"، بناء على تصور هوية محددة للامرأة، بالتأكيد هوية أجنبية.

هذا الضغط النفسي دفع المرأة إلى التوجه لطبيب نفسي كتب لها أقراصاً مهدئة ومنومة لتستطيع مواصلة حياتها، إذ وجدت نفسها فجأة تحت ضوء النبذ الاجتماعي.

النقد طال كذلك (أمادورا نونيث)، مديرة بنك الطعام، إذ كشفت كذلك أنها تلقت مكالمات كثيرة تقول: "أنتِ تاخذين أكل الإسبان لتعطيه للمسلمين".

رغم أن كون المواطن إسبانياً لا ينفي عنه إسلامه ولا يؤكد كاثوليكيته. ورغم ما وجدته المرأة من إهانة في العبارة، فإن معناها أكبر من ألفاظها، لأنها تعكس تاريخاً طويلاً من الصراع الإسباني- العربي، صراع لم يتجاوزه الزمن، وصراع يتكرر الآن على أرضية الإسلام كمرادف للإرهاب، ولا يقوده الجهل بالآخر وإنما تنميطه. وتحمل كذلك معنى أن تبرعات الإسبان موجهة بالأساس للإسبان الكاثوليك، وليس للعرب المسلمين.

 تعرضت المرأة المحجبة إلى ضغط نفسي كبير، دفعها إلى التوجه لطبيب نفسي كتب لها أقراصاً مهدئة ومنومة لتستطيع مواصلة حياتها، إذ وجدت نفسها فجأة تحت ضوء النبذ الاجتماعي.

وهي نقطة خطيرة لا يصح تجاوزها بسهولة، إذ ماذا لو كانت الجمعية الخيرية مسلمة بالأساس؟ أو لو أعلنت جمعية ما أنها تخصص مواردها للمهاجرين بما فيهم المسلمين؟ هل سيتوقف بعض المواطنين الإسبان عن التبرع والمساعدة على أساس هوية المحتاج؟

 بتهديد من المرأة المحجبة بدعوى قضائية، أزيل الفيديو من منصات التواصل الاجتماعي، لكن صورته لا تزال موجودة وعليها تعليق صاحب الفيديو كإدانة له.

لكن ليس في ذلك ضمان بعدم تكرار الحادثة، لأن تغطية الحدث باعتباره حدثاً طارئاً دون التوقف عند تحليله ومناقشته نقاشاً جاداً، والاكتفاء بالإشارة إليه في صفحة المجتمع، لا يسمى معالجة. فانطلاق هذا النوع من الفيديوهات وكتابة تعليقات تندرج تحت الإسلاموفوبيا يشير إلى مشكلة متجذرة تخص أبناء هوية دينية مختلفة حتى لو كانوا إسباناً، كما هو حالة هذه السيدة.

الإسلاموفوبيا نتيجة التعتيم الإعلامي

 تسارع الأحداث في السنوات الأخيرة، ليس بداية من حادثة 11 آذار/ مارس 2003 الممثلة في تفجير محطة قطار بمدريد، وليس نهاية بحادثة برشلونة قبل ثلاثة أعوام، قد زاد من تنميط صورة المسلم والمحجبة لدى العديد من العقليات الإسبانية، ولدى قطاع بارز في المجتمع، وأدت لنوع من الإسلاموفوبيا ليس منعزلاً عن المحيط الأوروبي، فالتعتيم الإعلامي أحد الأسباب الرئيسية لتجاهل هذه القضية واعتبارها عابرة.

هذا التعتيم الذي يعتبر ظاهرة في السنوات الأخيرة دفع (باولا بويرا) و(لاورا نبارّو) لعمل استقصاء إحصائي أشارت نتيجته إلى أن 82% من الإسبان يرون أن ثمة مشكلة حقيقية في التعتيم الإعلامي، وهي نسبة قريبة من تقرير الاتحاد الأوروبي الذي يرى فيه 78% الأمر نفسه.

  التقرير المنشور على موقع newtral يشير كذلك إلى أن 11% لا يرون أن التعتيم موضوع هام في المجتمع. ونسبة الـ 82% يشيرون كذلك إلى أنه شديد الضرر بالديمقراطية. في دول أخرى مثل فنلندا، يعتقد 52% أن التعتيم الإعلامي إحدى مشكلات البلد. 

 النسبة الكبرى من الإسبان تعتقد أن وسائل الإعلام تشوّه الواقع أو تبث أخباراً كاذبة، وهي نسبة تفوق الـ 70% من مواطني الاتحاد الأوروبي الذين أكدوا أنهم قرأوا أخباراً كاذبة من قبل. ويشمل هذا التعتيم وسائل التواصل الاجتماعي، إذ يشير التقرير نفسه إلى أن 22% فقط من الإسبان يثقون بالأخبار المتداولة فيها.

 وإذا كان التقرير لم يتعرض مباشرةً للإسلاموفوبيا، إلا أن التعتيم الإعلامي على الكثير من الحوادث أو المرور السريع عليها باعتبارها أحداثاً صغيرة، يؤديان في النهاية إلى تفاقم هذه الظاهرة. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard