"هل تشعر إسبانيا بالخطر من الجالية المسلمة؟ "... المحكمة الدستورية الإسبانية تنتصر لعائلة مسلمة

السبت 28 مايو 202204:18 م
Read in English:

Is Spain threatened by its Muslim community?

هل يمكن أن تتغير أحوال المهاجرين والأقليات المسلمة في إسبانيا نتيجة سيطرة حزب سياسي في مقاطعة ما أم أن دستور الدولة المؤسَس على أسس علمانية بوسعه أن يحمي الأقليات؟ 

طُرح هذا السؤال في إسبانيا، البلد الأوروبي المنظّم سياسياً كمقاطعات حكم ذاتي من حق كل مقاطعة فيه أن تسن قوانينها الخاصة، وهي قوانين قد تتغير بحسب يسارية الحزب الحاكم أو يمينيته.

وقد تم طرح هذا السؤال أخيراً بعد أن لجأت امرأة إلى القضاء لتثير واحدة من القضايا المسكوت عنها عن أوضاع المهاجرين بعد فوز حزب فوكس اليميني المتطرف وسيطرته على مقاطعات جنوبية. تجلّت آثار السيطرة  في الإدارة التعليمية بمدينة مورسيا، إذ رفضت تدريس الدين الإسلامي كمادة لأبناء الجالية المسلمة، على نحو تعسفي مخالف للدستور الذي يقر التعددية الدينية واحترام العقائد بما في ذلك السماح بتدريس مادة دينية في التعليم الحكومي. 

 في الحكم الصادر من جانبها، أقرت المحكمة الدستورية الإسبانية في مدينة مورسيا بأن الإدارة التعليمية، التي تديرها ماربيل كامبوثانو، السياسية التابعة لحزب فوكس، قد انتهكت أحد المبادئ الدستورية الخاصة بالحرية الأيديولوجية والدينية للمواطنين وحق الآباء في اختيار تلقي أبنائهم للتعليم الديني والأخلاقي طبقاً لمعتقداتهم.

 مادة الدين الكاثوليكي تُدرّس في المدارس الحكومية، كما وافقت المدارس على تدريس الدين اليسوعي مؤخراً، فما المانع إذاً من تدريس الدين الإسلامي؟

بناء على ذلك، أقرت المحكمة حق عائلة مسلمة في أن يتلقى أبناؤها تعليم الدين الإسلامي في المدارس الحكومية بالمقاطعة. وبحسب بيانات اللجنة الإسلامية بإسبانيا، فإن المقاطعة تضم 23 ألف مسلم في سن التعليم الأساسي من حقهم التعليم الحكومي، مع عدم وجود أي مركز في مورسيا لتعليم هذا الدين. وبحسب المتبّع، فإن تلقي المدرسة لـ10 طلبات لتدريس أي دين هو عدد كافٍ لتدريس المادة. وإذا كانت مادة الدين الكاثوليكي تُدرّس في المدارس الحكومية، كما وافقت المدارس على تدريس الدين اليسوعي مؤخراً، فما المانع من تدريس الدين الإسلامي؟   

 الإدارة التعليمية بمدينة مورسيا الإسبانية تشعر بالخوف من الإسلام، ربما الخوف متزايد هذه المرة ومصبوغ بالإسلاموفوبيا لأن المنطلق الأيديولوجي لحزب فوكس هو كراهية كل ما هو غير إسباني.

  من سؤال ما المانع، توجهت السيدة التي أثارت القضية بعدد كبير من الشكاوى للإدارة التعليمية لتفهم هل السبب عدم وجود مدرّسين لهذه المادة، عدم استعداد المدرسة كقدرة استيعابية لتوفير فصول لتدريسها، أم أن المسألة تدخل في التفرقة على أساس ديني، وعدم اعتراف الإدارة التي تمثّل حزب فوكس بالدين الإسلامي والمواطنين المسلمين؟ مع تأكيدها أنها ليست الوحيدة التي تقدمت بهذا الطلب، وأن ثمة خمسين طلباً من عائلات أخرى للمطالبة بإدخال هذه المادة في التعليم الحكومي لأبنائهم، إذ ما فائدة أن يكونوا مسلمين ويدرسوا مادة الدين الكاثوليكي؟مرحلة اللجوء إلى القضاء جاءت بعد تعنت الإدارة التعليمية، ليس فقط من أجل ابنها ولا الأطفال الآخرين، وإنما من أجل 140 ألف مسلم، وهو عدد الجالية الإسلامية بمورسيا، بحسب ما صرّحت السيدة التي فضّلت عدم الكشف عن اسمها، لجريدة الباييس الإسبانية، مبررةً ذلك بأنها لا تريد أن تتعرض لمضايقات من مناصري حزب فوكس. لقد تحركت هذه السيدة لإثارة القضية لأنها تعرف أن الكثير من المسلمين المهاجرين يواجهون مشاقاً لكنهم لا يتحركون، إمّا لعدم معرفتهم بحقوقهم الدستورية، أو لعدم إتقانهم الإسبانية. وباعتبارها إسبانية مسلمة، وجدت أن دورها هو الدفاع عن هذه الأقلية.     

أشار حكم المحكمة إلى أن دستور الدولة وقانون التعاون مع اللجنة الإسلامية، منذ عام 1992، قد أقرا حق العائلة في أن يتلقى أبناؤها المادة الدينية المناسبة لمعتقداتهم، كما أشارت إلى أن الأم لم تطلب حتى أن يدرس أبناؤها الثلاثة مادة الإسلام في مدرسة محددة، وإنما في أي مدرسة تتوافر فيها الشروط المتفق عليها. ومن جانبها، أرسلت اللجنة الإسلامية بإسبانيا، وهي ممثلة قانونية للأقلية المسلمة، قائمة تضم أسماء مدرسين تنطبق عليهم الشروط إلى إدارة مورسيا، لكن الإدارة التعليمية كانت قد تجاهلت نشر القائمة ولم ترسل أي رد بقبول أو رفض أسماء القائمة، بحسب نفس الجريدة. وبعد أن أقرت المحكمة أحقية تدريس مادة الدين الإسلامي كحق أساسي لأبناء المسلمين في المدارس الحكومية، أدانت موقف الإدارة التعليمية، وألزمتها بدفع نفقات القضية.

 مخاوف ومحاولة للطمأنة

  لا شك أن الإدارة التعليمية بمدينة مورسيا الإسبانية تشعر بالخوف من الإسلام، ربما الخوف متزايد هذه المرة ومصبوغ بالإسلاموفوبيا لأن المنطلق الأيديولوجي لحزب فوكس هو كراهية كل ما هو غير إسباني كاثوليكي، وتالياً ثمة دفاع مستميت عن كاثوليكية إسبانيا ونقائها الوطني، والعرقي حتى! لكن ذلك لا يلغي أن مواطنين آخرين بعيدين عن الحزب المتطرف يشعرون أيضاً بالخوف من الإسلام ويلصقونه بالإرهاب، ويتذكرون حادثة برشلونة وقبلها بسنوات تفجير قطار أتوتشا، المحطة الرئيسية الأكبر بمدريد، فيما سمي بـ 11M. إضافةً إلى خطاب إعلامي لا يتسم بالتوازن ولا يعرف الفرق بين الإسلام والإرهاب، مع غياب شبه تام للمستعربين من وسائل الإعلام الأكثر تأثيراً.  

كثير من المواطنين البعيدين عن الحزب المتطرف في إسبانيا، يشعرون أيضاً بالخوف من الإسلام ويلصقونه بالإرهاب، ويتذكرون حادثة برشلونة وقبلها بسنوات تفجير قطار أتوتشا

  لكل هذه الأسباب، قدمت المفوضية الإسلامية للإدارة التعليمية قائمة بأسماء المدرسين مرفقة بسيرهم الذاتية، ومرفقة كذلك بالمناهج التعليمية التي تدرس للطلبة سواء كانت كتباً نصية أو موادَّ أخرى.

محاولة الطمأنة التي اتبعتها الجمعية القانونية لم تلق أي صدى. كل المحاولات لمقابلة المسؤولين باءت بالفشل بعد مماطلة لا نهاية لها، بحسب ما صرّح به إيهاب فهمي، المتحدث الرسمي باسم المفوضية الإسلامية، لجريدة الدياريو، مضيفاً أنه يرى أن "إدخال مادة الدين الإسلامي سيحقق مزيداً من الاندماج في المجتمع وتطبيع الحياة الاجتماعية بين أبناء الديانات المختلفة، وليس أفضل من المدرسة لتحقيق ذلك".

 ورغم صدور حكم المحكمة بإدانة الإدارة التعليمية ومنح الحق للعائلات المسلمة، فإن الإدارة ستدرس الحكم قانونيًا بدون أن تعلن إن كانت ستنفذه، متذرعةً بأن إسبانيا لا تتمتع في جهازها الحكومي بمؤسسة إسلامية تعادل البطريركية الكاثوليكية، المكلفة بوضع منهج الدين الكاثوليكي وترشيح المدرسين. هذه الذريعة نفسها تكشف عن مخاوف أخرى من جمعية إسلامية مرخصة قانوناً هي اللجنة الإسلامية.

خوف وعدم ثقة بالمناهج التي تدرس للطلبة ونوعية المدرسين الموصومين مبدئياً بالإرهاب حتى يثبت عكس ذلك. فالإدارة التعليمية تثق بالبطريركية الكاثوليكية، لكنها لا تثق باللجنة الإسلامية. وليست المشكلة هنا في اللغة، فالدين الإسلامي سيدرس بالإسبانية ويمكن مراجعة نصوصه، كذلك يمكن الاعتماد على مستعربين لمراجعة النصوص نفسها أو ليتولوا مسؤولية المراقبة والتفتيش.     

يعيد موقف الإدارة التعليمية سؤال الهوية مجدداً إلى الضوء، وسؤال العلمانية نفسها باعتبارها أحد أسس الدولة.

والسؤال الأهم: هل يمكن في حالات الشعور بالخطر التخلي عن المبادئ الأساسية التي تخص قيم الحرية، ومن ضمنها حرية التعبير والعقيدة بالذات؟ هل تشعر إسبانيا بالخطر فعلاً من وجود جالية مسلمة أغلب افرادها مسالمون فروا من بلدانهم هرباً من الموت الفقر والمطاردات لينعموا بالهدوء وليس بالتفجيرات؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard