لم أكنْ يوماً ممتناً لطرطوس... ولكنّها فتحت لي الأفق بمحدوديتها

الاثنين 13 يونيو 202211:22 ص

خلال عام 2011،انتشرت عناوين لمظاهرات في عدّة محافظات تطالب بالحرية، تقابلها مسيرات شعبية تنادي بأهمية استقرار هذه البلاد وتنبه من جرها نحو الهاوية. كنت أبلغ من العمر 16 عاماً، وأسكن في المحافظة التي، إلى حد يومنا هذا، لا تجرؤ على الخروج في الشوارع، وتتمسك بفقر أهلها ودخلهم المحدود وإيمانهم الراسخ بأن كل ما يحدث مؤامرة ولا يمكن أن يكون ضمن أي شكل آخر.  

سكّان طرطوس - أو ما يحب أبناؤها أن يطلقوا عليها مصطلح "المحافظة المنسية" نسبة إلى أنها آخر مجتمع يحصل على حقوقه وامتيازاته في سوريا - يمتلكون قدرة كبيرة على الصمود والعيش بأبسط أشكال الحياة. وذلك كيلا يُطلق عليهم أي مفردة سلبية من قبل أي شخص يسكن في حدود بلادهم. 

سكّان طرطوس - أو ما يحب أبناؤها أن يطلقوا عليها مصطلح "المحافظة المنسية" نسبة إلى أنها آخر مجتمع يحصل على حقوقه وامتيازاته في سوريا - يمتلكون قدرة كبيرة على الصمود والعيش بأبسط أشكال الحياة

استقبلتْ تلك المدينة ما يعادل ضعفَيْ سكانها خلال الحرب في سوريا، وانتشرت فيها المخيمات بشكل كبير. لم يكن في الحسبان أن تمرّ الحرب على طرطوس مرور الكرام. كان كل من يشاهد طرطوس عبر الشاشات يقول هذه الجملة: "لقد تركت الحرب أثراً من نوع آخر على هذه المدينة. ومن غير الممكن أن تدخل منزلاً في طرطوس دون أن ترى عائلة قد فقدت أحد أفرادها في ساحات المعركة. وهنالك عدد من العائلات التي فقدت أكثر من فرد في بيوتها. لم تحظَ طرطوس في أي يوم من أيامها بما تستحق مقارنة بالذي قدّمته في تاريخها. ولم تنشط المدينة، حتى الآن، من ناحية الخدمات والإنسانية. ولم تدخل ضمن المحافظات الرئيسية ولا ضمن المحافظات التي تأخذ حيّز الاهتمام. تفرّدت تلك المحافظة في تقديم أبهى صورها عبر جميع الأفراد الذين ترسلهم بكفاءاتهم إلى جميع أنحاء العالم".  

كنت أنوي الكتابة عن تلك المحافظة منذ وقت طويل، ولكن لم أملك القدرة على ذلك. إلا أنه منذ فترة ليست بالقصيرة، لفتني مقال عن طرطوس. مقال يحوي من الهموم الكثير، ومن يقرأه يأخذ أسوأ الصور عن تلك المدينة الصغيرة. لم أرغب بحياتي أن أوجّه الاتهام لأي شخص تكلّم عن تجربته في أي مكان، ولكني أعتقد أن الـ18 سنة التي قضيتها بها كفيلة بأن تجعلني أتحدث عن وجهة نظري بطرطوس.  

لم تحظَ طرطوس في أي يوم من أيامها بما تستحق مقارنة بالذي قدّمته في تاريخها.

لطالما كنّا في حياتنا بحاجة لمكان محدود نستطيع، من خلاله، أن نحلم بإنجاز يتخطى الحدود. وهذا ما كانت طرطوس تحاول العمل عليه طوال تاريخها. لم تأخذ هالة أكبر من القدر الذي تستطيع تقديمه ولم تلعب دور المدينة الكبرى أو الشوارع المزدحمة، بل قدّمت نفسها بالشكل الحقيقي الذي تملكه. لم تقدم الوعود الكبيرة لأولادها، وإنّما أعطتهم القدرة الكبيرة والأسباب الصحيحة للخروج منها نحو تحقيق ما يحلمون به. حاصرتهم طرطوس بالمحدودية ووضعتهم أمام الكثير من الخطوط الحمراء كي يعيشوا الصدمة في الوقت اللازم لتلقيها. 

كثيراً ما كانت مدننا بعيدة كل البعد عن جوهرها الحقيقي، وخصوصاً في بلادنا العربية، حيث الوعود بالإصلاح والفرص. وكانت كل هذه القرارات ترتكز على العواصم، وتحاول المدن الأخرى انتظار دورها في وصول هذه التحسينات إليها. طرطوس لم تكن تنتظر أي شيء من هذا القبيل، فهي اعتادت أن تكون منسية وبعيدة عن كل الظروف والحقوق الطبيعية التي تحتاجها. وعندما حان وقت إنعاشها، تم تقديمها لتكون منطقة استثمار لروسيا، تلك الواجهة البحرية التي شكلت لنا المساحة الأكبر للحلم، أصبحت اليوم خارج إطار خيارتنا أيضاً. 

لم تقدم الوعود الكبيرة لأولادها، وإنّما أعطتهم القدرة الكبيرة والأسباب الصحيحة للخروج منها نحو تحقيق ما يحلمون به. حاصرتهم طرطوس بالمحدودية ووضعتهم أمام الكثير من الخطوط الحمراء كي يعيشوا الصدمة في الوقت اللازم لتلقيها

تلعب طرطوس دور الأم المنتظرة لنجاح أولادها، لا تضع لهم شروطها ولا تتمنى أن يبادلوها الحب إلّا في الوقت الذي يتأكدون فيه من أهميتها وتأثيرها في تحقيق طموحاتهم. بالنسبة لي، لم أكن يوماً ممتناً لطرطوس. ولكن عند زيارتي الأخيرة لها قبل سفري، كانت جل الأفكار التي تخطر لي متعلقة بالطريق، من أصغر محافظة سورية إلى أكبرها. لم تكن هذه الخطوة لتتم، ولم أكن لأسافر دون أفق طرطوس المحدودة. 

في طرطوس، كل فرد لديه عائلة. ومن غير الممكن أن تمشي في شارع دون أن تلتقي بشخص تعرفه. مدينة صغيرة جداً لأحلام اتسع لها أفق العالم كله.

أنا، اليوم، أقطن في محافظة القاهرة، في مصر، التي تشكل مساحتها ثلاثة أضعاف مساحة طرطوس. أمشي في شوارع كثيرة كل يوم. ومع ذلك، لا تنتهي الشوارع الجديدة. بينما في طرطوس، تستطيع أن تتنقل بين شوارعها بسرعة، فهي عبارة عن ثلاثة شوارع رئيسية فقط. أمشي على ضفة النيل، وأتذكر كورنيش طرطوس البحري، الذي كان في كل مرة يستطيع أن يقدّم أحلاماً مختلفة على الرغم من محدودية مساحته. 

أعيش في حالة تناقض بين مجتمع أنتمي إلى أهله بكل ما يملكوه، وبين مدينة عبارة عن محافظات عدة. أجتمع بالقاهرة مع خمسة أصدقاء من طرطوس، ونتكلم عن كل تلك الرحلة التي لم تكن لتتم لولا وجود طرطوس بذاك الشكل من الصدق، الذي مهما شكّل لنا من انزعاج، نبقى ممتنين له حتى الآن.  

لم تبخل طرطوس على أية بقعة جغرافية، حيث ساهمت في تقدّم أبنائها وإظهار مواهبهم وقدراتهم حتى يصبحوا مثالاً يحتذى به في كلّ مكان. ستبقى تلك الأماكن الصغيرة - التي كانت مصدر إزعاج لكل أفرادها في فترة من الفترات - مصدرنا الأول والسبب الأول في تحقيق ما نريده. من الجميل أن نتصالح مع كل المشاكل النفسية التي تشكّلت فينا بحكم بيئاتنا المختلفة. ومن الجميل أن نستطيع التحدث عنها والإشهار بها دائماً. ولكن الأجمل من كل ما تم ذكره، هو مكالمة فيديو تظهر فيها مشاعر محافظة كاملة لتسألك عن أحوالك. جميلةٌ هي كل أشكال الحياة التي قدمتها طرطوس لنا لتجعلنا نتمتع بحق الحلم الذي سُلب منها. 

هل لك أن تتخيل العيش ضمن عائلة كبيرة؟ في طرطوس، كل فرد لديه عائلة. ومن غير الممكن أن تمشي في شارع دون أن تلتقي بشخص تعرفه. مدينة صغيرة جداً لأحلام اتسع لها أفق العالم كله. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard