طرطوس ليست مدينةً للتعافي

الأحد 24 أبريل 202211:00 ص

عند التجول في طرطوس مساءً، أتساءل كيف للمدن أن تنام باكراً كالقرى، وهل أساساً اكتسبت صفة التمدن، فمدينة تغفو على مشارف الغروب، ومحال وأسواق تغلق باكراً لا تعدّ أموراً حيوية وتبعث على الابتهاج، ومدينة دون مسارح كبيرة بعروض وفعاليات أسبوعية أو صالة سينما مُعتبرة ليست بتلك المدينة، ورغم ذلك يمكن أن يتهافت الجميع من الأنحاء للاستقرار فيها، فهي هادئة وآمنة وشكلت ملاذاً لسوريين كثر أثناء النزاع.

لا مساحة في هذه المدينة للهرب أو الابتعاد ولا حتى للشفاء. في طرطوس الصغيرة حد الاختناق، لا يمتلك المرء الكثير من الخيارات، فحتى الاستقلالية باتت خياراً صعباً أمام شباب هذه المدينة التي تنافس العاصمة دمشق (أسوأ مدينة للعيش في العالم) في أسعار عقاراتها وإيجاراتها وتكاليف المعيشة، فلا خدمات جمّة ولا فرص عمل كافية ولا عمران يثير الإعجاب ولا آثار يُعتنى بها ويُروّج لها. لم تعد رفاهية البحر كافيةً لسكانها، فمشوار الكورنيش والجلوس على الشاطئ بات مستهلكاً حتى أن نسبة من قاطنيها قد لا ترى البحر في الشهر مرة.

قرار الانفصال صعب هنا، الانفصال عن صديق، شلّة، حبيب... ستشعر وكأنك علقت بالأشخاص، فالأماكن المشتركة كثيرة، والمساحة صغيرة، والمقاصد قليلة... ستصبح فرصة الاصطدام بهم كبيرة في كل يوم، وبالتالي لن تحصل على فرصة التعافي من هذه العلاقات. سيصعب الموضوع، ويصبح قرار الاحتفاظ بهذه العلاقات أسهل. ستقف طرطوس بوجهك للمضيّ قدماً، فهي ليست كبيرة كدمشق أو غيرها. ستظل تواجه الأماكن والأشخاص الذين حملت معهم ذكرى مؤلمة أو اختبرت علاقة فاشلة، لتبقى تعاني من التروما، ويُحكم عليك لتظل traumatized.

"قرار الانفصال صعب هنا، الانفصال عن صديق، شلّة، حبيب... ستشعر وكأنك علقت بالأشخاص، فالأماكن المشتركة كثيرة، والمساحة صغيرة، والمقاصد قليلة... ستصبح فرصة الاصطدام بهم كبيرة في كل يوم، وبالتالي لن تحصل على فرصة التعافي من هذه العلاقات"

لا مساحات صديقة للمختلفين وغير النمطيين، لا "باب شرقي" هنا ولا "حي الأميركان"، فما زال منظر فتاة تركب الدراجة وسط سوق المدينة غير مألوف للبعض، وسيشكل مظهر شاب يضع البيرسينغ ظاهرة ملفتة، وكذلك فتاة بشعر قصير وصبغة زاهية. ستكون الإشاعات سهلة الانتشار بشكل كبير، وإعابة البعض بسبب توقعات الآخرين الجندرية/ الجنسية عنه أكثر في كل مكان، فالجميع يعرفون بعضهم هنا.

يشير مصطلح "مدينة التعافي" إلى مدينة تعتمد مبادئ استراتيجية تركز على صحة الطبيعة والأشخاص والأحياء لإثبات إمكانية النمو الحضري المستدام. وهنا الحال، لا تركيز على النظافة ولا شكل عمرانياً منتظماً، ولا هوية واضحة للمدينة الصغيرة، ولا خدمات مبهرة تستحق هذه الأسعار الباهظة من أجلها.

"لا فسحة خاصة لعشاق فيها، فتضعهم تحت عدسة مكبّر حتى يعتزلوا غراميات غير مواتية. هي سهلة لأرملة وشديدة الصعوبة لمُطلّقة. طرطوس كما تقول صديقتي عنها: ‘مدينتي سامّة أكرهها... وأحبها’"

تؤكد دراسة نُشرت في مجلة Health Environments Research & Design أن مساحات الشفاء تدعم تماسك العقل والجسد والروح وتدعم التعافي وتعزز علاقات التعافي، وأن الأفراد يتأثرون ببعضهم ويؤثرون في بيئتهم المادية، وتشمل مكونات بيئة التعافي بالإضافة إلى تنمية المهارات التي تعزز الثقة والوعي والإيمان بالشفاء وتوجيه السلوكيات لتعزيز الصحة ونمط الحياة وغير ذلك، المساحة المادية التي تحصل فيها عملية التعافي بما فيها من علاقات صحية ونمط حياة صحي ورعاية متبادلة، وعلى ذلك نستطيع أن نسأل أنفسنا إذا ما كان مكاننا مناسباً للتعافي!

طرطوس بالتأكيد ليست سيئة إلى هذا الحد، إلا إنها ليست مناسبة لمَن يعانون القلق الاجتماعي ومَن اختبروا العلاقات الفاشلة فيها. لا فسحة خاصة لعشاق فيها، فتضعهم تحت عدسة مكبّر حتى يعتزلوا غراميات غير مواتية. هي سهلة لأرملة وشديدة الصعوبة لمُطلّقة. طرطوس كما تقول صديقتي عنها: "مدينتي سامّة أكرهها... وأحبها".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard