يا ذاتي الضائعة أين أنتِ؟... 3 روايات تبحث معي عني

الاثنين 4 يوليو 202211:00 ص

حالة من الذوبان والتماهي.

أترك ذاتي خارجاً، وأدخلها برضىً كامل، فأنصهر داخل حكاية، وكلما كانت مُمتعة ومحكَمة، اشتد الانصهار وطغى.

كثيرة هي الحكايات التي أقرؤها لصداها القوي، وتتركني بلا أثر، رغم أنها خلفت وراءها كلمات المديح، عبارات رنانة وتهليل، ولكن رياحها خفيفة، تعجز عن زحزحة القوالب الجاثمة على روحي ومشاعري.

ربما يختلف الأثر باختلاف ذائقة القارئ أو أن يكون له حسابات أخرى.

ثمة روايات أسميها "أعمال الظل"، قد يكون نصيبها من الأضواء أقل، ولكننا نستطيع معها أن نندمج، كما يخوّل لي زعمي، عبر كلماتها نتعايش، نغير مسار حياتنا أحياناً، ونعيد ترتيب أولوياتنا أو حتى نعيد التفكير في كل الحقائق حولنا أحياناً أخرى، وفي النهاية، تزلزل تلك القوالب الجاثمة.

وأعود لذاتي، التي ضيعتها خارج الحكاية، أحياناً قبل أن أنتهي من الرواية، أحكي معها، أقنعها، أغويها بجدوى ومتعة القراءة، علني أجدها، أو جزءاً أصيلاً منها بين السطور والكلمات.

أخاطبها، ذاتي، وأكلمها، كما أخاطبك يا قارئي/تي الآن...

1 - "الظلام يرى": كل يدٍ آثمة

ما العيب في رواية لا تفهمها بشكل كامل أو يختلف فهمك لها عن غيرك؟

تجلس مع صديقك، تتناقش عنها، فلا تتفقان، ثم يقول لك: "لم أفهمها". بل ما هو المفهوم في حياتنا بشكل كامل وواضح حتى نأتي نحن لنطلب من الكتّاب أن يقدموا لنا أفكاراً سلسة، ولا تحمل أي تأويل.

مثل هذه الأعمال قد تكون فرصة لك لإعادة ترتيب أحجار رأسك من البداية، لتزويدك بجرعة من الخيال قد تبلغك النجاة.

في رواية "الظلام يرى" للكاتبة ألفت عاطف، لا يوجد ظالم وبريء، فكل الأيادي البريئة تلد إثماً، ثم تأتي الأيادي الآثمة لتنتج جحيماً من براءة ماضية، لم تعد حية.

"جمال" لم يرد أن يحمل عبء طفل أخيه، و"أمل" لم تود أن تسير في طريق لم تختره من البداية، بينما عاش "سليم" في بيت يملؤه الكره، فخلق جحيمه الخاص.

تقول ألفت: "في الروايات الجيدة، لا تتكرر الفصول، أما في الحيوات السيئة فتتكرر. يحل الماضي في الحاضر في نقاط مكانية مختلفة حتى لا يفتضح مبعثه، وأحياناً يحل في المكان ذاته، فتكون القصة مدعاة للسخرية والأسى. يمكن أن نسمي الأمر صدفة.. أو لعنة، لكن الأسماء لا تغير من واقع الأمر شيئاً، أن الماضي لا يموت بمروره، بل يبذر البذور في أثناء عبوره لتنمو في أرض أخرى، وتبقى عمراً آخر".

صعب أن تفرق بين البداية والنهاية، فكل منهما تؤدي إلى الأخرى، وما نظنه نهاية قد يكون بداية.

يقرر "سليم" أن يتخلص من جنونه، ويلقي بنفسه داخل ظلام الموت الجميل، ليجد نفسه بين أنياب ظلام الحياة اللانهائية.

"لا أستطيع أن أجزم بما حدث معي في الفترة اللاحقة. لم أعد أميز بين اليقظة والغيبوبة، بين فترات التخدير والنوم. كنت أنتقل فجأة من مكان لآخر، يحدثني أحد الأطباء ثم يكمل الحديث ذاته طبيب غيره. كل التفاصيل تتغير بتسارع رهيب من حولي، وكأن واقعي يتدحرج من قمة جبل لا نهاية له، لكن الأمر لم يستمر طويلاً، أو استمر، لا أستطيع الحسم. المهم أن العالم كفّ عن التدحرج، واستقر أخيراً... في قاع الجحيم".

ماذا يحدث بالأشياء التي نلدها كل يوم مئات المرات؟ لا شيء يولد ليموت. الابتسامات والأفكار والدموع والوجع والأذى، كلها تتضافر مع بعضها لتلتصق مع ما يشبهها، وقد تكون من نصيب شخص آخر، تصيبه خطأً.

تكتب الكاتبة: "نحن نلد في كل لحظة الكلمات والأفكار، الدموع والابتسامات، الوجع والأذى، وكلها كائنات مكتملة تبقى في حياة طويلة، تمتد حتى بعد أن نرحل نحن. كل منهم يبحث عن قطيع، يتزاوج ويتكاثر، يتعلم وينمو، يتفشى ويغزو. الدموع تبحث عن الدموع، والألم يبحث عن الألم، والشر يبحث عن الشر. أما نحن فنتوه وسط القطعان الكثيرة، التي تجثم على صدورنا، وتقتلنا قتلاً بطيئاً، ونحن عميان عن السبب".

2- "الساعة بعد الصفر": الوعي أزمة وجنون

هل جربت يوماً أن تفقد السيطرة على أحد أعضائك؟ يدك مثلاً، تتمرد عليك، تزحف هنا وهناك رغماً عنك، تثير الصخب، وتتمادى في جنونها، لتضربك وتحوّلك من بشري مستكين يثير الشفقة أحياناً إلى كائن سوداوي يرتكب أفعالاً غير مُصدَّقة، حتى يلقبك الآخرون بـ"المجنون".

"سليم" بطل رواية "الساعة بعد الصفر" للكاتبة رانيا اللبودي، والتي فازت بجائزة "خيري شلبي" في دورتها الأولى، لا تعرف من البداية ما إذا كنت ستشفق عليه أم ستتهمه، تنظر لأفعاله فتجدها غريبة، تظن بأنه مجنون، يحب الموت وينتظره، فترتبك مع واقعه، ويصيبك ما أصابه، لتقرر أن تحيا معه في عالمه المتمرد، وتصفق للجنون.

تراقب هذه اليد الجامحة، وتتساءل بين الحين والآخر: ماذا ستفعل مجدداً؟

يقول سليم: "واصلت سيري أحدق في وجوه المارين حتى تسللت يدي اليسرى بأصابعها لتفتح أزرار قميصي، فتحت كل الأزرار، لم أشعر بها وهي تفتحهم إلا بعد الزر الثالث، تسمرت مكاني حرجاً، يبدو أنها تثأر للكمة التي آلمتها منذ قليل، أمسكت أصابعي الملعونة بأصابع يدي اليمنى، لكن قوة غاشمة تملكتها، فلم تكتف بهذا، سحبت القميص للخلف تريد أن تخلعه، نظرت ناحية الجدار وألصقت جسدي بالحائط لربما تسكن، دقيقة كاملة حتى استكانت وفرغت من حماقتها، زررت القميص بسرعة قبل أن ينتبه أحد المارين".

تخلّت نفس "سليم" عنه، وتركته هائماً يسير بخبل بين الناس، لا يعرف له وطناً، ندوب روحه يراها كل من حوله، حتى هذا الثقب الأسود في غرفته يشفق عليه، يلتهم أخطاءه ويخاطبه لينصحه.

ذكرى عذاب موحش لا تنطفئ داخله، هيّجت يده اليسرى لتثأر له، فارتكبت الآثام. وكان ضربه لحبيبة قلبه "مريم" إثماً لا يُمحى.

يسبّ يده المتسلطة، ويلعنها، ويصرخ: "لست أنا"، فلا يصدق أحد أنه ليس هو، وهل هو في حقيقة الأمر ليس هو؟

أتساءل دوماً: هل هذا الكامن في دواخلنا هو الشيطان ونحن ملائكة، أم إننا نحيا فقط بسطوة الشيطان. نحن جميعاً شياطين.

"أنا أريد عدداً لا نهائياً من الرجال، أريد أن أجرب كل الرجال، أريد إحساساً لا نهائياً من المتعة"، "السقوط في بئر المنتصف مميت، أن ترضى بواقعك غصباً وخوفًا من اتباع خطوات الأمل مميت، أن تحلم بحياة سوية ثم يصفعك ماضيك المهترئ، شعور قاتل"... اقتباسات وحكايات اخترناها لك من 3 روايات، تبحث عن الذات في عالم صاخب بالانفعالات

"السقوط في بئر المنتصف مميت، أن ترضى بواقعك غصباً وخوفًا من اتباع خطوات الأمل مميت، أن تحلم بحياة سوية ثم يصفعك ماضيك المهترئ، شعور قاتل". فقد سليم الرغبة في الحياة بعدما أضحى قلبه وروحه ميتين، ربما قررت يده أن تثأر له، أن تنتقم وتحقد وتصب غضبها على القريب والغريب بأبشع الصور.

إن تقاضيه هو، أن ترده للحياة ولو روته بالموت. "ترى لو خيرت بينها وبين بترها ماذا سأختار؟ الأمر صعب، صعب جداً، أشعر أنني سأختارها، كأنها قدري، ابنتي التي شاء القدر أن تولد معاقة، هكذا إرادة الله وعليّ أن أرضى".

الكاتبة تلمس همومنا بسلاسة لغوية واضحة، تضع يدها على الجراح بنعومة، تنتقل بين المشاهد بسيولة، تتقن وصف حالات متباينة بجرأة.

تخلط بين الدماء، والضعف، والانهيار الداخلي، والرغبة في الموت، والفزع منه، وفي رأيي أن جرأتها تتضح عندما قررت أن تتكلم بضمير المتكلم على لسان "سليم"، لتختم روايتها بمزيد من التمرد والجنون.

3- "خيوط ليلى": عقدة الصانع والمصنوع

"ربما يتمكن المرء يوماً ما، مع الفهم المتقدم، أن يدرك المنهج الكامن خلف الجنون" هكذا يقول ديفيد لانج. ما معنى "العقل"، فنحن جميعاً ملقون على أرصفة الجنون، نرى حياتنا تسقط أمام أعيننا كجبل من ورق صنعه غيرنا.

تغزل الكاتبة، شيرين فتحي، خيوط حكايتها بإتقان شديد، فتضيع معها بين الغرز، وتتساءل عن الحقائق حتى النهاية، ولكنك لن تتمكن من الوصول.

ماذا لو كانت حياتك من ورق؟

في الحقيقة أنت بطل لخالق، قرر أن يحولك للحم ودم، وفي لحظة قد يجعل منك قزماً، ويلقى بك في أحد الأدراج، ليغطيك التراب. تظل تتخبط وتتعثر بين الخيوط، هل أنا وهم.. روح صنعها غيري، ويتحكم بي، حبر على ورق. في لحظة غضب أتلاشى لأصير عدماً.

تسقط "ليلى" بطلة رواية "خيوط ليلى" في ذلك الظلام، لتعيش صراعاً بين ما تعيشه وما تريد أن تعيشه.

ترجوه، وتناشده، أن يعيد صياغتها، أن يعدل من بعض مشاهد حياتها لتصبح أكثر إثارة.

تتمرد على "رشيد"، الذي يمسك بخيوط حياتها، واضعاً إياها في قالب لا تريده. ترجوه، وتناشده، أن يعيد صياغتها، أن يعدل من بعض مشاهد حياتها لتصبح أكثر إثارة، أن يعدل البرود بالنشوة، أن يغير من مصيرها الذي كتبه كلمة كلمة، ويجعلها تعيش ما لم تعشه، وتجرب التمرد والنزق.

"الدموع تبحث عن الدموع، والألم يبحث عن الألم، والشر يبحث عن الشر. أما نحن فنتوه وسط القطعان الكثيرة، التي تجثم على صدورنا، وتقتلنا قتلاً بطيئاً، ونحن عميان عن السبب".قرأت، وتساءلتُ: هل نحن جميعاً شياطين؟ وخفتُ 

تقول "ليلى": "نفخ رشيد روحه فيّ لأول مرة في بداية شهر مارس منذ عامين فائتين، رشيد يحب الاحتفاظ بالتواريخ، يصنع ملفاً خاصاً لكل شخصية محورية في رواياته. خلقتني في الأربعين! أدركت الآن فقط كم كنت ظالماً حين جعلتني أبتدئ أول أيام حياتي وأنا في هذا السن، لم أفطن وقتها جيداً لظلمك – ربما لأنك خلقتني بإتقان".

أن تكون/ي جزءاً من سيناريو أحدهم يُسيّرك وفقاً لهواه، يدير حياتك بسبابته، يتحكم في مصيرك بخياله، يطوعك كيفما يريد، فأنت حتماً سيأتي عليك يوم وتتمرد على ضيق الأغلفة، ستتمنى لو تصنع بعض التغيير في الأحداث. هذا التمرد الذي صنعته "ليلى" بحياتها عاقبها عليه "رشيد"، الذي كان يعيدها دائماً إلى مكانها الأول، باكية، راجية.

"شيء سيئ أن يخلقك أحدهم".

"شيء سيئ أن يخلقك أحدهم، ثم يعتقد أنه قد يعلم عنك أكثر مما تعلمه أنت عن نفسك، أن يقرر محاسبتك على أفعالك في الأوقات التي يريدها هو، أن يطوع كل شيء لخدمة السيناريو الخاص به، والذي رسمه هو ليصنع به حياتك أنت، أن يحتفظ ببعض مشاعرك، ولا يمنحها لك إلا وقتما يقرر هو".

صراع دائم نخوضه بين ما نريد أن تكون عليه حياتنا وبين ما يريد غيرنا أن تكون عليه. هكذا تدوم النقاشات، نقضي معظم حياتنا في محاولة إقناع الآخر بتصرفاتنا، نبرر، نتصرف على غير هوانا، سيناريو يكتبه غيرنا وما علينا سوى الالتزام بتفاصيله. عبث الحياة الأبدي.

ليلى تخاطب "رشيد" بلسان امرأة أربعينية تفتقد الإثارة: "أنا أريد رجلاً آخر غير سامح، لا، ليس رجلاً واحداً، أنا أريد عدداً لا نهائياً من الرجال، أريد أن أجرب كل الرجال، أريد إحساساً لا نهائياً من المتعة... انظر إلي جيداً يا رشيد، أنا امرأة على مشارف الأربعين الآن، بفضلك خلقت جميلة، وما زلت أمتلك قدراً معقولاً من الجمال، ولكن بربك كم سيدوم هذا الجمال؟ خمس سنوات أخرى؟".

"كم يوماً سأعيشه خلال تلك السنوات الخمس المتبقية؟ أنت وحدك تعلم الإجابة، بوسعك أن تطوي الخمس سنوات كلها في صفحة واحدة أو حتى في سطر واحد، ولكن لو كنت كريماً معي فقد تجعلني أعيشهم في مائة صفحة أو ربما أكثر، ألا تشعر كم أن حياتي قصيرة؟

ما معنى العقل، فنحن جميعاً ملقى بنا على أرصفة الجنون، نتبوأ أماكننا، ونعبّ منه ما يكفي لملء جوفنا".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard