لماذا تتعرض التماثيل والمعالم الأثرية في الجزائر إلى محاولات التخريب؟

الثلاثاء 22 نوفمبر 202204:16 م

"لماذا تتعرض التماثيل والمعالم الأثرية لمحاولات التخريب والتحطيم؟"، هذا السؤال هو من أكثر الأسئلة التي تطرح نفسها بقوة عند الإعلان في كل مرة عن رصد محاولة تخريب وتحطيم وتشويه للتماثيل والمعالم الأثرية في الجزائر.

من تمثال "مريم العذراء" أو يلقب "ما مريم"، آخر التماثيل التي نصبها الاستعمار الفرنسي في مايو/ أيار 1960 بعد كلّ من "سانتا كروز" في محافظة وهران، المُلقبة بالباهية ثاني أكبر مدن الجزائر بعد العاصمة، و"السيدة الإفريقية" في أعالي العاصمة الجزائرية، وصولاً إلى التماثيل والمنحوتات الفنية حديثة النشأة كمنحوتة "عين الفوارة" التي تتوسط الساحة الرئيسية (ساحة الاستقلال) في محافظة سطيف الواقعة على بعد 300 كلم شرق الجزائر العاصمة، وهي عاصمة الهضاب في شمال شرقي البلاد، وتمثال "الرجل الأخطبوط" الذي يصور رجلاً عارياً يتصارع مع أفعى ويمسك برأسها في مدينة سكِيكدة، المُسماة قديماً "روسيكادا"، وتقع في شرق الشريط الساحلي الجزائري على امتداد 140 كلم تقريباً.

تشتهر الجزائر بأنها ثاني أقدم وجود بشري في العالم بتماثيلها، ومنحوتاتها، ومواقعها الأثرية النادرة في القارة السمراء، لكن معظمها تعرضت للتخريب والتحطيم.

آخر حملات التخريب طالت جدارية فنية تصور المرأة النايلية (نسبة إلى قبيلة كانت تستوطن في جبال أولاد نايل)، أنجزها فنان شاب موهوب وسط محافظة الجلفة (مدينة تبعد عن الجزائر العاصمة بحوالى 300 كلم تقريباً)، وقد شُوهّت بالكامل، حتى لم يعد من الممكن إطلاقاً التعرف على ملامحها التي كانت تغطيها الحلي التقليدية.

"المرأة العارية"

من أبرز الأحداث التي ستظل راسخة في ذاكرة الجزائريين، حادثة تحطيم تمثال "المرأة العارية" المعروف بـ"عين الفوارة" عام 2018، وسط محافظة سطيف (شرقي العاصمة الجزائرية)، وهو التمثال الذي أثار قريحة الشعراء، وكتب عنه الأدباء، ولكنه أغضب "الإسلاميين" المتشددين، لأنه عبارة عن تمثال لامرأة عارية، تستعرض جسمها، ومفاتنها وسط مجتمع "محافظ". وبرغم ذلك أسرت منحوتة الفرنكو الإيطالي فرانسيس سان فيدال القلوبَ، فأصبحت مكاناً تهوى إليه الأفئدة، وقبلة لطيور الحب من كل محافظات الجزائر وخارجها، للارتواء من مائها المتدفق من تحت قدميها، المصنوعتين من الحجر الأبيض والمرمر.

يذكرُ أنها ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها التمثال إلى التخريب، والتحطيم، والترميم، إذ أخذت محاولات التشويه منحى تصاعدياً خطيراً خلال الأزمة الأمنية والسياسية العنيفة التي شهدتها الجزائر خلال فترة التسعينيات، إذ أقدمت مجموعة إرهابية بتفجير التمثال، ودفعت الحادثة بالسلطات المحلية إلى ترميمه في أقل من 24 ساعة فقط، وتكررت الحادثة قبل نحو أربع سنوات، إذ أقدم رجل ملتحٍ، محسوب على التيار السلفي في البلاد، على تخريب التماثيل.

"الكثير من المعالم الأثرية في الجزائر أصبحت اليوم ترثي حالها، بعد أن كانت كنوزاً مدفونة، برغم أنها تحتوي على الكثير من المعالم التي كانت نتاجاً وإرثاً للعديد من الحضارات والإمبراطوريات، بالإضافة إلى المدرجات الرومانية والمسارح والمعابد وغيرها من الكنوز المنسية. يكفي أن نذكر أن العاصمة الجزائرية لوحدها فقط تضم أكثر من مائة معلم أثري، يعود إلى مختلف الحقب التاريخية، غير مصنَّف ومُهمَل، مثل الحصن التركي، والموقع العتيق روزقونيا"، تقول النائبة زكية بوقطوشة، عضو لجنة الثقافة والاتصال والسباحة بالبرلمان الجزائري لرصيف22.

البداية

تعتقدُ النائبة في البرلمان الجزائري أن ظاهرة تشويه التماثيل تعود إلى سنوات خلت من القرن الماضي، فمثلاً الحرب الأهلية الجزائرية أو العشرية السوداء في الجزائر حوّلت بعض القصور والقلاع الأثرية إلى بيوت فوضوية من جراء النزوح والهروب من الأماكن، التي ينعدم فيها الأمن والاستقرار، إضافة إلى عوامل أخرى تجمع ما بين الزمن والطبيعة والزلازل وغيرها من المؤثرات.

 "العاصمة الجزائرية لوحدها فقط تضم أكثر من مائة معلم أثري، يعود إلى مختلف الحقب التاريخية، غير مصنَّف ومُهمَل، مثل الحصن التركي، والموقع العتيق روزقونيا"... لماذا تهملها أجهزة الدولة، ويحطمها ويشوهها البعض؟

"التماثيل والمعالم الأثرية في الجزائر لم يُخصَّص لها مساحة واسعة من النقاش والاهتمام، سواءً في الدراسات والإعلام، وحتى المناهج الدراسية، فالاهتمام منصب حالياً على تاريخ الجزائر الحديث، رغم أن جميع المعالم يعود عمرها لأكثر من مليوني عام تقريباً"، تضيف زكية بوقطوشة.

"ولا يقتصر عدم الاهتمام على  الشعب فقط، بل ينطبق أيضاً على وزراء سابقين تعاقبوا على وزارة السياحة في البلاد، على الرغم من أن هذه المعالم هي العامل الرئيسي لاستقطاب السياح الأجانب والمحليين، إضافة إلى غياب المجتمع المدني المبادر في تسليط الضوء على القضايا والتحديات التي تواجه هذه المعالم، والتوعية بأهميتها وحمايتها، والعمل على إظهار عظمتها".

نهب وإهمال

الشيء الملفت للانتباه أيضاً، تذكر عضو لجنة الثقافة والاتصال، الاستهداف المباشر للآثار والتماثيل التاريخية، فمعظمها تعرضت للنهب والسرقة في ظل غياب الجرد، ومن أشهر هذه الحوادث تفكيك شبكة خطيرة لسرقة ونهب آثار الجزائر والمتاجرة بها، والتواطؤ مع شبكات مافيا دولية، تختص في تهريب تاريخ الجزائر، وتوجيهه إلى الكيان الإسرائيلي، وخلال العملية التي نفذتها مصالح الدرك (قوة عمومية ذات طابع عسكري)، تم استرجاع قطع أثرية بعدة محافظات من البلاد، وعلى رأسها سيف حربي قديم، وتمثالين يعودان للعهد الروماني، وكذا عشرات القطع النقدية الثمينة.

"ويتطلب الوضع اليوم اتخاذ عدة تدابير وإجراءات لحماية المنحوتات والمعالم الأثرية، بينها جرد المعالم وتصنيفها وتأهيلها، بالأخص تلك التي تجاوز عمرها مليوني سنة مع فتح بعض المسارح الرومانية والمواقع، وتحويلها إلى متاحف مفتوحة للجميع، إضافة إلى استرجاع تلك التي سيطر عليها جزائريون كالحصن التركي، الذي شيده العثمانيون عام 1661 ليدافعوا من خلاله عن الضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية من هجمات الفرنسيين والإسبان، الذي حُول سوق للخضر والفواكه".

وأقرت وزيرة الثقافة والفنون السابقة، الدكتورة وفاء شعلال، في معرض ردها على مراسلة كتابية وجهتها لها النائبة زكية بوقطوشة حول الإجراءات المتعلقة بحفظ وحماية المعلم التاريخي المسمى "البرج التركي" ببلدة برج الكيفان (الضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية)، بالإهمال والاستغلال العشوائي وغير القانوني لهذا الفضاء، وما آل إليه من انحرافات تمس بحفظ النظام العام، رغم استفادته من عملية ترميم عام 2012، غير أن المؤسسة المكلفة بالمشروع لم تف بالتزاماتها، مما دفع إلى فسخ العقد عام 2018، ليتم إلحاقه بقائمة المشاريع التي مسها قرار التجميد.

"الجزائري بشكل عام لا يهتم بالتماثيل ربما بسبب الخلفية الدينية"، يقول باحث جزائري لرصيف22. هل تتفقون معه؟

ومن بين المعالم الأثرية الأخرى التي طالها التخريب والإهمال، تذكر النائب "حي القصبة الجزائري، المعلم الذي يبحث عن الترميم، والذي يعتبر من أقدم الأحياء التركية القديمة في البلاد، غير أنه يعاني من إهمال كبير؛ وهو ما دفع بمنظمة اليونسكو إلى دق ناقوس الخطر، وهددت بسحب القضية من قائمة التراث العالمي، وحسبما ورد في تقرير مفصل للمنظمة العالمية في جلسة انعقدت عام 2013 حول المعالم العالمية التي أصبحت تمثل مصدر خطورة إذ انتقلت النسبة من 0 = أدنى إلى 100 = الحد الأقصى".

وكان ملف ترميم القصبة العتيق في أعالي العاصمة الجزائرية محلَّ مراسلات شفوية وكتابية بعث بها نواب في البرلمان الجزائري إلى الوزراء الذين تعاقبوا على قطاع الثقافة والفنون، أبرزها سؤال وجهته النائبة زكية بوقطوشة لوزيرة الثقافة السابقة وفاء شعلال، قالت فيه إنه وبرغم المخططات والبرامج والمبالغ التي رصدت لإنقاذ القصبة والحفاظ على خصوصيتها الثقافية والحضارية التي تعبر عن ذاكرة الأمة الجزائرية من خلال ترميم قصورها ومساجدها وبناياتها التاريخية منذ ثمانينيات القرن الماضي، إلا أن العملية اقتصرت على تدعيم بعض المباني الآيلة للسقوط بدعائم خشبية فقط، وتساءلت النائبة في نص المراسلة التي حاز رصيف22 على نسخة منها على النتائج المتحصل عليها منذ بداية عملية الترميم وحجم المبالغ المالية التي صرفت منذ 2012.

وبالموازاة مع هذا وجه النائب عن حركة مجتمع السلم الجزائرية (أكبر الأحزاب الإسلامية في البلاد) عز الدين زحوف سؤالاً آخر لوزيرة الثقافة والفنون الحالية صورية مولوجي، ومن المنتظر أن ترد عليه أمام البرلمان الجزائري، حيث تساءل فيه عن الإجراءات المتخذة من قبل الوزارة لترميم معالم القصبة التي تتواجد في تدهور مستمر منذ سنوات رغم المشاريع العديدة للترميم التي أطلقت.

"الجزائري بشكل عام لا يهتم بالتماثيل ربما بسبب الخلفية الدينية، غير أن باقي المعالم الأثرية هي ضحية قلة الوعي بأهميتها من الناحية التاريخية والسياحية، وكذلك ضعف اهتمام الجهات المعنية"، هكذا يصف بن يغزر أحمد، الكاتب والباحث الجزائري في التاريخ المغاربي وأستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة الجيلالي بونعامة بمحافظة خميس مليانة، والذي صدرت له عدة بحوث ودراسات منشورة.

ويقول بن يغزر لرصيف22 إن ما يحدث مع التماثيل والمعالم الأثرية هو نتيجة طبيعية لقلة الرعاية والاهتمام والحماية من قبل الجهات المعنية، وينبغي أن يتم التعريف بأهميتها وأهمية الحفاظ عليها بجميع الوسائط والوسائل والتوعية الاجتماعية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard