مديح القبلة... "بوسة كرمال النبي، بوسة على خد النبي"

السبت 18 يونيو 202212:30 م

أمكّن عاشقي من صحن خدي


أترون، إننا عندما نسلّم شفتينا بتلك الطريقة المستجدية، اللاهثة، الباحثة عن شفتين، عن خد أو رقبة متعرّقة، عن مجرى بين النهدين، نقترب أكثر من أن نكشف أنفسنا، أن نعطّل الموسيقا غير المتجانسة للعالم، أن نخلع قناعاً صرفنا دهراً في حشوه بالطبقات: القبلة هبة الذات ذات الإشعاع العاطفي، سحر ينطوي على وعود مبتلّة بالرضاب وأن تعرف نفسك كما لم يعرفها أحد قبلاً.

بالرغم من أنها مقدمة لفعل يأتي أكثر توقعاً واستثارة وترقباً، وبالرغم من أنها، والمتزوجون يعرفون ما أقول بدقة، تفقد شغفها وحرارتها، وتتحوّل إلى نوع من خشخشة المفاتيح قبل وضعها في الباب، إلا أن القبلة مقدمة ساحرة لفعل أكثر سحراً، مقدمة ينبغي لك أن تقرأها باستمرار، تعود إليها كلما أشكل عليك الأمر وتهت في فصول الكتاب الذي هو الجنس. القبلة استنارة، معرفة، تواصل مع الذات البهيمية في أرق هذياناتها.

نعم، إن سحق الشفاه على بعضها البعض، ودخول الألسنة ممتزجة باللعاب البهي لهو أتمّ إحساس يمكن أن يمنحه إله للإنسان، هذيان يتواصل برغبة الالتهام والامتزاج، وصعود للهب مبتلاً بالرضاب الغني.

يشرح الأذكياء: القبلة على الجبهة حماية، القبلة على الأنف خيانة، القبلة على الشعر رقة، القبلة على الأذن تواطؤ، القبلة على الشفاه جاذبية، القبلة على العنق عاطفة، القبلة على اليد احترام، القبلة على القدم خضوع، أما القبلة هناك، على الجدول الصغير الذي يعضّ الهواء بشفتين لينتين، فهي انتباه للوجود.

سواء أكانت "قبلة روسية": واحدة على كل خد وثالثة على الفم مباشرة، أم "قبلة فرنسية" بكل ما فيها من فسق ورغبة وبلل، سواء أكانت ناجحة تماماً ككأس شاي غامق أم فاشلة كمرور سريع في قلب غمامة، تحدثنا القبلة عما نريد، تختبر مشاعرنا، صبرنا، ربما تجعلنا أطول بسنتمترات أيضاً ونحن نقف على رؤوس أصابعنا لنصل تلك الشفاه المشتهاة، نتسلّمها بشفاهنا كأننا نتسلّم عقد العمل الأول الذي يدخلنا عالم الكبار، ثم مع انسياب السائل الدافئ في الفم، ندوخ ونقع في أحضان الرغبة المتجمعة.

سواء أكانت "قبلة روسية": واحدة على كل خد وثالثة على الفم مباشرة، أم "قبلة فرنسية" بكل ما فيها من فسق ورغبة وبلل، سواء أكانت ناجحة تماماً ككأس شاي غامق أم فاشلة كمرور سريع في قلب غمامة، تحدثنا القبلة عما نريد، تختبر مشاعرنا، صبرنا، ربما تجعلنا أطول بسنتمترات أيضاً ونحن نقف على رؤوس أصابعنا لنصل تلك الشفاه المشتهاة... مجاز

الفن والقبلات

أرّخ الفن هذا الاكتشاف الخاص بالمتعة، حصره في مشهد، وكان مسحوراً به لدرجة أنه عاد وكرره مئات المرات، لأن مثلما أن قبلة واحدة لا تروي، كما أن عملاً فنياً واحداً لن يكون كافياً.

غوستاف كليمت "القبلة" 1907/1908

عمله كصائغ مجوهرات جعله يهتمّ بالتفاصيل الزخرفية في لوحاته، هذه اللوحة والقبلة فيها تعد من أشهر اللوحات وأجملها، تظهر لنا ربما حباً من طرف واحد، أو نوعاً من التمنّع والدلال، لكن على بساط من ذهب الرغبة والاحتواء، تلتمع قبلة هنا، كبريق حي.

هنري دي تولوز لوتريك "في السرير" 1892/1893

القبلة التي خلّدها لوتريك بين عاهرتين مفترضتين على سرير واحد، متلفعتين بملاءة واحدة ولا يبدو أنهما ترغبان بالابتعاد عن بعضهما، تجسّد لحظة كثيفة وحميمية كما يجدر بالرغبة أن تكون، كما أن طريقة وضع اليدين تكشف عن حنان عظيم سمح للعديد من الذكور بفهم كم أن الحب والرغبة يقعان تحت قانون لا يمكنهم فهمه أو مقاربته حتى.

مارك شاغال "عيد ميلاد" 1915

تصور لوحة شاغال هنا مشهداً من الحياة اليومية لشاغال، حيث يحتفل الزوجان بعيد ميلاده، ويطفوان بمرح في فضاء الغرفة.

الاحتفال معد على أكمل وجه: الكعكة على الطاولة، باقة الزهور والترتيب المتقن للغرفة، كل شيء يمنح هذا الإشعاع الخاص للحب والبهجة. قبلة أنيقة: الرجل بعينين مغلقتين والمرأة بعينين مفتوحتين على عالم تستعجل انطفاءه.

القبلة مقدمة ساحرة لفعل أكثر سحراً، مقدمة ينبغي لك أن تقرأها باستمرار، تعود إليها كلما أشكل عليك الأمر وتهت في فصول الكتاب الذي هو الجنس. القبلة استنارة، معرفة، تواصل مع الذات البهيمية في أرق هذياناتها... مجاز

قسطنطين برانكوي "قبلة" 1909

ألهمت هذه المنحوتة العديد من الشعراء ليكتبوا عن هذا الالتصاق حد التمازج بين الجسدين، بحيث لا نستطيع أن نعرف إين يبدأ جسد الرجل وأين ينتهي عناق المرأة.

كتلة صخرية واحدة تصنعها قبلة، تجعل من النحت شبه التجريدي مشهداً حسياً يكاد لفرط بلاغته يضيء.

روي ليشتنشتاين "القبلة 5" 1964

هذه المطبوعة الحريرية التي صنعها الفنان الأميركي ليختنشتاين في بداية صعود ثقافة البوب مستوحاة من القصص المصورة، وتبدو الفتاة أشبه بالصورة التي نعرفها عن مارلين مونرو، بدموعها السائلة وفمها الشهواني، صورة مثالية لسؤال غير واضحة إجابته: هل هي قبلة وداع حزين أم لقاء مفرح؟ في كلا الحالتين، تمسّك الأصابع بهذه الشدة يشي برغبة ما، شديدة وباهرة كمفرقعات نارية.

رودان "القبلة" 1882

صنع رودان هذه المنحوتة ليمثل العاشقين الملعونين في الجحيم في كوميديا دانتي أليغري، ومع ذلك ما زالت هذه المنحوتة تثير أسئلة أكثر ما تمثل تصويراً للحظة حسية شديدة الجاذبية.

من قطعة واحدة من الرخام، شخصان بين ذراعي بعضهما البعض، في الحب الذي يسيل على برودة الحجر، عناق طويل يحتمل المزيد من الدراما: المرأة العارية، فرانشيسكا دا راميني، تقبل حبيبها في الجحيم، بعد أن اكتشف زوجها خيانتها فقتلهما معاً، وحُكم عليهما بالتجول إلى الأبد في العالم السفلي، كعقاب متوقع للحب المحرّم.

أترون، إننا عندما نسلّم شفتينا بتلك الطريقة المستجدية، اللاهثة، الباحثة عن شفتين، عن خد أو رقبة متعرّقة، عن مجرى بين النهدين، نقترب أكثر من أن نكشف أنفسنا، أن نعطّل الموسيقا غير المتجانسة للعالم، أن نخلع قناعاً صرفنا دهراً في حشوه بالطبقات... مجاز

ماغريت "العشاق" 1928

ليس من السهل تفسير الغرض الحقيقي لماغريت في هذه اللوحة، قبلة من خلف ملاءات بيضاء، تباعد وتقارب بآن، انغلاق المشاعر، لكن الرغبة الحقيقية بالتقبيل والواضحة بمساحة الفم المفتوحة تركن في نفس الشخصين، تمنعها من الحضور والتفاعل. حجب من نوع ما، قد تكون عديدة، فالأبيض يرمز للكثير ويخفي أكثر مما يظهر هنا. "القبلة الزوجية" ربما سيكون عنواناً أفضل لهذه اللوحة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard