"ليه اتجوزتيه من الأول؟"... جدتي والزواج المبكر

السبت 28 مايو 202212:00 م

حياكة الكلام


تعودت أن أذهب للمبيت عند جدتي كل خميس، جرت العادة هكذا، حتى ألفتها أمراً لازماً، لا يجب العدول عنه أو تصنّع نسيانه. والحق أني لا أذهب هناك من باب الفراغ، أو اللهو، بل مثل أي قضية أخرى تفجرت بسبب بداية معينة، والبداية هنا هي عمل جدي، يعمل حارساً على أحد العمارات على شاطئ الإسكندرية، ولولا أنني أعرف شخصه المعرفة الحقة، لربما بللت عيني وجهي حين أراه يجلس كل يوماً، نصفه على كرسي بائس طوال الليل، حتى يشعر سكان العمارة بالأمان لوجود من يفحص كل صادر ووارد عليها. لكن سأخبركم لما لا أبكي، وبالطبع لا يمكنكم معرفة السبب بنظرتكم العابرة لحارس عمارة، سطحية كانت هذه النظرة، أم فاحصة مدققة.

كان جدي أحد عمال شركات الغزل والنسيج، وكانت هذه الشركات كثيرة في الإسكندرية بل في مصر كلها، إلا أنه ومع حركات الخصخصة التي كانت تطول الشركات واحدة تلو الأخرى، قرر، مع عدم وصول مرتب هذا الشهر والثلاثة السابقين له، أن يترك الشركة، أو كما يقول هو "معاش مبكر"، بالرغم من كل البساطة هنا، إلا أنه قبل الحراسة وقبل المعاش كانت البداية التي قبض فيها على الكثير من المال، من الممكن أن نقول مليوناً، وذلك حيث يقع هذا الرقم في أذاننا موقعاً منصفاً لما أريد توصيله.

والحياة لا تمنح كل شيء، منحته المال ومنحته البخل، حتى أنه ومن فرط شحه لم يستطع منذ أن أخذ هذا المليون أن يصرف منه جنيهاً واحداً. وجدي مثله مثل ملايين أخرين، يأتي المليون إليهم بسهولة عند موت والدهم: نشأ جدي في الريف وشبّ فيه، وشاب في المدينة، حياة بسيطة مثل التعليم الذي تلقاه، وهو أقل من الابتدائية، على الأقل يستطيع أن يفك الخط بمقدار ما يبسط يديه من المال.

كوّن أسرة في سن صغير، ومات كل أفرادها في سنٍ صغير أيضاً، اللهم إلا ولده الأكبر، وبعد ذلك تزوج بجدتي؛ وهنا نعود لجدتي مرة أخرى، بل إلى زمام هذه القصة، والفكرة التي كتبت لأجلها: كل خميس أنتظر حتى ينتشر الليل في الشوارع ويسكن البيوت والمتاجر، ثم أذهب إليها، في شقتها التي هي لا بالكبيرة ولا بالصغيرة، هي معتدلة، خصوصا وأن المقيم فيها اثنان فقط. ملاك أهداه الله للأرض وهي جدتي بالطبع، وشيطان يعبث في نفوس كل من حوله حتى تضيق صدورهم، ويسود حاضرهم أمامهم، ويحملون هموماً لا فائدة منها على أكتافهم، وهو جدي بالطبع.

ذهبت فتحية للمطبخ وهي تضحك وتقول بصوت ريفي ناعم، لو تجسّد امرأة لكان راقصة شرقية ماهرة: "إلا هو أنتي مش عارفة الكوبيات دي ليه؟". أتبعت جملتها بضحكة هادئة لا تناسب جسمها، وقالت بعد إجابة الفتاة بالنفي: "ده كتب كتابك يا هبلة"... مجاز

في هذه الشقة الصغيرة في الإسكندرية لا تجد زوجين بتجاعيد رحيمة، لكل منهما جناح يكتنف فيه الآخر في سكنات الليل، لا تجد اثنين يتبادلان الحديث الذي يخفف عنهما وطأة الحياة، لاذكريات حلوة ولا شيء مثير، كل ما هنا ثابت، أثاث وأُناس، ولولا أني أخشى أن تلتبس الأمور عليكم لمضيت في حديثي أكثر، لكني أخاف أن تأخذوا فكرة سيئة عن جدتي، فهنا أصفها في حالة وجود جدي، أما في غير ذلك فهي ملاك تدُبّ فيه الحياة، تصبح حياتها مشابهة لحياة الأموات فقط عندما تجلس معه.

وفي هذا الخميس بالذات دوناً عن غيره، قصّت لي جدتي كيف التقت بهذا الرجل صاحب سواد النفس وصغر العقل، ولولا أنني مازلت أشك هل هو السيء أم هل تسببت ظروف نشأته في تكوينه وترويضه على هذا الشكل، لاستزدت في وصفه بما لا يحب، المهم، أثناء جلوسي على كرسٍ خشبي اتنقل بين منشور وآخر على فيسبوك، حاولت جدتي أن تجتذب أطراف أي حديث بيني وبينها، وبعد وقت قليل من شكوتها من جدي، قال لساني وحده: "ليه اتجوزتيه من الأول؟".

وبالطبع لم أكن هنا أنوي سماع ألوان من البؤس والشقاء، لكني كُنت أُمني نفسي ببعض الجمل التي سأُقابلها بالنقد، وكأننا هكذا حللنا شيء، وبالرغم من أنها تعلم تمردي على أساليب عيشتهم القديمة، وزواج الصالونات الذي لا تحمد نهايته، إلا أنها قررت أن تتكلم، والإنسان منا حين يبلغ الحزن منه مبلغاً لا يطاق يتكلم، إن كان يعلم أن من أمامه سيساعده، وإن كان يعلم أن من أمامه لن يساعده، يكفي عقله المرهق أن يعرف أن أحداً آخر يرى همه ويحمله معه.

*******

بدأت حديثها، بوصف نفسها: فتاة تلعب مع الأطفال في ساحة بيتها الخارجي في إحدى قرى الريف في الدقهلية، كانت لا تحمل من هم الحياة إلا القليل، خوفها من أبوها إمام المسجد ثقيل اليد، والذي يأكد لها هذا الثقل مع كل خطأ صغير تقوم به، وحزنها من عدم التحاقها بالمدرسة بسبب نسيان أهلها، باعتبار أن حياتها أهم من التعليم طبعاً. كانت تلعب وتهتم بما في يدها من أتربة حتى تناهى إلى أذنها صوت أمها: "روحي جيبي من فتحية طقم كوبايات بسرعة يا بت، جايلنا ضيوف النهاردة".

قامت الطفلة بسرعة وذهبت لفتحية هذه، وأخبرتها بحاجتها، ذهبت فتحية للمطبخ وهي تضحك وتقول بصوت ريفي ناعم، لو تجسّد امرأة لكان راقصة شرقية ماهرة: "إلا هو أنتي مش عارفة الكوبيات دي ليه؟".

أتبعت جملتها بضحكة هادئة لا تناسب جسمها، وقالت بعد إجابة الفتاة بالنفي: "ده كتب كتابك يا هبلة".

حاولت جدتي أن تجتذب أطراف أي حديث بيني وبينها، وبعد وقت قليل من شكوتها من جدي، قال لساني وحده: "ليه اتجوزتيه من الأول؟

لم تلق الصغيرة بالاً لهذه الجملة التي تعد كارثة بكل المقاييس، ربما تكون جريمة في بعض الدول، وخطيئة في دول أخرى، بل وتثير التمرد والثورة في نفسي أنا، كشاب تعلم من كُتب الحرية وإعمال بعضاً من عقله أن جواز الفتيات بعقل صغير وسن صغير ودون موافقة واختيار جريمة، لكن الجملة في موقعها في هذه القصة لم يكن بها أي جريمة ولا كارثة، هذا لو افترضنا أن الجريمة تزول بتملك الجهل زمام الأمور، وأن المعرفة فقط هي التي تعطينا الحق في إطلاق الأحكام وإعمال الهوى والعقل في مختلف الأحداث.

*******

لم تمر عدة أيام حتى كُتب الكتاب وانتهت بعض الأمور الروتينية بين الناس الكبار، ووجدت الطفلة من يخبرها أنها لا بد أن تجهز نفسها لعرسها وعريسها، لم تكن تدرك معنى الكلمة بشكلها الكامل بعد، ولم يكن يخيفها في هذا كله إلا فراق اللعب مع جيرانها.

وبعد عدة أيام أخرى مرت كما مرت، وجدت الفتاة نفسها في صخب ولغب، وهرج ومرج، الكل يحتفل، وهي جالسة بجوار عريسها، تحاول أن تشب بوعيها فتدرك بعضاً مما في كتب السموات، فربما تجد في مستقبلها ما ترثي به نفسها ويصبرها على حالها، لكن وبعد المحاولات، لم تكن هناك كتب فوق السموات، ولم تجد عزاءاً ولا سلواناً، كان هناك باب جديد فقط، يُغلق عليها مع رجل صاحب جسد ضخم يكبرها بحوالي عشرين عاماً، كانت تبكي في كل فرصة، حين يذهب للعمل تبكي وحين يؤوب تصمت، حين يذهب ليقابل أحد تبكي، وحين يعود تصمت.

وظلت هكذا لا أياماً ولا شهوراً، بل سنوات كاملة، كل ما تغير فيهم أنها عرفت بعض الأشياء، مثل أنها امرأة متزوجة ويجب عليها خدمة زوجها وطاعته، كما يجب ألا تظهر سخطها لأن هذا السخط لا مقابل له إلا إحمرار جسدها من وقع سعف النخيل عليه. كبرت في هذا البيت البأس، وانتقلوا إلى الإسكندرية، وأنجبت أربعة أطفال، سُلِبَت روح الأبن الأكبر من العائلة الأولى لجدي، وتبقى أبناء جدتي فقط، كبروا وتقلبوا في شقاء العيش مع هذا الرجل.

*******

نضج عقل الأولاد، وصنع كلا منهم حياته الخاصة واتجها إليها، زواج بعد زواج، وسفر بعد سفر، وعادت جدتي وحيدة مرة أخرى، تتحدث إلى أولادها كلما تذكر القدر المشغول دائماً أن هناك أولاداً لامرأة عجوز عليه أن يذكرهم بها، حتى يحدثوها فيستريح ضميرهم، وتصبر هي نفسها بهذه المكالمات، مع تكرارها "الدنيا مشاغل".

وجدت الطفلة نفسها مع رجل صاحب جسد ضخم يكبرها بحوالي عشرين عاماً، كانت تبكي في كل فرصة، حين يذهب للعمل تبكي وحين يؤوب تصمت، حين يذهب ليقابل أحد تبكي، وحين يعود تصمت... مجاز

*******

كانت قصة جدتي مع جدي بائسة وصادمة لي، لكن الأكثر بؤساً من هذا أني لم أخبرها بعد أني حصلت على منحة دراسية. لم أستطع أن أخبرها، كيف أخبرها وهذه الذكريات بها؟! كيف أخبرها وأنا أعلم الوحدة التي تحيط بها من كل اتجاه، وأنا أعلم أنها لا تقلب في فيسبوك كي تجد ما يؤنس وحدتها، هي فقط تجلس على الأريكة أمام شاشة التلفاز المملة التي تحاول أن تنسى بها نفسها وذكرياتها وحياتها، تحاول أن تنسى الدنيا التي قتلتها مرةً بهذه الزيجة، والحياة التي غارت من العائلة فقررت أن تقتلها كُل يوم. لا أعرف كيف أخبرها وأنا أعلم أنها في كل ليلة تتذكر ما أعرفه أنا وأنتم عنها وما لا نعرفه، أعرف أن جدي يبكي أحياناً ويلين قلبه أحياناً، لكن إذا حَسُنَ خلق المرء ثوانٍ في عمره فهذا لا يعني أنه يُحتمل.

ربما أتذكرها للحظات وأحزن لحزنها الظاهر لي عند فشلها في كتابة اسمها، أو قراءة كلمة واحدة، وأعلم أنها تعلم أنها حين تقول: "أن العلام مش كل حاجة"، هي مجرد جملة فارغة تحاول أن تدفع بها عن رؤوسنا - أنا والموجودون حينها- أنها من الممكن أن تكون حزينة لأُميتها.

أنا أميز كل شيء: نبراتها في كل حديث، يأس صوتها عند الكلام عن المتحابين، وأتساءل أحياناً: هل تنام جيداً عندما تتذكر أن أختها تعيش مع رجل يخدمها، ويضعها في قلبه قبل بيته، يحرث لها الأرض بالنهار، ويقدم لها تضحيات يسوع بالليل؟ كيف تنام إذا تذكرت زوج أختها هذا، بل وحظّ أختها في التعليم والزواج والتي بها من الفطنة والفتنة مايسلب المتزن الوقور عقله، وكل هذا فقط لأن أبيها مات قبل أن تخرج أختها للحياة، فلم يزوجها هو، ولم يختر لها أياً من شؤون حياتها. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard