"لستُ مؤهلاً لهذه الوظيفة"... ما وراء تسلم خامنئي قيادة الحكم في إيران

الاثنين 6 يونيو 202201:23 م

33 سنة تمرّ علی تولي آية الله علي خامنئي منصب المرشد الأعلی في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ففي اليوم الذي رحل فيه سلفه آية الله روح الله الخميني في 4 حزيران/يونيو عام 1989، استولی الرجل علی جميع مفاصل الحكم في بلاد فارس.

نائب إمام العصر والزمان، قائد الأمة الإسلامية، الولي الفقية، المرجع الشيعي الأعلی، القائد العام للقوات المسلحة الإيرانية، هي أبرز ألقاب خامنئي الذي أتم عامه الـ83.

علی مدی التاريخ كانت إيران تخضع لحكم الملكية، وبعد نجاح ثورة إيران عام 1979 التي شارك فيها جميع الأطياف السياسية، تخلص الشعب من الحكم الملكي، مستعداً لجمهورية تخضع لسلطة الشعب عبر الانتخابات، غير أن الشعبية الكاسحة للمرجع الشيعي روح الله الخميني، ودعم الغرب له، مكناه من خلق نظام جديد يمدّ عونه من الخلافة الإسلامية.

النظام الجديد في إيران يخضع لأوامر فقيه شيعي یلقب بـ"الولي الفقية"، يسيطر علی مفاصل الدولة، بالإضافة إلی وجود رئيس جمهورية، وبرلمان علی خطی أوروبا، فبات يطلق علی الحكم في البلاد "الجمهورية الإسلامية".

وبعد ترسيخ نظرية الولي الفقيه من قبل رجل الدين حسين علي منتظري، وضمّها للدستور الإيراني، اختير الرجل نائباً لروح الله الخميني، كي يتولی منصب الولي الفقيه بعد وفاته. لكن ثمة خلافات سياسية بين الرجلين، إضافة إلى أن أنصار الخميني كانوا من مخالفي منتظري، حالت دون توليه المنصب الأهم في البلاد عبر قرار أعلنه الخميني قبل وفاته يأمر بعزل الرجل من نيابة الولي الفقيه.

"أنا لست مؤهلاً لهذه الوظيفة"؛ عبارة نطق بها علي خامنئي في جلسة مغلقة لمجلس خبراء القيادة التي كانت منعقدة لانتخاب خليفة الخميني عام 1989، غير أن الاختيار وقع عليه ليتسلم الحكم لفترة مؤقتة قبل أن يتبدل إلی حكم مدی الحياة

ويتم اختيار المرشد الأعلی عبر مجلس مكون من فقهاء الدين تحت عنوان "مجلس خبراء القيادة"، ويحمل هذا المجلس علی عاتقه تعيين المرشد، والإشراف علی أدائه، وعزله إذا اقتضت الحاجة حسب المادة 111 من الدستور الإيراني.

رفسنجاني يمهّد الطريق

بعد وفاة الخميني تحرك الرجل المتنفذ في أروقة السياسة الإيرانية علي أکبر هاشمي رفسنجاني، وهو رئيس مجلس خبراء القيادة في تلك الفترة، لاختيار صديقه المقرب علي خامنئي، والذي كان يشغل منصب رئيس الجمهورية آنذاك، ليتولی مقاليد الحكم، وذلك طمعاً من رفسنجاني لاكتساب المزيد من النفوذ في البلاد.

واستخدم رفسنجاني قدراته كي يحسم الأصوات من أجل علي خامنئي، حيث نقل للحاضرين بعض الذكريات المنقولة من أحمد ابن الخميني، والتي توحي بعلاقة الخميني بخامنئي، واطمئنانه تجاه تسلُّم الأخير منصبَ الولي الفقيه.


خامنئي ورفسنجاني

"أنا لست مؤهلاً لهذه الوظيفة"؛ عبارة نطق بها علي خامنئي في جلسة مغلقة لمجلس خبراء القيادة التي كانت منعقدة لانتخاب خليفة الخميني عام 1989، ليفصح عن عدم رغبته في قبول المسؤولية، غير أن الاختيار وقع عليه ليتسلم الحكم لفترة مؤقتة قبل أن يتبدل إلی حكم مدی الحياة.

هكذا أصبح آية الله علي خامنئي ثاني ولي للفقيه في إيران، وهو اليوم حاكم إيران ذو الصلاحيات واسعة النطاق، إذ تخضع لحكمه المؤسسات العسكرية والأمنية والقضائية والإعلامية والدينية، إضافة إلی السياسة الخارجية ومجلس صيانة الدستور ومجمع تشخيص مصلحة النظام.

خامنئي الرجل المحسوب علی التيار المحافظ، سلم جميع المسؤوليات تحت إشرافه إلی أنصاره من معسكر المحافظين، كما يتمتع مكتبه بنفوذ واسع وتأثير علی اختيار موالي المرشد في المناصب الجمهورية والمدنية.

كل المشاكل تأتي من عدم تبعية الحاكم

وخلافاً لمكتب مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني، فإن مكتب علي خامنئي يعتبر مكتباً يضم آلاف الموظفين والمسؤوليات الكثيرة والمتشعبة، كما ينوب عن المرشد ممثلون في معظم الوزارات والمراكز الحكومية، إضافة إلی ممثل في كل محافظة إيرانية بصلاحيات عدة منها تمتعه بالأمر والنهي إزاء القرارات المحلية، وهي دلالة بارزة علی أن جمهورية النظام أيضاً تبقى تحت إشراف ولي الفقيه.

يروج المنظرون في الحرس الثوري والحوزة الدينية أن مشاكل البلاد ناجمة عن عدم تبعية آراء المرشد

أما الحرس الثوري فهو المنفّد لأحكام المرشد الأعلی، إذ لا يبالي بالبطش والقمع والحظر والقتل في سبيل الحفاظ علی كرسي الحكم مهما كلف الثمن، ولا يخشى جنرالات الحرس بالإفصاح عن ذلك، بل يعتبرونها مهمة ثورية  تبقى علی عاتقهم.

ولم يتحمل علي خامنئي خلال سنوات حكمه أي مسؤولية تجاه تأزيم الوضع المعيشي وجرّ البلاد إلی المناقشات الدولية والصراع الدائم مع الغرب، إضافة إلى الحرمان والفقر الذي أزّم حياة المواطنين، بل يرمي الرجل الكرة في ملعب جمهورية النظام والحكومات المنتخبة، حتی إن كانت موالية له. كما يروج المنظرون في الحرس والحوزة الدينية أن مشاكل البلاد ناجمة عن عدم تبعية آراء المرشد.

جاذبية وخطابات مؤثرة

ومن صفات آية الله علي خامنئي أنه صاحب کاريزما وبراعة في الحديث وإلقاء الخطبات المؤثرة، إضافة إلی تضلعه في الأدب الفارسي، مما مكنه من خلق عبارات جديدة في الأدب السياسي الإيراني، وتحشيد الجماهير من أجل أهداف الثورة، وتصديرها إلی البلدان الإسلامية وغيرها. وفي عام 2012 اختارته مجلة فوربس ضمن قائمة 19 شخصية مؤثرة في العالم.

ولد علي حسيني خامِنِه، المعروف بـعلي خامنئي، في 17 تموز/يوليو 1939 في مدينة مشهد شمال شرقي إيران، في أسرة دينية. وله من الأبناء الذكور: مصطفى ومجتبى ومسعود وميثم، وابنتان: بشرى وهدى.

عمامته السوداء تدل علی نسبه الذي يرجع إلی آل بيت النبي محمد، حيث أن الشيعة يلقبون من ينتمي إلی أهل البيت بـ"السيّد"، ويرتدي رجال الدين منهم العمامة السوداء دلالة علی انتمائهم للرسول وتميزهم عن سائر الناس، فيما يرتدي رجال الدين الآخرون من غير "السادة" العمامة البيضاء.

الخلافة المحتملة

إيران، الدولة الشيعية الوحيدة في العالم، والتي تحمل شعار المعاداة لأمريكا وإسرائيل والاستكبار العالمي المتمثل بالدول الغربية، إضافة إلی نفوذها في بعض الدول العربية واستراتيجيتها في تصدير ثورتها ومذهبها، لا بد أن يكون موضوع خلافة قائدها مهماً لدی الكثير من المراقبين للأحداث الإيرانية.

من صفات علي خامنئي أنه صاحب کاريزما وبراعة في الحديث وإلقاء الخطابات، إضافة إلی تضلعه في الأدب الفارسي، مما مكنه من خلق عبارات جديدة في الأدب السياسي الإيراني، وتحشيد الجماهير من أجل أهداف الثورة

ومن أبرز الأسماء التي تطرح في هذا الشأن: إبراهيم رئيسي، ومجتبی خامنئي، وحسن الخميني.

رئيس الجمهورية المحافظ إبراهيم رئيسي، فاز في الانتخابات الرئاسية عام 2021، بعد عدم تزكية منافسيه وفي ظل عزوف شعبي عن الانتخاب، والذي كان هو الأكبر علی مدی تاريخ انتخابات البلاد. يعتبر الرجل من أحب المرشحين لمنصب قيادة إيران علی قلب خامنئي، لكنه لا يتمتع بشعبية، ولا جاذبية تمنحه الوصول إلی مقام الولي الفقيه، كما كان الحال لدى الخميني وخامنئي.

إبراهيم رئيسي، رئيس جمهورية إيران الحالي

رئيسي الذي كان أحد أعضاء "لجنة الموت" التي ارتكبت مجزرة عام 1988 بحق ثلاثة آلاف معتقل سياسي في نهاية الحرب الإيرانية العراقية، لا يتمتع بقبول لدی الأطياف السياسية الداخلية، ولا المؤسسات الحقوقية الدولية.

مجتبى خامنئي

أما مجتبی خامنئي نجل المرشد الحالي للنظام الإيراني، فهو الرجل المتنفذ في مكتب والده، والمتهم بالتلاعب بالانتخابات الرئاسية عام 2009 ضد المرشح ميرحسين موسوي ولصالح فوز الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد. اختيار مجتبى خامنئي قد يثير الجدل، إذ سوف يتحدى هذا الاختيار أسس الثورة الإسلامية التي تنفي جميع أشكال الانتقال الوراثي للسلطة. ولكن لیس من المستبعد أن يتدخل الحرس الثوري في قرار مجلس خبراء القيادة وتغيير الدستور وتعيينه ولياً للفقيه.

حسن الخميني، حفيد آية الله الخميني

أما حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية، حسن الخميني، فهو ثالث المرشحين الأقل حظاً حتی الآن. يشتهر الرجل بآرائه الإصلاحية، ونقده للسلطات، واقترابه من التيار الإصلاحي وقادته غير المرغوب فيهم في مكتب خامنئي وأعوانه. وفي آخر محاولة لابتعاده عن أمر القيادة خالف مجلس صيانة الدستور الخاضع لحكم خامنئي، ترشحه في مجلس خبراء القيادة عام 2016 بحجة أنه لم يبلغ درجة الاجتهاد في الفقه، بينما هو مشهور بلقب "آية الله" الخاص بالمجتهدين، كما یتمتع بشعبية لا بأس بها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard