نعم "رُفعت الجلسة" لصالح جوني ديب... ولكننا سنظلّ نصدّق الناجيات

الجمعة 3 يونيو 202201:27 م

على مدار الأسابيع الماضية، انشغلت وسائل الإعلام والصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي في العالم بأسره، ومن ضمنه العالم العربي، بما أُطلق عليه "محاكمة القرن"، والتي كان طرفا النزاع فيها كلاً من الممثل جوني ديب (الذي وصفته صحيفة "ذا صن" البريطانية بـ"ضارب زوجته"، في عام 2018، ثم حذفت العبارة لاحقاً، وطليقته آمبر هيرد، في قضية تشهير وتشويه سمعة بعد أن اتهمته هيرد بممارسة العنف الأسري في أثناء زواجهما.

على الرجل أن يدرك، أن تلك المرأة التي تعيش معه وتشاركه حياته وسريره، ولحظات سعادته وحزنه وانكساره، هي قرينة متكافلة، وأنها ليست هنا "لتغسل رجليه".

المحاكمة المثيرة التي دخلها النجمان الشهيران كمحترفَين في صناعة الأضواء، والتي تحوّلت إلى ما يشبه المسلسل الدرامي الترفيهي، احتلت قوائم المشاهدة والتراند. وبسبب ذلك، فقدت قضية العنف، بكل ما تحمله من ألم ومعاناة، قيمتها إذ تناولها الكثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي العرب، ومن بينهم مثقفون وفنانون وكتاب، بنوع من السخرية والتهكم عبر إطلاق النكات السمجة، والإفيهات سميكة الدم، ما أفقد الموضوع جزءاً كبيراً من دلالته المعنوية، وحوّل الألم والخوف والعنف –تاريخياً- تحديداً، في مجتمعاتنا العربية، عن بعدها الإنساني الحقيقي.

وأما الحملة المثيرة للاستهجان بعد انتصار جوني ديب، فبدت كاستعراض أشبه بالانتصاب الذكوري، عبر منشورات ذهب أغلبها صوب معاداة النسوية، رافعةً شعار "لا نصدّق الناجيات من دون دليل"، ومتهمةً إياها باستغلال مظلومية النساء التاريخية، والتحريض على الرجال-الذكور، أو توكيداً من قبل البعض ممن لا يزالون يعيشون في كهوف معارفهم الجندرية و"قوامتهم على النساء"، والتي تجعل من المرأة جزءاً من ميراثهم التاريخي ومحظيةً جنسيةً لا أكثر، على فرصة ذهبية للشماتة والتشفي انتقاماً مما حققته المرأة عبر نضالها الطويل والمستمر، من مكانة ونجاحات وفضح لممارسات الرجل الشرقي دفاعاً عن حقوقها على طريق تحقيق التشاركية المجتمعية الكاملة، وحقها الطبيعي في اختيار حياتها كما تريد.

إن الحملة المثيرة للاستهجان بعد انتصار جوني ديب، فبدت كاستعراض أشبه بالانتصاب الذكوري، عبر منشورات ذهب أغلبها صوب معاداة النسوية، رافعةً شعار "لا نصدّق الناجيات من دون دليل"، ومتهمةً إياها باستغلال مظلومية النساء التاريخية، والتحريض على الرجال-الذكور

"الرجال لبعضها"... آخرهم شيخ الجبل

"العدالة لجوني ديب"، "والرجل أيضاً"، عبارتان انتشرتا كثيراً كـ"هاشتاغ"، على منصات الفضاء الرقمي، نصرةً وتضامناً مع قضية نجم "قراصنة الكرايبي"، ضد طليقته، والتي "انتصر" فيها أخيراً، وتحملان مضامين مفادها أن العنف ليس ذكورياً فحسب، وأن عبارة "المجتمع لا يصدّق الرجل بقدر المرأة"، تصبح مثيرةً للتهكم في مجتمعنا الذي تجاوزت جرائمه المتعلقة بقضايا القتل بقصد الشرف، والاتّجار بالدعارة، واستغلال المرأة، أي حد ممكن.

ففي كل يوم نسمع عن جريمة من هذا النوع هنا وهناك. وبينما انشغل البعض في تشريح نفسية أمبر، التي تم اتهامها بالنرجسية والجشع والاضطراب النفسي، وتداول آخرون قصصاً عن استقبالها رجالاً في منزل الزوجية من دون علم زوجها، ذهب آخرون في المقابل، إلى وصف ديب بالشخص الذي تم التلاعب به عاطفياً، وهزيمته نفسياً ليشعر بأنه مذنب ومتوحش، وأنه ضحية تعنيف نسائي ممنهج.

إلى أن يستفيق الرجل-الذكر من وهمه، ويعود إلى صوابه أو إنسانيته، سنظلّ نصدّق الناجيات، حتى لا تموت قصص الألم النسائي الإنساني، نتيجة التعسف الذكوري بحجج واهية وجرائم متوارثة.

وأيضاً، علّق بعض الفنانين مهنئين جوني ديب على انتصاره وكسب الدعوة، داعمين وساخرين. فالممثل المصري محمد هنيدي الذي حرص على تهنئة الممثل الأمريكي جوني ديب، بعد فوزه أمام طليقته الفنانة أمبير هيرد، ناشراً صور الثنائي عبر موقع تويتر، كتب: "مبروك للصديق جوني ديب وخلّي نصايح خلف الدهشوري دايماً في دماغك".

أما الفنان حمادة هلال، فكان أكثر التزاماً بقضية ديب وعدالتها، معبّراً بطريقة فظة نوعاً ما، إذ كتب على صفحته في موقع فيسبوك ما يلي: "مبروك يا جوني يا خويا، اللي يجي على الرجالة ما يكسبش".

وآخرهم الفنان السوري تيم حسن (شيخ الجبل)، الذي نشر بدوره صورةً جمعته مع النجم العالمي، وأردفها بعبارة دعم قائلاً: "مبروك للرائع جوني ديب، من حسن حظي تعرفت إليه من خلال لقاءات عدة، مثال حقيقي للّطف والتواضع، فوز مستحق وواضح".

شرّ أصيل وشرّ دخيل

المرأة التي توصم بالعار والنجاسة، بسبب ماء طمثها، والتي تتعرض لعملية الختان المشينة بحجة تنصيب شهوتها، والتي تُضرب في بيت أبيها ثم في بيت زوجها الذي أُكرِهت على الزواج منه، والتي تنتهَك كرامتها كل يوم في العمل وفي وسائل النقل، وتتعرض للتحرش اللفظي والجسدي، هذه المرأة إن سكتت وتجاهلت عدّ المجتمع الأبوي الذكوري ذلك علامة رضا وقبول، وأصبحت "عاهرةً" في نظر الرجل، إن اعترضت، وقيل عنها "فاجرة".

والمرأة دائماً، إن هي أخطأت وكُشف خطأها (كما في حالة آمبر)، رُجمت بكل حجارة هذا العالم المتعفن، وتوجهت نحوها سكاكين الدنيا المسنونة سلفاً، واسترجع هذا الفضاء الذكوري المأفون ذاكرته المشبعة بالموت والدموية مذكراً إياها بصورة حواء الغاوية التي ورّطت آدم في النزول إلى الأرض، كما في الرواية الدينية التي كتبها ذكر آخر، هو "الله". ولذلك فهي "شر أصيل".

هذا بينما يُنظر إلى صانع كل مآسي عالمنا وشرّه، على أنه مجرد شرّ دخيل، وشرّ يمكن تجميله، وترقيعه، وتمويهه، لا بل محوه في كثير من الأحيان. شرّ يستند إلى خلفيات مقدسة قانونية ودينية تجعله شراً مضاعفاً، وقوةً قاهرةً لا تُغلب.

على الذكر أن يخرج من قمقم قناعاته المكتسبة عن أسلافه البلهاء، وأن يثور على نفسه، أولاً، وأن يتوقف عن الإيمان بضلال نرجسيته، وبتلك الفقاعة الكاذبة التي ورثها أباً عن جدود، وأن يعلم أن العالم قد تغير إلى الأبد، وأنه ليس سيداً على الكون لمجرد أن كُتب في إحدى خانات بطاقته الشخصية عبارة "ذكر"

سنظل نصدّق الناجيات

في مجتمعاتنا العربية، على الذكر أن يخرج من قمقم قناعاته المكتسبة عن أسلافه البلهاء، وأن يثور على نفسه، أولاً، وأن يتوقف عن الإيمان بضلال نرجسيته، وبتلك الفقاعة الكاذبة التي ورثها أباً عن جدود، وأن يعلم أن العالم قد تغير إلى الأبد، وأنه ليس سيداً على الكون لمجرد أن كُتب في إحدى خانات بطاقته الشخصية عبارة "ذكر".

عليه أن يدرك، أن تلك المرأة التي تعيش معه وتشاركه حياته وسريره، ولحظات سعادته وحزنه وانكساره، هي قرينة متكافلة، وأنها ليست هنا "لتغسل رجليه"، ولا أن تتزين وتتغنج وتتدلع لتأسر قلبه وتُشبع شهواته، أو أنه ليس "شمشون الجبار" الذي تحاول "دليلته الأثنى"، قصّ ضفائر فحولته الوهمية. عليه أن يتوقف عن الاعتقاد بأن المرأة "لا تأتي إلا بالسوط"، وأنها ليست "كالزيتون لا يحلو إلا بالرصّ".

وإلى أن يستفيق الرجل-الذكر من وهمه، ويعود إلى صوابه أو إنسانيته، سنظلّ نصدّق الناجيات، حتى لا تموت قصص الألم النسائي الإنساني، نتيجة التعسف الذكوري بحجج واهية وجرائم متوارثة، وحتى تتحقق العدالة لضحايا جرائم الشرف، والاغتصاب، والابتزازين الجسدي والمعنوي، والزواج المبكر، والعنف الأسري. سنظل نناصر قضاياهن حتى يتم تعديل تلك القوانين الجائرة، وتشريعات النكاح المخزية. علينا أن ندعم انتفاضة النساء المستمرة ليكنّ أحراراً في امتلاك حياتهن ومشاعرهن وأجسادهن.

لذلك، في نهاية المطاف، تبدو حالة التهافت الذكوري حول شعار "عدالة ديب المزعومة"، جزءاً من الحالة العربية الرجعيّة والمتخلفة التي استفزتها هذه الانتفاضة النسائية، وأثارت حفيظتها ورعبها، كون فكرة تحرر المرأة ومساواتها ككائن إنساني خالص، لا تُنقص من قدرة تركيبة الذكر البيولوجية أو تصنيفه النفسي، وتحمل في طياتها خسائر جمة للمجتمعات الذكورية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard