يُهدّد بإعادة الناجيات إلى الصمت... تسريب بيانات الشاهدات في قضايا التحرّش في مصر

الثلاثاء 8 سبتمبر 202012:08 م

أسئلة كثيرة طُرحت على الساحة المصرية، خلال الفترة الماضية، بعد تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات وصور وأسماء الشاهدات في قضية الفيرمونت، المتهمة فيها مجموعة من أبناء رجال الأعمال ذوي السلطة والنفوذ، وبعد تهديد المتّهَمين بالتحرش ضحاياهم بتقديم بلاغات ضدهم.

من أبرز تلك الأسئلة: هل عدم الحفاظ على سرية بيانات الشاكيات والشهود في قضايا التحرش والعنف الجنسي سيعيد القضية إلى نقطة الصفر، كونه يسهّل على المتهمين تهديد الشاهدات؟ وهل ستكون المدوَّنات المجهولة هي السبيل الوحيد أمام الناجيات من التحرش الجنسي؟

"صاعقة نزلت عليّ"

"ما حدث من تسريب لبيانات الشهود في قضية الفيرمونت كان بمثابة الصاعقة التي نزلت عليّ. تأكدت من أننا بلا ثمن، ولا قيمة حقيقية لنا لدى الدولة، وأن الطريق الوحيد لدينا هو الصمت أو الاعتماد على المدوَّنات المجهولة". بهذه الكلمات بدأت إحدى الناجيات من واقعة التحرش الجنسي المتهم فيها صحافي استقصائي حديثها لرصيف22.

وبالرغم من وعود المجلس القومي للمرأة بحماية الضحايا والشهود في قضية الفيرمونت، إلا أن الجميع فوجئ بتحوّل موقف بعض الشهود إلى متهمين في قضية أخرى وإصدار النيابة العامة قراراً بحبسهم، هذا عدا تسريب اسم الضحية والشهود، وتسريب فيديوهات وصور ومحادثات جرت بين الضحية وبين المتهمين في وقت سابق.

الناجية المذكورة أشارت إلى أن تسريب البيانات والمعلومات لشاهدة الفيرمونت أثّر بصورة أساسية على قضايا التحرش الذي تتعرّض له أغلب المصريات، خاصة أن المجتمع لا يرحم الضحايا ولا الشهود الذين يحاولون إقامة العدالة.

تدلل على حديثها بشيء من تجربتها الشخصية. تقول: "بعد تتالي الشهادات ضد الصحافي الاستقصائي، كنت بصدد اتخاذ إجراء قانوني وتواصلت مع محامٍ لكي نبدأ في الإجراءات، إلا أن المحامي أخبرني أنه من الأفضل أن تكون معي ناجيات أخريات. وبالفعل بدأنا في التواصل مع عدد من الناجيات، إلا أن ما حدث لنازلي مصطفى كريم، الشاهدة في قضية الفيرمونت، عطّل كل التحركات التي كنّا بصدد اتخاذها".

وتضيف: "كل الوعود التي أعلنها المجلس القومي لحقوق المرأة مجرد حديث للاستهلاك الإعلامي ولا توجد أي ضمانات لحمايتنا من المجتمع والوصم".

وكان الصحافي الاستقصائي المصري المتهم بالتحرش بعدد من الصحافيات قد تقدّم ببلاغ لنيابة الإنترنت اتهم فيه مدوَّنة دفتر حكايات وعدد من الصحافيات بالسب والقذف.

ومع تزايد الحديث عن التحرش وانتشار المدوَّنات التي تروي قصص التحرش واتجاه العديد من الضحايا إلى النيابة لمحاسبة المتحرشين، وافق مجلس الوزراء في تموز/ يوليو الماضي على مشروع قانون يعدّل بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية، ويسمح لقاضي التحقيق، لظرف يُقدّره، بعدم إثبات بيانات المجني عليه في أي من الجرائم المنصوص عليها في الباب الرابع من الكتاب الثالث من قانون العقوبات، أو في المادتين 306 مكرر أ و306 مكرر ب، من ذات القانون، أو في المادة 96 من قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996.

وينشأ في الحالة المشار إليها ملفٌّ فرعي يضمن سرية بيانات المجني عليه كاملة، ويعرض على المحكمة والمتهم والدفاع كلما طُلب ذلك.

رعب الناجيات

يقول صموئيل ثروت، وهو محامٍ موكل بقضية ضحايا تحرش على يد طبيب نفسي تحرّش بمترددات على عيادته الواقعة في مدينة طنطا في محافظة الغربية، إن الناجيات اتخذن إجراءات قانونية وفقاً لوعود المجلس القومي والدولة بحمايتهن وحماية بياناتهن، وإن النيابة اتخذت قراراً بإحالة الطبيب إلى المحاكمة وقررت حبسه أربعة أيام على ذمة التحقيق.

ولكنه يضيف أنه بالرغم من أن النيابة انتصرت للناجيات من واقعة التحرش من قبل الطبيب، إلا أنهنّ يشعرن برعب شديد بسبب ما حدث في قضية الفيرمونت.

وشرح أن القانون الخاص بحماية الشهود والمبلغات لم يصدر بعد، وحتى وإنْ صدر فهناك أزمة في انتقال البيانات أثناء التحقيق في النيابة، إذ أقرّ القانون بمنع البيانات والملعومات إلا عن المتهم والضحية ومحاميهم .

ولفت ثروت إلى أن محامي الطبيب في قضية تحرّش طنطا أبلغ الصحافة والإعلام بمعلومات عن الشاكيات، في إطار الضغط عليهنّ، وهو ما أوقف عشرات الشكاوى التي كانت في طريقها إلى النيابة، خشية الوصم المجتمعي وتحويل الضحايا إلى متهمات في نظر المجتمع المحيط بهنّ.

"ما حدث من تسريب لبيانات الشهود في قضية الفيرمونت كان بمثابة الصاعقة التي نزلت عليّ. تأكدت من أننا بلا ثمن، ولا قيمة حقيقية لنا لدى الدولة، وأن الطريق الوحيد لدينا هو الصمت أو الاعتماد على المدوَّنات المجهولة"

وأوضح لرصيف 22 أن هناك ضرورة لإجراء تعديلات حقيقية في التقاضي في الجرائم المرتبطة بالعنف الجنسي والتحرش، أهمها أن يتم تأسيس وحدة شرطية أغلبها من النساء يكُنّ مسؤولات عن تلقي البلاغات والاستماع إلى الشاهدات وضمان سرية بياناتهن، مع ضرورة الحزم من قبل الدولة مع بعض الفاسدين في أجهزة السلطة التنفيذية.

ووجّه المحامي نداء إلى وسائل الإعلام المصرية بالتوقف فوراً عن نشر بيانات الناجيات والشهود، لافتاً إلى أنه سيتقدم خلال ساعات بشكاوي للهيئة الوطنية للصحافة والإعلام ونقابة الصحافيين والنائب العام لوقف نشر أي بيانات تخص الناجيات، حفاظاً على حياتهنّ الأسرية، ولتمكين أخريات من التقدّم ببلاغات، إذا كانت هناك نية حقيقية لمواجهة التحرش.

قلق الضحايا

"ندمت على التقدم ببلاغ إلى النيابة ولم أكن أعرف أن وعود المجلس القومي والنيابة مجرد حديث لا أصل له". هكذا شعَرَت ناجية من تحرش الطبيب النفسي بمترددات على عيادته.

أشارت الناجية إلى أنها لم تستطع النوم على مدار الأيام الماضية، خاصة أن حياتها الأسرية في خطر، بسبب محاولات المتهم تسريب بيانات ومعلومات عن الضحايا اللواتي كن يخضعن للعلاج النفسي لديه على مدار أشهر، ويعرف أسرارهن، ما يهدد حياتهنّ الأسرية ويحوّلهن من ضحايا إلى متهمات، مثلما حدث لنازلي مصطفى كريم.

وأوضحت الناجية أن بعض أمناء الشرطة والعاملين في النيابة يقومون بتسريب معلومات الشاكيات والشهود "بسبب الفساد المالي والإداري الذي ينتشر في كل المجالات في مصر".

ودعت إلى ضرورة أن تكون جلسات محاكمة المتهم بالتحرش سرية، بضمانة من السلطة القضائية التي هي محل ثقة للجميع.

وأنهت حديثها بالتأكيد على أن استمرار تسريب بيانات الشاكيات والشهود، سيدفع الجميع إلى العزوف عن اتخاذ إجراءات قانونية في مواجهة التحرش والاعتماد على المدوَّنات المجهولة الهوية، باعتبارها المتنفس الوحيد لضحايا التحرش.

تسريب البيانات والمعلومات لشاهدة الفيرمونت أثّر بصورة أساسية على قضايا التحرش الذي تتعرّض له أغلب المصريات، خاصة أن المجتمع لا يرحم الضحايا ولا الشهود الذين يحاولون إقامة العدالة

وكانت نيابة قسم أول طنطا في محافظة الغربية قد قررت، مساء الخامس من أيلول/ سبتمبر، حبس الطبيب النفسي أربعة أيام على ذمة التحقيق.

واستمعت النيابة إلى أقوال الطبيب بعد عدة بلاغات تقدّمت بها سيدات اتهمنه بالتحرش بهنّ داخل عيادته الخاصة، ونفى كافة تهم التحرش الجنسي واللفظي الموجهة ضده، مؤكداً أنه يتعرّض لحملات تشويه ممنهجة وابتزاز من جانب منافسين عبر استغلال مواقع التواصل الاجتماعي.

وكانت الأجهزة الأمنية في الغربية قد ألقت القبض على الطبيب عقب تداول منشور على عدد من الصفحات على فيسبوك يتضمن رسائل مرسلة من سيّدات ومفادها أنه تحرش بهن لفظيّاً أثناء علاجهنّ، وطلب منهنّ إرسال صور خاصة وحاول إقناعهن بممارسة بعض الأعمال المنافية للآداب، وإيهامهن بأن ذلك نوعاً من أنواع العلاج النفسي.

صعوبات في قضايا العنف الجنسي

تعتبر إلهام عيدراوس، وكيلة مؤسسي حزب العيش والحرية وناشطة نسوية، أن كافة قضايا العنف الجنسي فيها صعوبات، ولكن هناك قضايا أكثر صعوبة، وهو الأمر الذي تحقق في واقعة الفيرمونت، إذ ينتمي المتهمون إلى فئات ذات سلطة ونفوذ، بينما الضحية من فئة ضعيفة.

وتشير إلى أن واقعة أحمد بسام زكي المتهم بالتحرش والاعتداء الجنسي كانت أسهل، لأنه طالب في الجامعة الأمريكية أي ينتمي إلى الشريحة العليا من الطبقة الوسطى، وأيضاً أغلب ضحاياه من نفس الطبقة، وهذا ما جعلها أسهل من قضية الفيرمونت، ومن هنا تكتسب قضية الفيرمونت أهمية خاصة في تحقيق العدالة.

وتلفت عيداروس إلى أنه من الضروري أن تكون هناك مراعاة لبعض الحساسيات، فإذا مثلاً اتُّهم أحد الشهود بمخالفة أقلّ خطورة مقارنة بالجريمة التي جاء ليكون شاهداً عليها، يجب تأجيل البت في تهمته لتحقيق المصلحة العامة والإنصاف في الجريمة الأكبر، والنيابة العامة لها من السلطة التقديرية ما يسمح لها بالقيام بذلك.

واعتبرت أن هذا المبدأ يمكن تطبيقه على كل القضايا ولكن بشكل خاص على قضايا العنف الجنسي، فلها خصوصية وحساسية، وتحتاج إلى إرادة وإنصاف أكثر من غيرها من القضايا، وإلا فستكون النتيجة عدم الانتصار إلا للضحايا المثاليين في مواجهة الجاني المثالي في الزمان المثالي، وسبق أن رأينا الشرطة توجّه للضحايا أسئلة من نوعية "إيه اللي وداكي هناك؟ بتشربي ليه؟"، وغيرها من الأسئلة التي تدفع النساء إلى الابتعاد تماماً عن اتخاذ إجراءات قانونية.

ومكمن الخطر في تسريب بيانات الفيرمونت، بحسب عيداروس، هو أن جميع الضحايا والمتهمين سيتعادلون في العقوبة لأن القضية تحوّلت من اغتصاب شابة إلى قضية مجون، ما سيعيد قضية الاغتصاب والتحرش إلى نقطة الصفر، وسيؤدي حتماً إلى تفشي الظاهرة أكثر مما هي عليه الآن، وهذا يهدد أمن المجتمع ككل.

وأنهت عيدراوس حديثها بالتأكيد على أنه بالرغم من الخطر الداهم الذي تواجهه الناجيات من وقائع التحرش الجنسي في مصر، إلا أن القانون الذي لم يصدر بعد فيه الكثير من المشاكل، منها أنه لم ينص على حماية المبلغات ولم يتطرق إلى حماية الشهود، وهو أمر بمثابة كارثة حقيقية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard