ماذا تفعل الحرب بزوجات الشهداء والمفقودين والمهجرين السوريين؟

الأربعاء 8 يونيو 202201:25 م

ليس غريباً على الحرب أن تعيد خلط الأوراق وتوزيعها، وأن تمزج "الحابل بالنابل" كما يقولون، وتذل عزة القوم وتعز ذليلهم. وهذا ما حدث تماماً في الواقع السوري. وكعادة الحرب التي تدور وتنتج فئات مطحونة، كانت النساء - مرة أخرى، وتحديداً زوجات الشهداء والمفقودين والمهجرين - الأوفر نصيباً من البؤس والمعاناة.  

هل تسكت مغتصَبة؟ 

في الأيام الأخيرة ضجت مواقع التواصل الاجتماعي برحيل الشاعر العراقي مظفر النواب. ولعلّ من أشهر أقواله التي تم تناقلها استشهاداً ببلاغته الفذة كانت: 

"وصرختم فيها أن تسكت صوناً للعرض؟؟!!
فما أشرفكم!
أولاد القحبة هل تسكت مغتصبة؟؟!" 

نعم يا أبا عادل. في سوريا تسكت المغتصبات عن حقوقهن! هذا المصير تقاسيه حرفياً كل امرأة سوريّة فقدت زوجها في الحرب أو في واحدة من تبعاتها من تفجيرات، أو اعتقالات، أو نزوح، أو هجرة، بغضّ النظر عن الجهة السياسية التي تنتمي إليها، والبقعة الجغرافية التي تعيش عليها. إنّ فقدان المرأة "للذكر" الذي تُكنّى باسمه، يجعل منها ومن ممتلكاتها "لقمة سائغة" يسيل لعاب كل الناظرين إليها.

في سوريا تسكت المغتصبات عن حقوقهن! هذا المصير تقاسيه حرفياً كل امرأة سوريّة فقدت زوجها في الحرب أو في واحدة من تبعاتها من تفجيرات، أو اعتقالات، أو نزوح، أو هجرة، بغضّ النظر عن الجهة السياسية التي تنتمي إليها، والبقعة الجغرافية التي تعيش عليها

ويزيد الطين بلة وجود الأولاد، فتتضاعف سهولة اكتساب الصفقة بالنسبة لهم، فعبارة "تجوع الحرّة ولا تأكل ثدييها" قد ولّت في كثير من الأحيان وانهارت مع أركان المدينة الأفلاطونية الفاضلة. 

إن المجتمع السوري كان، قبل الحرب، يعيش نوعاً من الرتابة الاقتصادية والمستويات الطبقية المحددة مسبقاً. وكان الغالب مقتنعاً بالمستوى الذي وُضع فيه وغير آبه بمحاولات الارتقاء. فكان الرجل، في كثير من الأحيان، معيل الأسرة الوحيد بوظيفته الحكومية أو صنعته التي توارثها أباً عن جد. ولكن رائحة البارود فرّقت كل شيء. وباتت المرأة - التي كانت تنتظر زوجها كل عشية على كأس الشاي بعد أن تنهي أعمال المنزل وواجبات الأطفال - نفسها لا تنتظر أحداً. 

ومع الانهيار الاقتصادي السوري، الذي لم يبق من الكرامة وماء الوجه إلا ما ندر، وجدت نساء الشهداء والمفقودين والمهجّرين أنفسهن في ليال طويلة من الجوع وشكوى الأطفال وتذمرهم من الفروق الطبقية التي تزيد من الفجوة بين أبناء المجتمع. 

إن كل امرأة من اللواتي فقدن أزواجهن وجدت نفسها تحت وصاية ذكر من أقاربها يملي عليها ما تفعل وكيف تلبس وكيف تتحدث مع الغرباء باقتضاب. وما إن ترفض واحدة منهن طلبات هذا الولي الوصي، ترمى بالفجور وخلع العذار. 

إنّ المرأة التي تفقد زوجها فجأة، تحرّك مشاعر الذكر الشرقي الغيور. فيحاول اقتحام حياتها من باب المساعدة والتآخي والتعاضد، ثم لا يلبث أن يكشّر عن أنيابه الغرائزية التي تستغل حاجة هذه الفئة من النساء النفسية والجسدية والمادية

إنّ المرأة التي تفقد زوجها فجأة، تحرّك مشاعر الذكر الشرقي الغيور. فيحاول اقتحام حياتها من باب المساعدة والتآخي والتعاضد، ثم لا يلبث أن يكشّر عن أنيابه الغرائزية التي تستغل حاجة هذه الفئة من النساء النفسية والجسدية والمادية.  

حتى المرأة التي يهاجر زوجها طلباً للجوء، تتحول بين ليلة وضحاها إلى ضحية نوعين من الاستغلال: الأول مادي، فهي تستقبل المساعدات المالية من زوجها الذي يتقاضى راتب اللجوء بالدولار، وآخر نفسي، أي يكون على شكل تحرش لفظي أو جسدي. 

وتجد المرأة نفسها مضطرة إلى العمل - إذا ما كانت أعمار أطفالها تسمح بذلك - في أي مهنة تعود عليها ببعض الأموال التي تسكت جوع الأسرة اليتيمة. وقد تكون مضطرة للعيش على صدقات الآخرين، فتكسر عينها، وتخجل من رفض أي مقابل للمعيل "الحنون" حتى لو كان جسدها. 

تتحدث سهام (اسم مستعار)، وهي أربعينية وموظفة في القطاع الصحي فقدت زوجها في الحرب، وأم لشابين في مرحلة التعليم الثانوي: "كنت أسحب راتبي الشهري من صراف آلي مجاور لمؤسسة المياه، فدخلت أشكو للمدير انقطاع الماء عن حيّنا لمدّة أسبوع بأكمله". ولمّا طلب منها المدير بعض المعلومات، حسب تعبيرها، التي عرف من خلالها أنها زوجة إحدى ضحايا الحرب، كتب لها رقمه على قصاصة ورقية، وطلب منها أن تحادثه مساء على واتساب، مع غمزات بعينيه. جعلها لا تعي كيف تخرج من مكتبه. تسرد لنا سهام القصة وهي تقسم بأنها لم تفعل أي شيء "يوحي بالإغراء"، وبأنها كانت ترتدي معطفاً إلى كاحلها. وأردفت: "لم أجرؤ على أن أخبر أحداً من إخوتي بذلك، لأن أول كلمة ستقال لي: ما الذي أخذك إلى هناك؟" .

الضحية لا تزال ترتدي محبس زواجها لعله يكون رادعاً لجياع اللحم. واستفاضت في القسم بحشمة ردائها وأفعالها. وهذا يعكس المنطق الأعوج لعقليات في المجتمع التي تستقوي على الضحية، وتبرر للمتحرش القذر دناءته.

المحارم التي تحلّها رصاصة 

في نموذج مكرر جدّاً بفعل الحرب، تعمدت بعض الأسر إلى تزويج واحد من أبنائها إلى زوجة أخيه المتوفي في الحرب. المرأة التي نشأت منذ الصغر في مجتمعاتنا على أنها تصبح ابنة لأهل زوجها، تدور رحى الحرب على مبادئها وتطحن هذه الأخوّة. وتجد نفسها مضطرة للزواج من أخي زوجها تحت وطأة الضغط المجتمعي بعدم قدرتها على إعالة الأطفال بمفردها، وعدم قدرة أهل الزوج على التفريط بفلذات أكباد فقيدهم. وتزداد الأمور تعقيداً في حال وجود إرث عائلي يخشى الأهل تفريقه، وذهابه إلى غريب يتزوج كنتهم السابقة. 

تُعقد هذه الزيجات دون الاكتراث بمشاعر الزوج الجديد، ولا الزوجة المفجوعة، ولا الأبناء الذين ناموا على عمّ واستفاقوا عليه أباً. 

في نموذج مكرر جدّاً بفعل الحرب، تعمدت بعض الأسر إلى تزويج واحد من أبنائها إلى زوجة أخيه المتوفي في الحرب. المرأة التي نشأت منذ الصغر في مجتمعاتنا على أنها تصبح ابنة لأهل زوجها، تدور رحى الحرب على مبادئها وتطحن هذه الأخوّة

الضغط المجتمعي فوق الضغط النفسي والمعيشي  

إن الاستسلام للواقع المقيت وتحمّل الوصاية أمر لم تطق أنْ تصبر عليه الكثير من النساء. فاضطررن إلى وضع أقنعة القوة ومواجهة العالم الخارجي في العمل ببسالة وشراسة، والعودة في المساء باسمات إلى أطفالهن ليدبّرن شؤونهم ويتابعن واجباتهم المدرسية. وعندما يسدل الليل جفنيه على مصاعب النهار، تضم كل واحدة منهن صور رفيقها الغائب وتحكي له عن الثمن الباهظ للعفة، وعن أسعار السلع التي تتسابق في الارتفاع. وعندما يأتي النهار مجدداً، يعدن تحت مجاهر الجارات اللاتي لا يرحمن، ويسمعن أحاديث النميمة والاتهامات بقلة الوفاء دون وضع أعذار، كونهن لا يمتلكن رفاهية الانهيار حزناً وهنّ ذاهبات إلى أعمالهن أو قضاء شؤونهن.  

في الحالات المشابهة للوضع السوري اليوم، والمعاناة التي تقاسيها نساؤه بشكل عام، تصبح قضايا تمكين المرأة حاجة ماسّة بالنسبة للأمهات الأرامل وزوجات المفقودين والمهجرين.

هل يكسر التحرك النسوي حلقة القمع والاضطهاد؟ 

في الحالات المشابهة للوضع السوري اليوم، والمعاناة التي تقاسيها نساؤه بشكل عام، تصبح قضايا تمكين المرأة حاجة ماسّة بالنسبة للأمهات الأرامل وزوجات المفقودين والمهجرين. وقد تبدو هذه القضايا مجرّد رفاهية للنساء اللاتي لا يزلن "يعشن في جلابيب أزواجهن". وهنا يبرز دور التحركات النسوية الواعية في رفع شعور كل امرأة بالاستحقاق، وكسر مخاوفها ورهابها من وسوم المجتمع. على النساء السوريات أنْ يتعلمنَ كيفية قول "لا" عندما يتطلب الأمر، وكيفية وضع حدّ للمديرين الراغبين بدردشات الواتساب مع "المشتكيات"، إضافةً إلى كيفية التوقف عن شرح أنفسهنّ، فهنّ ضحايا لا مذنبات. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard