الخطف في سوريا تحوّل إلى مهنة... العصابات الصغيرة "محمية" من "العصابة الكبيرة"

الأربعاء 16 فبراير 202201:14 م

أفرج خاطفو الطفل فواز القطيفان ابن محافظة درعا، عنه، بعد دفع فدية بلغت 120 ألف دولار، أي ما يعادل 400 مليون ليرة سورية، بعد احتجاز دام لأكثر من ثلاثة أشهر، عاش خلالها السوريون وغيرهم في الأيام الأخيرة، حالةً من الترقب والانتظار المختلط بالخوف من تعرض الطفل للأذى، خاصةً بعد انتشار شريط فيديو يتعرض فيه للضرب من قبل الخاطفين ويرجوهم ألا يضربوه.

لم تكن قضية خطف الطفل فواز قبل بث الخاطفين لفيديو التعذيب متداولةً أكثر من حدود سهل حوران، لكن الفيديو جاء بالتزامن مع حادثة وفاة الطفل ريان في المغرب، ما أثار انتباه السوريين والعرب إلى أن هناك عصابات باتت تمتهن خطف الأطفال في سوريا، وقد تكون أخطر عليهم من السقوط في بئر في لحظة غفلة.

جاء فيديو تعذيب الطفل بمثابة انفراجة للنظام السوري، إذ أعلنت لونة الشبل، مستشارة الرئيس السوري بشار الأسد، أن الأخير أصدر تعليماته للجهات المختصة بمتابعة قضية فواز وحلها في أسرع وقت. وبمجرد إعلان الشبل، بدأت تصريحات مسؤولي الأمن في درعا بالظهور، وبدأوا بالتحرك للظهور بمظهر الحريصين على روح طفل سوري، أجمع السوريون جميعاً على حبه، وخوفهم عليه، وأمنياتهم بعودته سالماً إلى أهله.

أفرج خاطفو الطفل فواز القطيفان ابن محافظة درعا، عنه، بعد دفع فدية بلغت 120 ألف دولار، أي ما يعادل 400 مليون ليرة سورية

كما أن التركيز الإعلامي الموالي والمعارض اجتمعا للمرة الأولى على قضية واحدة، وإن كان كل منهما يحمّل الطرف الذي يتبعه الآخر مسؤولية ما جرى، لكن في المجمل كان هناك إجماع على أن سلامة الطفل هي الأهم.

يرى كثير من السوريين أن لحظة الإفراج عن الطفل، والفيديو والصور التي تظهر قائد شرطة درعا وهو يحتضنه مهنئاً بعودته سالماً، كانت معيبةً بحق النظام الذي فشل في الوصول إلى الخاطفين الموجودين أصلاً في منطقة يسيطر عليها بشكل كامل، في حين أن أجهزته الأمنية قادرة على الوصول في أي وقت إلى أي مكان يختبىء فيه أحد معارضية من أجل اعتقاله.

ويؤكد ناشط ميداني من مدينة نوى، لرصيف22، أن "المدينة (نوى) التي كان الطفل محتجزاً فيها، تحتوي على نحو 15 قطعةً عسكريةً، ونقطةً أمنيةً للنظام"، في نفي لتصريح قائد شرطة درعا، بأن المنطقة ليس فيها أي وجود لقوات النظام وأجهزته الأمنية.

يقول أبو محمود الحوراني، الناطق باسم تجمع أحرار حوران، لرصيف22، إن "هناك تناقضاً في رواية تسليم الطفل بعد دفع الفدية من قبل ذويه، ففي الوقت الذي قال فيه قائد الشرطة إن مجهولاً يستقل دراجةً ناريةً ترك الطفل في أحد الطرق الزراعية القريبة مما يُعرف بصوامع الحبوب في مدينة نوى، قال والد الطفل إن الخاطفين تركوا الطفل عند صيدلية "حسام الجهماني" في المدينة، بجانب دوار مخفر شرطة المدينة، ووضعوا معه ورقةً كُتب عليها اسمه ورقم هاتف ذويه".

ترك الخاطفون الطفل فواز القطيفان بجانب صيدلية تبعد حوالي المئة متر عن مربع أمني تابع للنظام في مدينة نوى في درعا، وهو ما يناقض تصريح قائد الشرطة الذي أشار إلى مكان آخر تماماً

ويشير الحوراني، إلى أن "الصيدلية تبعد مئة متر فقط عن المربع الأمني للنظام في المدينة، وهذا ما يخالف تصريح قائد الشرطة الذي أخطأ أيضاً في تقدير أن منطقة الصوامع تخضع لسيطرة مسلحين، في حين أنها تُعدّ منطقةً عسكريةً تابعةً للّواء 112، وتبعد نحو 3 كم عن الصيدلية التي تُرك عندها الطفل".

وفي الوقت الذي تقوم فيه أجهزة النظام الأمنية بالعديد من المداهمات لمختلف القرى والبلدات، لملاحقة مطلوبين أو معارضين، عجزت عن الوصول إلى أي معلومات عن الخاطفين.

وكان تصريح قائد شرطة المحافظة، العميد رياض الدندل، قد أثار سخريةً واسعةً في درعا، وعلى الساحة السورية، عندما أعلن وهو يحتضن الطفل فواز في الصورة بعد تركه من قبل الخاطفين، أنه "تم تحرير الطفل فواز من العصابة الخاطفة بعد دفع الفدية المطلوبة".

وتساءل معظم رواد وسائل التواصل الاجتماعي، من مؤيدين ومعارضين، عن دور حكومة دمشق وأجهزتها الأمنية التي لطالما كانت قادرةً على عد أنفاس السوريين، في الوصول إلى الخاطفين وإنقاذ الطفل من دون اللجوء إلى دفع مبلغ قارب نصف مليار ليرة سورية.

الخطف كمهنة

لم تمنع التسوية الأولى عام 2018، والثانية نهاية العام الماضي 2021، عمليات الخطف في محافظة درعا، بل على عكس ذلك ازدادت، من حيث العدد، ورُفع سقف المبالغ المطلوبة كفدية لقاء الإفراج عن المخطوفين، وهذا ما جعل العديد من الناشطين داخل درعا يتساءلون عن دور ما لأجهزة النظام الأمنية في عمليات الخطف، خاصةً أن هذه الأجهزة لم تعتقل حتى الآن أي عصابة من العصابات التي تُنفذ هذه العمليات.

أسباب عديدة تقف وراء عمليات الخطف، أبرزها الفوضى الأمنية الكبيرة التي تشهدها المحافظة وخاصةً في الأرياف، وما يشيعه النظام عن استتباب الأمن لا يعدو مربّعه الأمني في حي درعا المحطة من مدينة درعا، كما أن انتشار السلاح والمخدرات بشكل كبير لعب دوراً مهماً في هذه الأعمال.

لم تمنع التسويات التي حصلت، عمليات الخطف في محافظة درعا، بل على عكس ذلك ازدادت، من حيث العدد، ورُفع سقف المبالغ المطلوبة كفدية

فالسعي إلى الحصول على المال بأي طريقة بات الهدف الأول لمعظم المجموعات التي تنفذ عمليات الخطف، أو حتى لبعض الأشخاص الذين يرتكبون جرائم قتل بدافع السرقة، في ظواهر لم تكن معروفةً في درعا سابقاً، ما يعطي مؤشراً مهماً على اختلال النسيج الاجتماعي، وحتى تمزقه.

يقول أبو عبيدة، ناشط من ريف درعا، لرصيف22: "لم يقُم النظام أو أجهزته الأمنية منذ سيطرته على المحافظة بأي محاولة جادة لإنقاذ أي مخطوف، أو ملاحقة عصابات الخطف والقتل والمخدرات، فمن مصلحته استمرار الفوضى بهذا الشكل، لإشغال الناس عن العديد من الأمور، منها فشله في إدارة المحافظة، وصرف أنظار الناس عن الواقع الاقتصادي بالغ السوء، وبحثهم عن الأمان فحسب بأي شكل من الأشكال".

ويؤكد أبو محمود الحوراني، أن هناك معلوماتٍ خاصةً، حول تنفيذ شخص من بلدة تسيل في ريف درعا الغربي لعملية خطف الطفل، وهو يسكن في بلدة إبطع مسقط رأس الطفل، وقام بتنفيذ العملية بالاشتراك مع زوجته وشخصين آخرين.

وتشير المعلومات، حسب الحوراني، إلى أن هذا الشخص ومعه خاطف آخر، يعملون ضمن مجموعة عسكرية مسلحة تابعة للنظام، تشرف عليها سرية المداهمة، المعروفة بالفرع 215 التابع لشعبة المخابرات العسكرية.

وبعد عودة والد الطفل من الكويت، وتقديمه شكوى حول ابنه المخطوف، لدى فرع الأمن الجنائي في درعا، قام بسحبها لاحقاً بطلب من النقيب في فرع الأمن الجنائي المدعو "سنان"، الذي طلب من والد فواز سحب الشكوى، ليتبين لاحقاً أن ذلك تم بضغط من الفرع 215.

لم يقُم النظام أو أجهزته الأمنية منذ سيطرته على المحافظة بأي محاولة جادة لإنقاذ أي مخطوف، أو ملاحقة عصابات الخطف والقتل والمخدرات، فمن مصلحته استمرار الفوضى، لإشغال الناس عن فشله في إدارة المحافظة

ويوضح الحوراني، أنه بناءً على معلومات مؤكدة، فإن رئيس قسم المهام في المخابرات العسكرية المدعو "أبو جعفر" والذي يعمل في مدينة إزرع، ويتبع لفرع درعا، يشترك مع العصابة الخاطفة، إذ تم توثيق عمليات خطف سابقة عدة كان أبو جعفر مشتركاً فيها، من أجل الحصول على المال.

مخطوفون مجهولو المصير

تم تسجيل العديد من حالات الخطف في محافظة درعا، خلال الفترة الماضية، ففي إحصائية صرّح بها مكتب توثيق الانتهاكات في تجمع أحرار حوران لرصيف22، بلغت عمليات الخطف خلال العام الماضي 2021، نحو 40 حالةً، بينهم أربعة أطفال، وشابة. كما أن من بينهم 12 شخصاً من محافظة السويداء، في حالات خطف متبادل بين محافظتي درعا والسويداء، ومن بين المخطوفين عدد من جنود النظام السوري.

وقد أُفرج عن قسم من المخطوفين، وقُتل قسم آخر، فيما لا يزال قسم أخير مخطوفاً حتى الآن، وكان من بينهم الطفل فواز القطيفان الذي خُطف في الثاني من تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، وتم تحريره في الثاني عشر من شهر شباط/ فبراير الحالي. كما تم تسجيل حادثة اختطاف لشاب في ريف درعا الغربي، قبل نحو أربعة أشهر، وتم تحريره من الخاطفين بعد دفع فدية بلغت نحو 130 ألف دولار أمريكي.

في إحصائية صرّح بها مكتب توثيق الانتهاكات في تجمع أحرار حوران، بلغت عمليات الخطف خلال العام الماضي 2021، نحو 40 حالةً، بينهم أربعة أطفال

لكن في حادثة خطف، تم إغفالها إعلامياً، وحتى حقوقياً، تم اختطاف الطفلة سلام خلف، عشرة أعوام من بلدة الطيبة في ريف درعا الشرقي، في 10 آذار/ مارس 2020، خلال عودتها من المدرسة. وحسب شهود عيان، فإن العملية جرت من قبل مجهولين يستقلون حافلةً صغيرةً مغلقةً، ولم يتم التعرف إليهم، وبعد نحو شهر من خطفها، عُثر على لباسها المدرسي في إحدى الأراضي الزراعية في بلدة الطيبة، ولم يُعرف مصيرها حتى الآن، كما لم يتواصل الخاطفون مع ذويها أبداً، ما يدفع إلى الشك من قبل ناشطين في أنها اختُطفت لغاية التجارة بالأعضاء البشرية.

وعلى الرغم من تبليغ الجهات الأمنية المختصة لدى النظام، إلا أن هذه الجهات لم تقم بأي عمل لمحاولة الوصول إلى الطفلة، كما لم يتحدث إعلام النظام عنها مطلقاً.

تنويع في الأساليب

تنوعت أساليب الخطف التي تتم في محافظة درعا، ولكنها في معظمها تتم بواسطة أشخاص ملثمين، يستقلون دراجاتٍ ناريةً، كما في حالة فواز، أو حافلاتٍ مغلقةً كما في حالة الطفلة سلام، وهناك حالات تم استخدام سيارات نقل عامة "تاكسي" فيها، لتنفيذ عمليات الخطف، وعند العودة إلى معظم هذه السيارات تبيّن أنها مسروقة لتنفيذ العملية فحسب، قبل أن يتم تركها في منطقة أخرى غير تلك التي نُفّذت فيها عملية الخطف.

يؤكد الحوراني، لرصيف22، أن عناصر محليين في محافظة درعا، يتبعون لسرية المداهمة "الفرع 215"، يمتلكون صلاحيات التمويل الذاتي لمجموعاتهم، عن طريق تنفيذ عمليات سلب، وسرقة، وخطف من أجل الحصول على فدية، مقابل تنفيذ مهام أمنية لصالح الفرع ذاته، أبرزها تنفيذ عمليات اغتيال بحق معارضين للنظام السوري وإيران.

تُفيد المعطيات بأن عناصر محليين في درعا، يتبعون لسرية المداهمة "الفرع 215"، يُمولون مجموعاتهم عن طريق عمليات سلب، وسرقة، وخطف للحصول على فدية، مقابل تنفيذ مهام أمنية لصالح الفرع ذاته

وفي حوادث مشابهة، اعتقلت مجموعة محلية من مدينة نوى مؤخراً، شخصين من أبناء المدينة، يتلقيان تعليمات من رئيس مفرزة أمن الدولة "المخابرات العامة" المعروف بـ"أبو ميسم" المتحدر من بلدة الشيخ مسكين، والمساعد في أمن الدولة محمد أبو حيدرا، المتحدر من بلدة تلكلخ في ريف حمص، واعترفا بالقيام بمراقبة أشخاص في نوى وإرسال معلوماتهم إلى رجلي الأمن المذكورين،ثم يقوم أبو حيدرا بالتواصل مع الأشخاص المراقبين من أرقام خارجية، مدّعياً أن اسمه "أبو خالد الفلسطيني" وهو من تنظيم داعش، وأنه يتوجب عليهم دفع مبالغ مالية ضخمة مقابل عدم التعرض لهم وقتلهم، بحجة أنهم مطلوبون للتنظيم، وقد وصلت المبالغ التي حصل عليها رجلا الأمن المذكوران إلى 150 مليون ليرة سورية خلال فترة وجيزة.

لن تكون حادثة الطفل فواز هي الأخيرة، حسب ناشطين، بل من المتوقع أن تفتح شهية العصابات التي تمتهن الخطف، لتنفيذ المزيد من عمليات خطف الأطفال بشكل خاص، لقناعتهم الحالية بأنه سيتم دفع الفدية التي سيتم طلبها من جهة، وبأن النظام السوري وأجهزته الأمنية لن يقوموا بملاحقتهم.  

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard