حكاية الدولار الجمركي ... إلى أين ستذهب بنا أسعار مسكّنات الصداع؟

الخميس 2 يونيو 202203:33 م

أصدرت مصلحة الجمارك المصرية، صباح أمس الأربعاء، الأول من يونيو/ حزيران، بياناً تعلن فيه رفع سعر الدولار الجمركي إلى نحو 18 جنيهاً في تعاملات شهر يونيو مقابل 17 جنيهاً للتعامل خلال أيار/ مايو الماضي، و16 جنيهاً في نيسان/ أبريل، وذلك وفق تعليمات مرسلة من وزارة المالية إلى المصلحة.

وأدرجت الإدارة العامة للمعلومات بالإدارة المركزية للسياسات والإجراءات، الأسعار الواردة بالمنشور على شبكة الحاسبات الآلية في مصلحة الجمارك للعمل بها، كما تم توزيعها على المنافذ والمناطق والموانئ الجمركية.

بهذا القرار، يكون سعر الدولار الجمركي مساوياً تقريباً سعر صرف الدولار في البنك المركزي يوم الأربعاء الصادر فيه القرار، إذ وصل السعر إلى 18.62 جنيه للبيع و18.54 جنيه للشراء.

المستشار الاقتصادي مدحت نافع: "سعر الدولار الجمركي ارتفع بنسبة 10% في القرار الأخير، لكن هل سيكون ارتفاع الأسعار بنفس النسبة؟ هذا يتوقف على حجم الطلب"

ما هو الدولار الجمركي؟

الدولار الجمركي مصطلح اقتصادي يُستخدم في حساب قيمة الرسوم التي يدفعها المستورد بالعملة المحلية بدل الإفراج الجمركي عن البضائع المستوردة، وفي الظروف المستقرة كان تحديد سعر الدولار الجمركي يتم وفقاً لسعر الصرف في اليوم السابق عليه.

ولكن وزارة المالية لجأت إلى أسلوب تحديد سعر الدولار الجمركي بشهرياً منذ قرار تحرير سعر صرف الجنيه في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2017، ثبتت سعر الدولار الجمركي عند 16 جنيهاً مع استقرار سعر العملة في الأسواق.

قرار زيادة سعر الدولار الجمركي صدر بالتزامن مع تصريحات حكومية تبشر بزيادات جديدة في أسعار استخدام الكهرباء ومياه الشرب، تطبق بدءاً من شهر يوليو/ تموز المقبل

وفي 21 آذار/ مارس 2022، اتخذت لجنة السياسات النقدية في البنك المركزي المصري قراراً آخر بوقف التعويم المدار وخفض قيمة الجنيه بنسبة 14%، إذ تحرك سعره أمام الدولار من 15.7 جنيه إلى 18.38 جنيه، لكن وزارة المالية حينذاك اتخذت قراراً بتثبيت سعر الدولار الجمركي عند 16 جنيهاً لاستخلاص رسوم للسلع الأساسية (الإستراتيجية) ومستلزمات الإنتاج، على أن يتعامل المستوردون بسعر الدولار المحدد في البنك بالنسبة لباقي السلع المستوردة. في محاولة للحد من التضخم والحفاظ على استقرار الأسواق.

وفي مطلع آيار/مايو، رفعت المالية سعر الدولار الجمركي إلى 17 جنيهاً، واليوم رفعت سعره مجدداً ليكون مساوياً سعر الدولار المتداول في البنوك المصرية.

أثر الزيادة على الأسعار

يوضح الخبير الاقتصادي مدحت نافع، مستشار وزير التموين والتجارة الداخلية، أن الأثر المباشر لرفع سعر الدولار الجمركي يتمثل في ارتفاع أسعار جميع السلع المستوردة، ما يعني مزيداً من الضغوط التضخمية على هذه السلع، وعلى السلع التي يمكن أن تكون بديلة لها في السوق لاعتبارات المنافسة والمزاحمة، مشيراً إلى أن نسب ارتفاع الأسعار تتوقف على مرونة الطلب على السلع ومدى إمكانية توفير بديل محلي: "سعر الدولار الجمركي ارتفع بنسبة 10% في القرار الأخير، لكن هل سيكون ارتفاع الأسعار بنفس النسبة، فهذا يتوقف على حجم الطلب".

الخبير الاقتصاي رشاد عبده: رفع سعر الدولار الجمركي في هذه الفترة قرار غير صائب وغير سياسي، ويعبر عن غياب التنسيق بين أجهزة الدولة، ويزيد من المعاناة التي يلاقيها المواطن

بموجب القرار، يُلغى السعر التفضيلي المنخفض نسبياً للدولار الجمركي الذي كان يسري على مواد وسلع ضرورية لا غنى عنها، على رأسها منتجات غذائية رئيسية، والأدوية المستوردة والمواد الفعالة والخامات التي تدخل في عملية تصنيع الأدوية محلياً.

وسجل معدل التضخم في مصر نسبة 14.9% أواخر نيسان/ أبريل الماضي، في أحدث بيان للبنك المركزي المصري، وهو معدل يرتفع عن مستهدفات الحكومة التي كانت تراوح بين 7 و9% فقط في نهاية الربع الرابع (الشهور الثلاثة الأخيرة) من عام 2022.

وبيّن نافع لرصيف22 أن القرار رفع سعر الدولار الجمركي، وإن لم يكن مناسباً للمواطنين في الفترة الراهنة، فهو يعني أن هناك ضغوطاً كبيرة على توفير الدولار بالنسبة للحكومة، وضغوط أخرى على الاحتياطي النقدي الأجنبي، موضحاً أن الفرق بين سعر الدولار الجمركي وسعر الدولار في السوق، عبارة عن دعم تقدمه الحكومة على السلع المستوردة الأساسية.

خبير اقتصادي: القرار يؤشر إلى ارتفاع الضغط على ما بحوزة الدولة من عملات أجنبية، وتراجع الدخل الدولاري، بشكل يدفعها للتخلي عن دعم السلع الأساسية مع ما يحمله هذا من تبعات سياسية واجتماعية

وتابع: "يبدو أن هذا الدعم تسبب في مزيد من الضغوط على الاحتياطي الدولاري، مما دفع الحكومة ممثلة في وزارة المالية لاتخاذ قرارها السريع برفعه، خاصة بعد إزالة القيود على الاستيراد وفق توجيهات رئاسة الجمهورية الأخيرة".

ووفقاً لبيانات البنك المركزي المصري، ارتفع الاحتياطي النقدي الأجنبي بقيمة 41 مليون دولار في نهاية أبريل/ نيسان الماضي مقارنة بمارس/ آذار، إذ بلغ الاحتياطي النقدي في أبريل 37.123 مليار دولار، مقابل 37.082 مليار دولار في مارس.

وجاء هذا الارتفاع المحدود، بعد تراجع كبير شهده الاحتياطي النقدي الأجنبي في مارس/ آذار بنحو 3.9 مليار دولار، للمرة الأولى في 22 شهراً، وذلك بعد استخدام جزء منه لتغطية احتياجات السوق من النقد الأجنبي وتغطية تخارج استثمارات الأجانب والمحافظ الدولية، وأيضاً لضمان استيراد سلع إستراتيجية، وسداد الالتزامات الدولية الخاصة بالمديونية الخارجية للدولة، وذلك عقب الحرب الروسية الأوكرانية التي تركت مصر في مواجهة مع فاتورة كبيرة لاستيراد السلع الأساسية.

وكشفت بيانات رسمية حديثة عن البنك المركزي المصري ارتفاع صافي الدين الخارجي لمصر بقيمة 8.1 مليار دولار خلال الربع الأخير من العام 2021. وأوضحت البيانات أن إجمالي الدين الخارجي لمصر ارتفع إلى 145.5 مليار دولار في نهاية ديسمبر/ كانون الأول 2021 – أي نحو أربعة أضعاف الاحتياطي النقدي الأجنبي- من مستوى 137.4 مليار دولار في نهاية سبتمبر/ أيلول الماضي، بنسبة زيادة بلغت نحو 5.8%.

وفي 1 مايو/ أيار الماضي، وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي باستثناء مستلزمات الإنتاج والمواد الخام من الإجراءات التي تم تطبيقها مؤخراً على عملية الاستيراد، وذلك بالعودة إلى النظام القديم من خلال مستندات التحصيل، كما وجه بتشكيل مجموعة عمل برئاسة رئيس مجلس الوزراء، وعضوية كل من محافظ البنك المركزي ووزير المالية ووزيرة التجارة والصناعة وجهات الاختصاص الأخرى للمتابعة الدورية والتقييم المنتظم لمنظومة إجراءات الاستيراد ومدى تلبيتها لاحتياجات عملية الإنتاج.

ارتفاعات في قيمة الاستيراد

وخلال المؤتمر الصحافي العالمي لإعلان رؤية الدولة المصرية للتعامل مع الأزمة الاقتصادية، الذي عقد في 15 مايو/ أيار، قال رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي إن تكلفة استيراد 10 ملايين طن من القمح تحتاجها مصر، ارتفعت من 2.7 إلى 4.4 مليارات دولار، جراء الحرب الروسية الأوكرانية. وأشار إلى أن سعر طن القمح في مايو/أيار 2021 كان يسجل 271 دولاراً، أما حالياً فيسجل نحو 435 دولاراً.

وتعتبر مصر من أكبر الدول المستوردة للقمح على مستوى العالم، وهي تعتمد عليه لتوفير رغيف الخبز المدعم لنحو 72 مليوناً من مواطنيها، وكانت تعتمد على روسيا وأوكرانيا في توفير نحو 80% من وارداتها من القمح، وتركتها الحرب في مواجهة مع الارتفاع الكبير في الأسعار نتيجة قلة المعروض على مستوى العالم.

وكشفت وثائق حديثة للبنك الدولي أن هناك مخاطبة حكومية مصرية للبنك من أجل الحصول على تمويل قدره 500 مليون دولار أمريكي لتمويل مشروع دعم الأمن الغذائي والقدرة على الصمود في حالات الطوارئ. ووفقاً لهذه الوثائق يتمثل الهدف الإنمائي للمشروع في ضمان الإمداد القصير الأجل بالقمح، من أجل استمرار وصول الخبز وعدم انقطاعه عن الأسر الفقيرة، وتعزيز صمود مصر في مواجهة الأزمات الغذائية.

ووفق تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، في ديسمبر/ كانون الأول 2021، ارتفعت واردات مصر من الأدوية والمحضرات الصيدلية إلى حدود 2.3 مليار دولار خلال الثمانية أشهر الأولى من عام 2021، مقابل 1.9 مليار دولار خلال الأشهر المماثلة من العام السابق عليه، بزيادة قيمتها 416.9 مليون دولار.

قرار غير سياسي

في سياق متصل، قال الخبير الاقتصادي ورئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية رشاد عبده إن رفع سعر الدولار الجمركي في هذه الفترة قرار غير صائب وغير سياسي، ويعبر عن غياب التنسيق بين أجهزة الدولة، ويزيد من المعاناة التي يلاقيها المواطن.

 ويذكر أن قرار زيادة سعر الدولار الجمركي صدر بالتزامن مع تصريحات حكومية تبشر بزيادات جديدة في أسعار استخدام الكهرباء ومياه الشرب، تطبق بدءاً من يوليو/ تموز المقبل.

وأكد عبده لرصيف22 أن وصول سعر الدولار الجمركي لـ18.64 جنيه يعني إلغاء "الآلية" التي استخدمتها الدولة لدعم المنتجات المستوردة خاصة الحيوية منها، لأنها باتت تساوي سعر الدولار في السوق، مشيراً إلى أن مكاسب الدولة لن تكون كبيرة من هذا الإجراء: "أنت لو رفعت ثمن علبة السجائر 10 قروش هيجيلك دخل أكبر من كدا بكتير، على الأقل الأثر هيكون على المدخنين فقط أو حتى يدفعهم لترك التدخين، لكن مع رفع سعر الدولار الجمركي، التاجر هيحمل كل الزيادات على المواطن البسيط، العالم كله بيتكلم على جودة الحياة وإحنا بنصعبها على الناس".

تعاني مصر من خلل مزمن في السياسات الضريبية، فاقمته الحكومات المتعاقبة، إذ يتحمل الأقل دخلاً القدر الاكبر من تمويل خزانة الدولة ضريبياً، من خلال خصم الضريبة من المنبع (من الراتب) إلى جانب الضرائب والرسوم الباهظة التي تصل 45.5% على السلع والخدمات

وتابع أن الدولة يمكنها إدرار الدخل من فئات أخرى غير المواطن البسيط، كأن تبحث وراء الذين يديرون أعمالاً تجني الملايين من دون دفع ضرائب مناسبة: "زي مدرسي الدروس الخصوصية والمحامين اللي أتعابهم مليون جنيه في القضية والفنانين ولاعبي الكرة".

وتعاني مصر من خلل ضريبي لم تسع الحكومات المتعاقبة إلى تصحيحه إذ يتحمل متواضعو الدخل الجانب الأكبر من دفع الضرائب عبر خصمها من المنبع (من المرتبات) إلى جانب الضرائب المحملة على الرسوم والخدمات والتي تصل إلى 45.5% في بعض الحالات، مثل خدمات الاتصالات.

ويلفت الخبير الاقتصادي عبده إلى أن هذا القرار يعبر عن غياب التنسيق بين أجهزة الدولة، فكيف رفع البنك المركزي المصري سعر الفائدة بنسبة 1% في آذار/ مارس الماضي، و2% أخرى في أيار/مايو، لسحب السيولة من السوق وتخفيف الطلب على المنتجات وتحجيم التضخم، ثم تتخذ وزارة المالية قراراً من شأنه رفع التضخم: "ازاي فيه جهاز بيعمل سياسات علشان يقلل التضخم، وجهاز تاني بيرفع التضخم؟ في النهاية الجهازين في كيان واحد كبير اسمه مصر، الحكومة دورها تخفف الأعباء عن المواطن مش تزودها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard