الهجرة لا تقيهم المصائب والنقابة غائبة… الإتجار بممرضات لبنان وممرضيه في بلجيكا

الثلاثاء 31 مايو 202206:50 م

كأن الشقاء صفة تلاصق اللبناني، ليس فقط إن حُكم عليه بالبقاء في لبنان في ظل الأزمات المتلاحقة التي يمرّ بها، وذلك بعد تعذّر إصدار جوازات السفر من قبل المديرية العامة للأمن العام، بل ترافقه في كل أصقاع الأرض. حتى من استطاع الهروب بجسده مؤخراً، لم ينجُ من ظروف العمل القاسية والويلات النفسية، ولم ينجُ من أن يكون ضحيةً لجهة مستغلة، ومجحفة تنتهك حقوقه وتتحكم بحياته.

شهد القطاع الصحي في لبنان خلال السنوات الثلاث الأخيرة، أكبر موجة هجرة بين غيره من القطاعات، وبالأرقام فإن ثلث ممرضي لبنان هاجروا بحسب منظمة الصحة العالمية، و2،500 طبيب من أصل 15،000، تركوا البلد وفقاً لنقيب الأطباء أشرف أبو شرف، حتى عام 2021.

هذه الأرقام الضخمة من هجرة العاملين في القطاع الصحي، كانت بسبب الأوضاع المزرية التي عايشوها في السنوات الأخيرة، من انقطاع الكهرباء إلى نقص الأدوية والغلاء. وبالنسبة إلى الممرضات والممرضين، فكان الحل الأمثل بالنسبة لهم هو الرحيل بعقود عمل "مغرية" في الخارج، ليساندوا أهاليهم ربما من منفاهم، بدل البقاء في لبنان بالأجور السابقة نفسها، أو بارتفاع بسيط فيها لا يتماشى مع الضغط الجسدي والنفسي الذي يتحملونه ولا مع متطلبات المعيشة اليومية.

شهد القطاع الصحي في لبنان خلال السنوات الثلاث الأخيرة، أكبر موجة هجرة بين غيره من القطاعات، وبالأرقام فإن ثلث ممرضي لبنان هاجروا بحسب منظمة الصحة العالمية

لكن السؤال اليوم: هل وجد هؤلاء الممرضون والممرضات الاستقرار الذي رحلوا لأجله؟ هل نالوا أقل الحقوق الإنسانية التي يستحقها كل فرد في أي مكان في العالم؟

في فضيحة تُعدّ انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان والممرضين، كشف عنها راديو وتلفزيون بلجيكا الناطق بالفرنسية )آر تي بي أف)، من خلال تحقيق استقصائي عمل عليه فريق الراديو لمدة أربعة أشهر، يتبين بسهولة أن الإجابة هي لا، لم يهنأ 200 ممرض وممرضة لبنانيين بعد هجرتهم إلى بلجيكا طمعاً بالعيش والعمل الكريمين، ومحاولة بناء مسيرة مهنية واستقرار مادي-اجتماعي بعد الدمار في وطنهم.

فرنسا وبلجيكا وغيرهما من الدول الأوروبية، كانت الأكثر استفادةً من الكوادر الطبية والتمريضية التي غادرت لبنان وفق مبدأ "أزمات قوم عند قوم فوائد"، خاصةً أن أكثر من 13% من العاملين في المستشفيات البلجيكية هم من الأجانب بعد جائحة كورونا وتبعاتها، مئتان من هؤلاء اليوم لبنانيون، "جنّدتهم المستشفيات البلجيكية عبر بعض الوكالات المشكوك في ممارساتها"، بحسب تعبير راديو بلجيكا.

أبرز هذه الوكالات كانت INN: International Nursing Network، التي أوصلت مئتَي ممرض وممرضة من لبنان إلى المستشفيات الحكومية والخاصة في بلجيكا، على أن يدفع كل مستشفى للوكالة مبلغاً قدره عشرة آلاف يورو عن كل موظف مستقدَم (لتغطية تكاليف الإجراءات ومعادلة الشهادات).

الجانب المظلم من عمل الوكالة كُشف على لسان ممرضة لبنانية تحدثت إلى راديو وتلفزيون بلجيكا باسم مستعار، إذ ذكرت أن مدير شبكة التمريض الدولية طلب منها مبلغ 2،500 يورو لمعادلة شهادة الديبلوم، بينما في الواقع تكلّف العملية أكثر من 200 يورو.

أوليفيا، الممرضة (اسم المستعار)، وصفته بالمخادع والمافيا بعد أن طلب منها رهن 5،000 دولار، ليعادل لها الشهادة ويجد لها عملاً في إحدى مستشفيات بلجيكا، ولم يتوقف الأمر هنا، بل الفضيحة الكبرى كانت بالشروط التي تضعها الوكالة على الممرضين الذين يبحثون عن فرص عمل في مستشفيات بلجيكا.

لا يمكن للنساء الحمل خلال سنتين. شروط مخزية وغير قانونية. زميلتي أخبرتني يوماً بأنها أُجبرت على الإجهاض خوفاً من أن يعيدها مدير الوكالة إلى لبنان، ويلزمها بدفع غرامة مالية

"لا يمكن للنساء الحمل خلال سنتين. شروط مخزية وغير قانونية. زميلتي أخبرتني يوماً بأنها أُجبرت على الإجهاض خوفاً من أن يعيدها مدير الوكالة إلى لبنان، ويلزمها بدفع غرامة مالية"، يقول حبيب (اسم مستعار لممرض)، في حديثه إلى الراديو البلجيكي واصفاً القضية بـ"الاستعباد الحديث وتجارة الأثواب البيضاء" (إتجار بالممرضين والممرضات).

من جهته، مدير الشبكة الدولية للتمريض طوني ديب، دافع عن الشروط التي يفرضها بحجة الحفاظ على عمله، ويقول: "في حال حملت المرأة، لا يمكنها العمل لسنة، وبذلك تتقاضى راتباً مقابل لا شيء"، مؤكداً أن البنود تخدم المستشفيات البلجيكية التي يهمها ألا يرحل الممرض قبل سنتين من الخدمة، إلا أن بعض هذه المستشفيات، وبعد نشر التحقيق، أعلنت عن وقف تعاملها مع هذه الشبكة، بسبب الظروف المجحفة التي كانت تفرضها.

في هذا السياق، يقول المحامي محمد صبلوح، مدير مركز سيدار للدراسات القانونية وحقوق الإنسان، لرصيف22، إن الواقعة ترقى إلى الإتجار بالبشر، على غرار ما حصل مع شهداء مركب الموت في طرابلس: "هناك استغلال لحاجة هؤلاء الممرضين في ظل الوضع الاقتصادي الصعب في لبنان، من أجل تحصيل أرباح مالية طائلة من خلالهم بشروط تعجيزية وتحكّم بحياتهم الخاصة".

القضاء اللبناني المسؤول عن مواطنيه، يمكنه التحرّك في هذه القضية، وكذلك القضاء البليجيكي، كونهم يعيشون ويعملون على الأراضي البلجيكية

ويضيف: "القضية بالمجمل تُعدّ إتجاراً بالبشر، أما الجريمة الثانية الواقعة على عاتق ديب فهي حياة الجنين الذي اضطرت والدته إلى اجهاضه وتجربتها الأليمة كاملةً"، منبّهاً إلى أنه قد يحاكَم أيضاً بتهمة الاحتيال في تفاصيل تعديل الشهادات والأموال التي جناها.

القضاء اللبناني المسؤول عن مواطنيه، يمكنه التحرّك في هذه القضية، وكذلك القضاء البليجيكي، كونهم يعيشون ويعملون على الأراضي البلجيكية وفق ما يقول صبلوح، إلا أن أول المتحرّكين يجب أن تكون نقابة الممرضين في لبنان، والرجوع إلى قوانين النقابة لملاحظة كمّ الانتهاكات الحاصلة في هذه الحالة.

رصيف22، حاول التواصل مع نقابة الممرضين للوقوف على رأيها وخطواتها التالية بعد كشف المعاناة التي يعيشها ممرضو لبنان وممرضاته المهجّرين/ ات منه، إلا أن التجاوب كان شبه معدوم في اليوم الأول لنشر التحقيق، أي الإثنين 30 أيار/ مايو 2022، إذ كانت النقيبة ريما ساسين قازان، منشغلةً وطلبت إرسال بريد إلكتروني فيه الأسئلة لترد عليه في اليوم التالي، لكن رد النقابة لم يأتِ.

نقابة الممرضين هي المسؤول الأول اليوم عن تحريك قضية الممرضين والممرضات في الاغتراب، لا سيما في بلجيكا، بدءاً من الوقوف على أوضاعهم المعيشية ومحاولة استرجاع حقوقهم بالطرق القانونية وبين القضاءين اللبناني والبلجيكي، وصولاً إلى إنقاذ ضحايا جدد قد يكونون على قائمة الهجرة، لكن حتى الساعة لا تشي الأمور بتحرك سريع وفعّال. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard