ماذا يحدث في محطة قطار جامعة تل أبيب؟

الأربعاء 1 يونيو 202210:47 ص

معظم الطلاب الجامعيين الذين يسكنون خارج بيوتهم، يعودون إليها عند نهاية الأسبوع، من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، في كل مناطق فلسطين المحتلة. يحين موعد تحميل حقائب السفر يوم الخميس، وتفقّد الهواتف لمعرفة توقيت القطارات التالية والراحلة. مثل الجميع، أحاول الالتحاق بالقطار القادم.

بالرغم من اختلاف قرارات البقاء في السكن الجامعي أو العودة، هناك سؤال مشترك بين هاتين المجموعتين، ألا وهو: "شو مروّح/ ة؟" (أي هل أنت عائد/ ة إلى بلدك؟).

أغادر سكني الطلابي في جامعة تل أبيب-الشيخ مونّس، والسكن الطلابي عبارة عن قرية صغيرة من الطلاب العرب. أخرج أنا وحقائبي لإلقاء التحية على أصدقائي ومعارفي الذين يمرون أمامي حين مغادرتي في اتجاه محطة القطار. هناك نوعان من الطلاب، ألقي عليهم تحيات يوم الخميس؛ التحية الأولى هي للطلاب غير العائدين إلى بيوتهم، أما التحية الثانية فهي للطلاب الذين يحملون حقائبهم أيضاً للعودة إلى ديار أهلهم أو غيرهم. بالرغم من اختلاف قرارات البقاء في السكن الجامعي أو العودة، هناك سؤال مشترك بين هاتين المجموعتين، ألا وهو: "شو مروّح/ ة؟" (أي هل أنت عائد/ ة إلى بلدك؟)، فتكون الإجابة بنعم أو بلا، والبقية للتحية.

أبدأ المشي في اتجاه محطة القطار، وفيها، يعيش الوجه الآخر لهذا العالم، إذ إن نهاية الأسبوع والعودة إلى البيت، ليست مخصصةً فقط للطلبة الجامعيين العرب، بل أيضاً لفئة أخرى، من الفئة العمرية نفسها، ألا وهي: الجنود الإسرائيليون. ومحطة القطار، ما هي إلا التقاء بالوجه المزعج لهذا العالم.

أحمل حقائبي وأمشي، وقبالتي جندي يحمل حقائبه، وبندقيته، ويمشي. نمشي ونمشي حتى نصل إلى المحطة معاً، ولكن كلاً إلى مقصده، لا يوجد تشابه هنا سوى جيلنا والطريق التي نسلكها للوصول إلى المحطة. يقف حارس أمن محطة القطار الذي وظيفته تفتيش الجميع، لكن هذا لا يحدث على أرض الواقع في فلسطين المحتلة.

يدخل الجندي مع سلاحه بلا أي تفتيش، ومن دون عرض أي هوية أو اسم. في فلسطين المحتلة، يكفي أن تكون مرتدياً الزي العسكري لأتنحى أنا وغيري جانباً، للتفتيش. هذا هو واقع الطالب/ ة الفلسطيني/ ة، وواقع كل الشعب الفلسطيني في كل مكان، سواء على الحواجز العسكرية وغيرها.

يدخل الجندي مع سلاحه بلا أي تفتيش، ومن دون عرض أي هوية أو اسم. في فلسطين المحتلة، يكفي أن تكون مرتدياً الزي العسكري لأتنحى أنا وغيري جانباً، للتفتيش. هذا هو واقع الطالب/ ة الفلسطيني/ ة، وواقع كل الشعب الفلسطيني في كل مكان، سواء على الحواجز العسكرية وغيرها

قد يكون من الساذج أن أقارن واقع الطالب الذي يدرس في جامعة تل أبيب مع الفلسطيني الذي يمر يومياً على الحواجز العسكرية، لكن هذا بالضبط ما يريده الاحتلال من خلال تجميل صورته في الداخل الفلسطيني المحتل. إنه يريد منا أن نشعر بأننا، نحن الفلسطينيين/ ات في الداخل، أفضل من غيرنا لأننا في نقطة التفتيش هذه، وليس في غيرها. يريدنا أن نشعر بأننا أفضل لأننا نعيش في بقعة جغرافية مختلفة عن أبناء شعبنا وبناته المتواجدين/ ات في الشتات، ووراء جدار الفصل العنصري. يريد الاحتلال أن يفرّقنا بالحواجز والهويات والأسماء، لكن الشكر يعود فقط للشعب الفلسطيني من كل مكان على رفضه هذه التسميات بأشكالها كلها.

إن نهاية الأسبوع والعودة إلى البيت، ليست مخصصةً فقط للطلبة الجامعيين العرب، بل أيضاً لفئة أخرى، من الفئة العمرية نفسها، ألا وهي: الجنود الإسرائيليون.

لا يهم إن دخلتُ أنا أو الجندي أولاً إلى المحطة، ففي كل الأحوال سوف يسبقني هو. حين يعبر باب المحطة بدوره، بلا أي تفتيش، يأتي دوري أنا وحقائبي وبطاقة هويتي. يطلب الحارس مني إخراجها، ويلقي نظرةً عليها ثم ينظر إليّ، ويسألني بالعبرية: "إلى أي محطة أنتِ ذاهبة؟"، فأجيبه، ثم ينظر إلي، ليعيد تكرار سؤال لا يختلف كثيراً عن محتوى السؤال الأول وهدفه، ويقول: "هل معكِ أدوات حادة أو أي غرض لحماية النفس؟ عادةً أهزّ رأسي يساراً ويميناً كإجابة بـ"لا"، إذ إن نطق كلمة "لا" بصوتٍ، يجعل الأمر حقيقياً أكثر، لذلك أكتفي بهز رأسي دليلاً على النفي.

أدخل إلى المحطة لأنتظر قطاري. يجلس الجندي على المقعد. كان من الممكن أن أسبقه أنا وأجلس، لولا تأخيري بالأسئلة التي تُفرض عليّ، لا عليه. أختار في النهاية الوقوف وانتظار مجيء القطار. وفي كل لحظات الانتظار والوقوف تدور كل التساؤلات الساخرة والجدية في ذهني. أقف وأفكر في أي عالم موازٍ نعيش؟ وكم يختلف واقعي عن كل ما يحدث هنا؟ أي عالم مضحك هذا؟ أي عالم هذا الذي فيه شاب، يبدو أصغر مني سناً، يحمل سلاحاً ويبعد عني بضعة أمتار؟ أهو أمر طبيعي؟ هل لي أن أخشى من لحظة خوف قد تعتري هذا الجندي عند ملاحظة ملامحي السمراء العربية ويقرر استعمال سلاحه بذريعة ما؟ أم عليّ إقناع نفسي باستمرار بأن ما يحدث في هذه البقعة من الأرض طبيعي، وعليّ أن أطبّع مع الأزمة من دون الخوض في نقاشات وحوارات بائسة، على الرغم من أن طرفي الحديث هما أنا؟

لا إجابة عندي. أراني من جديد أقلّب شريط أفكاري. أفكر في عائلتي الآن وفي العودة إلى قريتي، وفي هذا الحبّ المستحق في هذه اللحظات الضبابية الثقيلة التي تحدث كل نهاية أسبوع.

أي عالم هذا الذي فيه شاب، يبدو أصغر مني سناً، يحمل سلاحاً ويبعد عني بضعة أمتار؟ أهو أمر طبيعي؟ هل لي أن أخشى من لحظة خوف قد تعتري هذا الجندي عند ملاحظة ملامحي السمراء العربية ويقرر استعمال سلاحه بذريعة ما؟ 

أصعد إلى عربة القطار، ليس هناك جندي واحد أو اثنان أو ثلاثة فقط، بل هم في كلّ مكان. وماذا يوجد هنا أيضاً عزيزي القارئ؟ الكثير من الأسلحة. أسلحة بعدد الجنود الذين يستقلون هذه العربة ذاتها.

شريط من الثواني المعدودة، ومن الخوف ودقات القلب السريعة والتراوما وأحداث أيار/ مايو، وهبة الكرامة... تعود كلها وكأنها تطلق الزناد عليّ بأسلحتهم.

أنا على وشك الوصول الآن. أنا في انتظار أحد أفراد عائلتي ليقلّني من هنا، ليقلّني إلى مساحة آمنة في بيتي وقريتي وبين أهلي. أقف تجهيزاً للنزول، ويقف بجانبي الجنود لننزل معاً إلى المحطة المطلوبة. أنا وحقائبي، وهم وأسلحتهم.

أرى أمي تنتظرني خارج المحطة، أقترب منها وأحضنها، وأسلّم عليها ونتبادل السؤال عن الأحوال، ثم نركب السيارة وتسألني عن يومي، فأنظر إليها بحُب واشتياق وأقول لها إنه كان جيداً. لكنها لم تعرف أبداً أني نظرت إليها بحُب واشتياق، ولا أن يومي لم يكن جيداً.

لكن اللوم ليس عليّ، ولا على أمي في ما يتعلق باضطراب الهويّة التعبيرية وانتقاء الكلمات، بل على حياةٍ في ظل احتلال سالب لحق التعبير والوجود والعاطفة، حتى بين أقرب الناس.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard