"تقضي حاجتك للجنس في مدينة لا يعرفك فيها أحد"... مقدسيّون في بيوت دعارة تل أبيب

الثلاثاء 19 يناير 202112:02 م

ينظر المجتمع الفلسطيني في مدينة القدس المحتلة، كغيره من المجتمعات الشرقية المحافظة، إلى الجنس على أنه "البعبع المُخيف"، الأمر الذي خلق حالة ثقافية وسيكولوجية واجتماعية شبيهة بالكثير من المجتمعات المماثلة. لكن وجود محاكاة، داخل "إسرائيل"، للمجتمعات الغربية، أتاح للشباب المقدسي اللجوء إلى الدعارة كنوع من رد الفعل لحالة الحاجة الجنسية التي يعيشونها.

كثيرة هي الاختيارات المتاحة لممارسة الدعارة في "إسرائيل". لكن مدينة تل أبيب، التي يتغنى بها الإسرائيليون كونها "المدينة التي لا تنام" وعاصمة الاقتصاد وملاذ المستثمرين، هي الوجهة الأسهل للشاب المقدسي حين يبحث عن الجنس. وقد لا تخلو، حسب تعبيرهم، من أشكال العنصريّة حتّى في أماكن كهذه. تل أبيب بعالمها السفلي المليء ببيوت الدعارة بكافة أشكالها، التي تجذب الزبائن والسياح، يفضلها الشاب المقدسي الباحث عن الجنس لأنها لا تبعد عنه سوى 60 كيلومتراً شمالاً من مدينة القدس، ففي أقل من 40 دقيقة ستكون في قلب عاصمة الدعارة الإسرائيلية؛ تل أبيب.

تختلف الدوافع والعنوان واحد

يقول الشاب المقدسي فادي (37 عاماً، اسم مستعار) لرصيف22، متحدثاً عن سبب لجوئه لبيوت الدعارة: "عندما بلغت سنّ الأربع عشرة من عمري، وجدت أنه من الصعب تفريغ طاقتي الجنسية. لم يكن هناك إمكانية لإنشاء علاقات مع الجنس الآخر أو مشاهدة أفلام إباحية. فشعرت أنّ هذا هو منفسي الوحيد. في البداية كانت المسألة عبارة عن فضول، لكنه تحول إلى عادة".

ويضيف: "هناك شارع وسط مدينة تل أبيب معروف باسم "همسجير"، كان مليئاً ببيوت الدعارة، دون رقيب أو حسيب، لكن عدداً كبيراً منها أُغلق بسبب الأوضاع السياسية حينذاك. بدأت بارتياد بيوت الدعارة خلال الفترة التي سبقت انطلاق الانتفاضة الثانية في عام 2000، وهي الفترة الذهبية لهذه البيوت. لكن بعد انطلاقها، اضطرت الكثير من بيوت الدعارة لإغلاق أبوابها لأنّ غالبية زبائنها أصبحت من الفلسطينيين".

يحمّل فادي مسؤولية الإهمال، في مسألة دخول قاصرين لبيوت الدعارة، لأصحابها الذين لا يعيرون أي اهتمام لمسألة السن القانوني. بالإضافة لسلطات الاحتلال الإسرائيلي التي لا تشدد على مثل هذه القضايا، مما يُسهل وصول قاصرين إلى مثل هذه الأماكن. مشيراً إلى كون العاملات في الدعارة، هنّ أيضاً، فتيات تحت السنّ القانونيّ يمتهنّ العمل عملاً أساساً في حياتهنّ، وإلى أنّ معظمهنّ من منطقتي روسيا وأوكرانيا. "كنت أذهب إلى بيوت الدعارة في مدينة تل أبيب حين لم يكن عمري تجاوز 14 عاماً. لم يكن هناك من يسألني ليتأكد فيما إذا كنت فوق السنّ القانوني أم لا"، يقول فادي.

"بدأت بارتياد بيوت الدعارة خلال الفترة التي سبقت انطلاق الانتفاضة الثانية في عام 2000، وهي الفترة الذهبية لها. لكن بعد انطلاقها، اضطرت الكثير من بيوت الدعارة لإغلاق أبوابها لأنّ غالبية زبائنها أصبحت من الفلسطينيين"

أمّا نضال (اسم مستعار، 33 عاماً)، فمتزوج، لكنه لا يستطيع الإقلاع عن عادة الذهاب إلى بيوت الدعارة في مدينة تل أبيب نهاية كل أسبوع. يقول لرصيف22: "ظننت أن الزواج سيضع حداً لرحلاتي الأسبوعية لبيوت الدعارة التي أرتادها منذ أكثر من 13 عاماً، لكني اكتشفت أنّ لا علاقة بين الزواج والعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج".

ويضيف: "الكثير من الشباب المقدسيين يعملون في مدينة تل أبيب ومدن أخرى تزدهر فيها الدعارة مثل مدينة إيلات (جنوبيّ فلسطين المحتلة) خاصة خلال السنوات الأولى من شبابهم وقبل الزواج، وهذا يجعلهم ينتقلون من مجتمع محافظ متدين إلى مجتمع منفتح تتوفر فيه بيوت الدعارة وأشكالها".

ويتابع نضال حديثه: "عندما كنت طفلاً كنت أسمع من أقربائي وجيراني الشبان قصصاً عن ممارستهم للجنس في تل أبيب وإيلات، الأمر الذي خلق لدي رغبة كبيرة، ومن ثمّ تحول إلى هدف وممارسة لم أستطع التخلص منها حتى اليوم".

عنصرية في نوادي التعري أيضاً

يحدّثنا أبراهيم (اسم مستعار) عن أشكال جديدة من الدعارة ظهرت خلال السنوات الأخيرة في "إسرائيل" أبرزها نوادي التعرّي، فيقول: "نسبة كبيرة من رواد هذه النوادي هم من العرب، يدفعون مبالغ طائلة مقابل الجنس تحت غطاء تمضية أوقات في نواد ليلية. الخدمة في هذه النوادي تكون بتقديم راقصة التعري لرقصة في حُضن الزبون لقرابة 5-10 دقائق، مقابل مبلغ 25 شيقلاً (7.7 دولار). وعلى مدى ساعتين أو ثلاث ساعات يقضيها الزبون في النادي، فإنه قد يصرف قرابة 600 أو 700 شيقل (قرابة 216 دولاراً) خلال ليلة واحدة. وهو مبلغ ليس بسيطاً لشخص راتبه الشهري لا يتجاوز 6 آلاف شيقل (1857 دولاراً).

ويضيف إبراهيم: "إنّ معظم الفتيات لا يتعاملن بلطف مع الزبائن، وخاصة العرب منهم. تشعر أنهن يردن فقط استغلال الشخص مادياً".

تعتمد معظم نوادي التعري في تل أبيب بشكل كبير على زبائنها الفلسطينيين في دخلها، بحسب ما يقوله الشاب العشريني حمزة (اسم مستعار). إلّا أنّ بعض هذه النوادي، كما يقول، يُميز بين الفلسطيني وغيره. "هناك ناديان؛ أحدهما أغلق أبوابه قبل عدة شهور، لا يُدخلون فيه الزبائن عندما يعرفون أنهم عرب. في إحدى المرّات ذهبنا أنا وصديقي إلى نادي تعري، فادّعى الحراس أنّ لا مكان لنا في الداخل بسبب الازدحام، لكنه في نفس الوقت أدخل شابين إسرائيليين لم يحجزا في المكان مسبقاً"، يقول حمزة، الذي يعتقد أنّ بعض هذه النوادي مخصصة للعرب والمهاجرين، وأخرى مخصصة للإسرائيليين.

كما يتعامل حراس الأمن في هذه النوادي مع الزبائن العرب بعنف في العديد من الحالات، حسب تعبيره. "في إحدى المرّات حصل عراك داخل أحد نوادي التعري بين شاب فلسطيني وآخر إسرائيلي، حينها هاجم عناصر الأمر الشاب الفلسطيني دون أن يسألوا عن المشكلة أو سببها. واعتدوا عليه بالضرب المبرح وأجهزة الصعق الكهربائي"، يقول حمزة.

"أحد أهم أسباب لجوء الشباب في المجتمع العربي إلى الدعارة؛ هو التربية الجنسية الخاطئة، والطريقة غير السليمة في توصيل المعلومات فيما يتعلق بمسألة الجنس"

دعارة تحت قناع "التدليك"

لجأت المافيا الروسية التي تسيطر على عالم الدعارة السفلي في إسرائيل بعامة، وتل أبيب بخاصة، بحسب موقع "Israel Defense" التابع للجيش الإسرائيلي، إلى شكل آخر من أشكال الدعارة المقنعة، لتضفي شرعية قانونية لعملها، وهو "التدليك" أو "المَساج"، الذي يكون مرخصاً  كمركز استرخاء، لكنه في الحقيقة نوع آخر من أنواع الدعارة.

يحدّثنا مالك (اسم مستعار) أنه ذهب مرة واحدة إلى مكان مختص بالتدليك الجنسي في مدينة "ريشون لتسيون" قرب تل أبيب، لكنه وصف التجربة بأنها "غير لطيفة". فيقول لرصيف22: "يتعاملون هناك بطريقة غير إنسانية، يرونك مجرد دافع للمال لا غير. قد يكون منفساً مؤقتاً للحاجة الجنسية، لكن شعوراً بالتعامل اللا إنساني راودني بعد ما أنهيت التدليك الجنسي وخرجت من المكان، وأعتقد بأنّ كوني عربياً قد شكّل سبباً وراء ذلك".ويتابع: "شعرت وكأنني خرجت إلى الحرية من مكان مُريب وبارد ولا توجد فيه أية مشاعر أو احترام من قبل العاملين في الاستقبال".

وبالحديث عن المافيا الروسية؛ يشير تقرير نشرته إذاعة "مونتي كارلو" في تموز من عام 2020، نقلاً عن الجمعيات المعنية بالدراسات الاجتماعية في إسرائيل، إلى أنّ هناك 350 بيت دعارة في تل أبيب تسيطر المافيا الروسية على غالبيتها، كما يعمل فيها أكثر من 20 ألف رجل وامرأة.

التربية الجنسيّة هي المدماك الأساس

وعن أسباب لجوء الشباب المقدسي إلى الدعارة، تقول الأخصائية النفسية المجتمعية الفلسطينية جُمان مزاوي لرصيف22: "هناك عدة محاور يجب التطرق إليها عند الحديث في العلاقة بين المجتمع العربي والدعارة. ولعلّ أحد أهم أسباب لجوء الشباب في المجتمع العربي إلى الدعارة؛ هو التربية الجنسية الخاطئة، والطريقة غير السليمة في توصيل المعلومات فيما يتعلق بمسألة الجنس، وشح هذه المعلومات سواء عن طريق الأهل، بشكل أساس، أم المدارس أم المجتمع بشكل عام. حيث يتم الحديث عنها بكثير من التستر والخوف باعتبارها عيبًا".

بدورها، تقول صفاء طمّيش، مديرة منتدى الجنسانية في فلسطين، في بحث أعدته بعنوان "المعتقدات والسلوكيات الجنسية في المجتمع الفلسطيني"، إنّ الدراسات العلمية المتعلقة بالتربية الجنسية، تشير إلى أنّ الأطفال الذين تلقوا تربية جنسية سليمة خلال الأعوام الأولى من عمرهم، استطاعوا أنّ يحافظوا على أنفسهم من علاقات جنسية غير آمنة وسلوكيات غير صحية في إطار ممارسة الجنس. وتؤكد طمّيش أنّ تطبيق ذلك في مجتمعنا الفلسطيني سيعمل على إحداث تغييراً  ملحوظاً في نظرتنا للجنس، فتقول: "إنّ موضوع التربية الجنسية يجب أنّ يكون جزءاً  من المنهاج التعليمي، مؤكدة على ضرورة إشراك الأهل في عملية التثقيف الجنسي، وتضييق الفجوة بين ما يعرفه الأهل فعلياً وبين ما سيعرفه الأولاد وبين ما يريد الأهل فعلياً  أن يعرف أولادهم حول حياتهم وممارساتهم الجنسية".

تتحدّث مزّاوي عن جانب مضيء في ظلّ تطور العلاقات بين الجنسين في مجتمعاتنا العربية، إثر زيادة الوعي لدى المدارس والعائلات خاصة فيما يتعلق بالتمييز على أساس الجنس والزواج المبكر والاختلاط واختيار الشريك المناسب للزواج والارتباط. فتقول: "أعتقد أن نسبة لجوء الشباب الفلسطيني إلى الدعارة في مجتمعنا قلّت في أوساط الأجيال الجديدة، في ظلّ النشاط المؤسساتي والتوعوي فيما يخص التربية الجنسية والعلاقة بين الجنسين وتقبل الآخر، وهذه إشارة جيدة للمستقبل، وعلينا الاستناد إليها من أجل تطوير مجتمعاتنا سيكولوجيا وثقافيًا".

"بيوت الدعارة مخبّأة. مدينة لا يعرفك فيها أحد، لن يلحق بك أحد. فتقضي فيه حاجتك من الجنس، ومن ثمّ تعود إلى مجتمعك دون عتاب أو شعور بالذنب"

خروج من العلاقات التي يرخّصها المجتمع

وتعتقد مزّاوي بأنّ الأمر مرتبط أيضاً بحاجة الشخص عند عمر مُعين للاختلاط الاجتماعي، وهذا لا يتطور دائماً بشكل طبيعي وصحي داخل مجتمعنا. فهناك قيود حتى فيما يخص العلاقة بين الأقارب وزملاء الدراسة، الأمر الذي يدفع الشباب إلى البحث وحب الاستطلاع والتعرف إلى الجنس الآخر وإشباع حاجتهم الاجتماعية والعاطفية خارج أطر العلاقات التي يرخّصها المجتمع".

وعن المحافظة المجتمعيّة بشأن التواصل الجسدي الطبيعي كجانب آخر تعتقد أنه يؤثر في توجه شباب عربي نحو الدعارة بكافة أشكالها، تقول: "الملامسات والعناق وغيرها من أشكال التواصل الجسدي الإنساني، قد لا تكون مقبولة في مجتمعاتنا العربية، وهذا له تأثير عكسي وسلبي على الرغبة في استكشاف أشكال التواصل الجسدي، ما يؤدي إلى البحث عنه في سوق الجنس مقابل المال".

وترى مزاوي بأنّ جواز الممارسة الجنسية في إطار الزواج فقط دفعت الشباب للعزوف عن الاختلاط أو الارتباط مع الجنس الآخر داخل المجتمع، لأن ذلك قد يؤدي إلى عراكات ومشاكل عائلية، لكنهم في نفس الوقت يحتاجون لإشباع هذه الغريزة والحاجة الإنسانية في أجسادهم. وتضيف: "لذا يلجأ هؤلاء الشباب إلى تل أبيب على سبيل المثال، إلى ذلك المجتمع الغريب المركّب. بيوت الدعارة مخبّأة. مدينة لا يعرفك فيها أحد، لن يلحق بك أحد. فتقضي فيه حاجتك من الجنس، ومن ثمّ تعود إلى مجتمعك دون عتاب أو شعور بالذنب".

وبحسب مزاوي، فإنّ الغضب والضغط النفسي والحزن خاصة في ظل الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي نعيشها، تعتبر أسباباً أخرى محتملة للجوء الشباب إلى الدعارة، وهذا أمر طبيعي في جميع المجتمعات، وفق تعبيرها. كما تعتقد أنّ الزواج المبكر قد يكون أحد أسباب اللجوء إلى الدعارة، ففي حين يكون الزواج بهدف "ممارسة الجنس" وحسب، قد يشعر الزوج بالملل والحاجة إلى التجديد والتعرف إلى فتيات أُخريات.

يُمكن الاستنتاج بأنّ تجارة الجنس في إسرائيل تعتمد بشكل كبير على الفلسطينيين، وفي مدينة تل أبيب على وجه الخصوص يبدو أنّ الاعتماد قائم، بسبب القرب الجغرافيّ أيضاً، على شباب القدس. لكن كيف لمجتمع يخضع للاحتلال أن يواجه هذه الظاهرة، خاصة عندما يتعلق الموضوع بـ "علاقات جنسية غير آمنة"، أو عندما يمس الأمر بحقوق الأطفال؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard