هل يتقاعد الشاعر؟ نظرة على تجربة عبد الكريم كاصد الشعرية

الثلاثاء 7 يونيو 202202:00 م

لطالما كانت خريطة الشعرية العراقية الحديثة غنية بالتجارب المتنوعة لدرجةٍ تُصبح معها الأصالة امتحاناً صعباً. مئات التجارب خاضت في الشعر اختبارات ومحاولات تجاوز فنية لأجل ان تثبت نفسها، بهذه الطريقة اكتسبت كل تجربة مكانتها التي تستحق، وبعض هذه التجارب نجحت بالصمود أمام دورة الزمن وشدة المنافسة، فبقيت محل بحث واكتشاف دائم. من بين هذه التجارب المشعة هي تجربة الشاعر عبد الكريم كاصد المولود في البصرة عام 1946، يحجز الكاصد زاويته الخاصة على الخريطة مؤثثةً باستثنائيته ليسكنها وحده. تجربته الشعرية تمتد لحوالي الستين عاماً، قضاها مع القصيدة، عارفاً بها ومخلصاً وفياً لها، فكانت قصيدته تشهد مثله كل الوقائع التي عاصرها، حتى أصبحت وثيقة تاريخية واجتماعية، حملت ماحمله من ميزات اكتسبها من ترحاله الدائم وثباته على مواقفه.

متعة القصّ

ولج عالم القراءة منذُ طفولته، حيث كان يشبّه نفسه بالقوارض التي تلتهم الأوراق. سحرَه كتاب "ألف ليلة وليلة" بخياله الذي لا ينقطع، كما سحرته البصرة التي كتب عنها الجاحظ ومدحها المعري. كان يجلس في دكان والده البزّاز، فيطلب منه في أيام ركود البيع أن يقرأ له من كتاب ما، فيشرع الكاصد بقراءة "ألف ليلة وليلة" حتى يتجمع بقية البزّازين في دكان أبيه، منصتين لما يقوله الحكّاء الصغير، وحين يردهم مشترٍ أو زبون، كانوا يتثقالون غير راغبين بالانصراف عن متعة الحكي الجارية.

كانت "كتاب الف ليلة وليلة" صاحب التأثير الأكبر، فهو قرأه بطريقتين، الأولى تقليدية كما يقرأ الجميع كتاباً، والثانية إنصاتاً، حيث قرأ له خاله موزان حكايات ألف ليلة وليلة كاملة حتى تشبع بها الكاصد، وتجاوزت قراءة خاله موزان أي قراءة أخرى للكتاب، كما يصرّح الكاصد نفسه، لأن موزان قد تحول لشخصية من شخصيات الكتاب، وهوالذي له من القصص ما لا يقل غرابة عن ألف ليلة وليلة، وبذلك بقي تأثير هذا الكتاب حاضراً في كل شعر الكاصد، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

ستون عاماً قضاها مع القصيدة عارفاً بها ومخلصاً وفياً لها... تجربة العراقي عبد الكريم كاصد الشعرية

نشأ في البصرة وأحبها، كان يراها مدينة المدن ويذهله مركزها المتناقض، فهي محاطة بصحراء من جهة، وتحيطها ملايين أشجار النخيل من جهة أخرى، فضلاً عن نهر شط العرب الذي يحتضنها.

شاءت الصدفة أن يسكن السياب في المنطقة المقابلة لبيت الكاصد، سكن بدر في بيت بسيط حين كان يعمل في الموانئ، وحصل مرة أن الكاصد كان راكباً في باص، فشاهد السياب يجلس فيه صامتاً صمتاً غريباً بقي يثير بداخله التساؤل حتى الآن، ورغم حب الكاصد وإعجابه الكبيرين بالسياب إلا أنه لم يبادر بالتقرب منه، لأنه ورفاقه الشباب لم يكونوا راضين عن بدر في بعض مواقفه، منها مثلاً أنه امتدح مدير الموانئ، الضابط العسكري الشهير مزهر الشاوي، بقصيدة حائية، بسبب فقر حاله وحاجته.
لكنه يذكر دائماً أن للسياب روحاً طيبة، فهو يراه شاعراً كبيراً، ويذكر له دائماً أنه لم يتورع عن مدح شاعر آخر، بل كان يصف محمود البريكان بالعبقري. الصدفة كانت حاضرة أيضاً في أول نصٍ منشورٍ للكاصد، نص نثري بسيط يشبه الشعر، تفاجأ به منشوراً في صحيفة "صوت الأحرار" التي كان يلفُّ بها الأكل خلال عودته للبيت. وكانت بالنسبة له مفاجأة لا يمكن تصديقها، بعد ذلك بفترة نشرت له الصحيفة نفسها نصاً آخر مع مفاجأة أكبر، حيث كتب سعدي يوسف مقدمة لنص الكاصد، قال فيها: "إننا نتذوق أحياناً في شعر عبد الكريم الكاصد ذلك الطعم النادر للنبيذ المعتق"، حدث ذلك في عام 1961، حين كان الكاصد يبلغ من العمر خمسة عشر عاماً فقط.
بعد ذلك، خلال دراسته في معهد اللغة الفرنسية، كان يلتقي بالبريكان وسعدي يوسف، ووصف الوسط الأدبي حينها بأنه وسط غير سوي، بسبب الصراعات الموجودة بين الرواد، مثل السياب والبياتي وغيرهم، لكنه يؤكد أن بدر كان الكثر طيبة بينهم. أصدر الكاصد مجموعته الشعرية الأولى "الحقائب" عن دار العودة في بيروت عام 1975 بتحفيز من الروائي الكويتي إسماعيل فهد إسماعيل، خلال زيارة قام بها للبصرة إبان الحرب الأهلية في لبنان، حيث طلب إسماعيل من الكاصد أن يزوده بمخطوطة لديوانه، على أن تكون مكتوبة بخط اليد تجنباً لمفاجآت الحرب، وبالفعل عهد الكاصد بمجموعة قصائد استخلصها من تجربته الشعرية إلى الفنان هاشم تايه فخطّها بيده، وفي الزيارة اللاحقة عاد إسماعيل ومعه الديوان، كان الكاصد يبلغ حينها ثلاثين عاماً.
غلاف الطبعة الاولى لمجموعة حقائب وصور لقصيدة منه بخط الفنان هاشم تايه

تميّز مبكر

أظهر الكاصد في "الحقائب" وعياً بنائياً ملفتاً على مستوى القصيدة بنحو خاص والكتاب الشعري بنحو أعم، فامتازت قصيدته منذ وقت مبكر بشكل بنائي مغاير عن السائد وقتها، ويحمل فرادة قد تكون متأتية من الإجادة المبكرة للغات أخرى، مكنته من قراءة الشعر بأشكال عدة، فتفتحت له آفاق غير معهودة في شعر تلك الفترة، رغم أنه كان يكتب قصيدة"التفعيلة" التي تستوجب شكلاً بنائياً معيناً، إلا أنه نحى في البناء منحى مختلفاً، حيث ظهرت قصائده على شكل يمكن أن نسميه (المقطع/البلوك الشعري)، فالقصيدة الأولى في المجموعة "ثلاثية السفر" تنقسم لثلاثة مقاطع، ويحمل كل مقطع عنواناً ورقماً، وهي كلها ضمن فصل اسمه "الحقائب 1"، وتتكرر هذه الآلية في بقية المجموعة منسحبة إلى مجاميعه اللاحقة.
"إننا نتذوق أحياناً في شعر عبد الكريم الكاصد ذلك الطعم النادر للنبيذ المعتق"

كانت ثيمة المجموعة واحدة هي السفر. اختار قصائدها بعناية كخلاصة لتجربة كتابة بدأت مبكراً، وحصل في هذه المجموعة تمثلاً نصياً لحقيبة سفرٍ لاتحوي سوى المهم والضروري حتى لا تُثقل خطوات الرحلة. ارتبط عنوان هذه المجموعة بحادثة طريفة حصلت للكاصد حين كان ذاهباً إلى فرنسا، فنسي حقائبه في مستودع المطار، وأخذته المشاغل حتى عاد إليها بعد فترة ليست قصيرة، لذلك حملت مجموعته عنوان "الحقائب"، وكانت نبوءة لرحلة شاعر ستمتد طويلاً.

بعد ذلك بعام واحد صدرت مجموعته الثانية "النقر على أبواب الطفولة" 1976، وهي مجموعة عن طفولة الشاعر، ذات نبرة استعادية وشعور كبير بالحنين لأيام ومشاهد شاركت في تكوين ذاكرة الكاصد الشعرية ومصدره الطبيعي للكتابة. استخدم فيها الشاعر لغةً ينعكس عنها وعي بوجوب أن تكون لغة النص مرآة لموضوعه، فتضمنت قصائد هذه المجموعة مفردات "شعبية" كانت زاداً يومياً لطفولة شاعر مسحورٍ بمشاهدة")الجراديغ"، أو محمولاً على رأس أمه في مواكب عاشوراء، ليشرب التاريخ من حنفية المأساة، أو يمرح مع رفاقه أثناء جمع الرطب خلسة.

اعتمد في المجموعة الشكل البنائي ذاته (فصول ⭠قصائد⭠ مقاطع)

مرسخاً بذلك أسلوبه البنائي الفريد في صناعة كتاب شعري. كل فصل في المجموعة كان باباً يطل من خلاله على طفولته التي قضاها في محلة صبخة عرب. في هذه المجموعة ظهرت بوادر كتابة الهايكو، وهو أيضاً من ضمن الأنواع الشعرية التي كتبها الكاصد خلال تجربته الطويلة. يظهر في القصيدة أدناه بناء يشبه ما تستدعيه المعايير الكتلية المعرّبة للهايكو الياباني حاضراً، صورة شعرية ممهدة بمقطع من ثلاثة سطور، تليها بعد ذلك مفاجأة غير انزياحية:
"يغيبُ الأهل
فيرقصُ في الظلال الصمتْ
وتخرجُ من ظلام الحائطِ المشقوقِ..
أفعى البيتْ
تهزُّ الطفل"
"يغيبُ الأهل

فيرقصُ في الظلال الصمتْ

وتخرجُ من ظلام الحائطِ المشقوقِ..

أفعى البيتْ

تهزُّ الطفل"
غلاف الطبعة الاولى
تضمنت مجموعتاه الأولى والثانية قصائدَ نثر، لكن غالبية القصائد كانت تفعيلة، ومجموعته الثانية "النقر على أبواب الطفولة" تضمت قصيدة نثر مهمة، ستكون من أهم قصائده التي تؤرخ إحدى تجاربه الحياتية، والتي اعتبرها الكاصد تجربة فريدة لا تشبهها أي تجربة أخرى، وهي قصيدة "الجراديغ"، والجراديغ هي لفظ شعبي يطلق على مكابس التمور، رصدت القصيدة مسير عمال مكابس التمور ورحلتهم الشاقة من أوائل النهار حتى هبوط الليل بخفافيشه، مع أصداء ضحكاتهم التي توقد النار.

سيرة الناس

تنعكس في مجاميع الكاصد الأولى صورة البصرة، المدينة الكوسموبوليت، بتنوعها وأجوائها الصاخبة، وأغاني عمال الملاحات وبيوت الأرمن والصيادين ومواكب العزاء في عاشوراء. كل هذا التنوع في مدينة واحدة، كان يراقبها طفل سيكون شاعراً مسكوناً بها، وطفولته فيها لم تغادره كما يذكر في مقدمة مجموعته الثانية: "عندما خوّضتُ في بحر المستقبل كانت قطرةٌ من الماضي عالقة في هدبي"، هذه القطرة هي "صبخة العرب"، محلته التي سكنته فعاد إليها بمجموعة أخرى هي "الفصول ليست أربعة"، ويقول عنها في حوار له مع الشاعر معنز رشدي، ضمه كتاب "أيهما الوطن، أيهما المنفى؟": "إنها سيرة الناس في جمعهم، وهم يبدأون يومهم بالمسير إلى المدينة بأطفالهم، وأقفاصهم، وعرباتهم، وشجاراتهم، وضحكهم المفرط رغم الفقر، وسفاهاتهم، وفي تفردهم ووحدتهم أيضاً: مجانينهم وهم يداعبون خيوط الشمس في أكفهم، جالسين في الظلال، أراملهم المتشحات بالسواد دوماً، وقد تضم مسيرتهم أشياء السماء والأرض في موكب تتجاوز غرابته الشاعر وسيرته الواحدة".

جاءت مجموعته الثالثة (الشاهدة" 1978، توثيقاً لرحلة هروبه من العراق على ظهر جمل، بعدما بدأ التضييق عليه من قبل حزب السلطة آنذاك، ويقول عن سبب هروب في حوار له مع عبد القادر الجموسي، ضمه كتاب "الشاعر.. خارج النص": غادرت العراق سنة 1978، بعد أن أصبحت حياتي، مثل حياة الكثير من المواطنين، مهددة بالاعتقال والتعذيب إن لم أنتِم لحزب السلطة، وبعد ساعات فقط من مغادرتي البيت، قدم رجال الأمن ليسألوا أمي عني. أجابتهم أنها لا تعرف أيّ شيء، غير أنهم لم يصدّقوها، وظنوا ذلك تضليلاً لهم. انتظروا حلول الليل ليتسلقوا سقف البيت بانتظار عودتي، وظلوا ينتظرونني أياما حتى يئسوا".
استمرت رحلته لأيام في الصحراء، واجه خلالها شتى المخاطر، وحشر بعد ذلك مع مجموعة هاربين في تنكر قادهم إلى الكويت.
ضمّت المجموعة مرثية لأبيه، وفيها حضور لشخصيات عديدة، ومراثٍ لرفاق غادروا، لتكون هذه المجموعة شاهدة فعلية لقبورٍ هي قصائدٌ داخل الكتاب. امتازت هذه المجموعة بالهوامش والمقدمات التي ستصير لاحقاً في مجاميع قادمة جزءاً من القصيدة، فيكون الهامش متناً شعرياً يؤدي وظيفة جمالية ضرورية، كما في مجموعة "وردة البيكاجي" 1983، وهي كتاب شعري آخر بنفس الأسلوب البنائي الذي صار يعرف به الكاصد. حملت هذه المجموعة استفهامات كثيرة، وحوّت غالبية القصائد سؤالاً في نهايتها، رغم انها تبدأ قد تبدأ بمفتتح يقيني إلا أنه غير مستقر، يشبه تلك الفترة غير المستقرة في حياة الكاصد، حين كان يسكن في "البيكاجي" مع مهاجرين آخرين، والبيكاجي هو مبنى قديم في عدن كان يسكنه الهنود من قبل.
أغلفة الطبعات الأولى
في التسعينيات صدرت للكاصد ثلاث مجموعات، وهي بالترتيب "نزهة الآلام" 1991،" و "سراباد" 1997، وأخيراً "دقات لا يبلغها الضوء" 1998، وكان الشكل البنائي للكتاب في كل مجموعة ناضجاً مكتملاً، تضم كل مجموعة فصول معنونةً وتحوي قصائد بعناوين مختلفة، وهنا ظهرت كلمة "فصل" للمرة الأولى ضمن الفهرسة والتنضيد.

مزيج الشجن

في الألفية الجديدة استمر الكاصد في التجريب، فكما كتب التفعيلة وقصيدة النثر والهايكو، فإنه سجل تجربة مميزة في استثمار القوالب الشعرية (العامية/الشعبية) محاولاً إنطاقها باللغة الفصحى، وبالرغم من تجاربٍ سبقته، مثل تنويعات سعدي يوسف على الأغاني الشعبية وأنواع الشعر العامي، ومجموعة "كران البور" لحسب الشيخ جعفر، كما يقارب حسين عبد اللطيف في مقاله عن زهيريّات الكاصد، إلا أنه تميز بإفراد كتاب كامل لهذه التجربة "زهيريّات" 5200، ضم الكتاب، إضافة إلى الزهيريات، مواويل ودارميات وابوذية، وهذه كلها أنواع من الشعر الشعبي العراقي نجحَ الكاصد بإنطاقها بلغة فصيحة:
أعلنتُ حرباً على نفسي بليلٍ يجُن
أبكي قـتيلي وأرثي قاتلي إذ يجُن
من دون كلّ الورى أشكو عدواً يجِن
يا ناشدَ العقل عقلي من جنوني أشدْ
عاندتُ هذا وهذا في عنادي أشدْ
حتى إذا اعتادني وهمي بوهمٍ أشدْ
شرّقتُ غرباً وغربي ساحراتٌ وجِنْ
أعلنتُ حرباً على نفسي بليلٍ يجُنْ
أبكي قتيلي وأرثي قاتلي إذ يجُنْ
من دون كلّ الورى أشكو عدواً يجِنْ
يا ناشدَ العقل عقلي من جنوني أشدْ
عاندتُ هذا وهذا في عنادي أشدْ
حتى إذا اعتادني وهمي بوهمٍ أشدْ
شرّقتُ غرباً وغربي ساحراتٌ وجِنْ.
غلاف الطبعة الأولى
الجميع يتقاعدون...
إلا الشاعر
وهو يهمس في أذن الأبدية العجوز الصماء
أشعاره الباقية
لم ينقطع الكاصد عن كتابة أي نوع شعري، فهو مداوم على نشر مجاميع شعرية لقصائد نثر، تفعيلة وهايكو، إضافة إلى جهده في الترجمة والنقد. له أيضاً تجربة مميزة في المسرح، حيث قدّم في عام 2006 كتابة شعرية جديدة عن مسرحية "حكاية الجند" للكاتب السويسري راموز، والموسيقار الروسي سترافنسكي، وعرضت المسرحية على مسرح The Old Vic وأخرجها Andrew Steggall الذي حرص على أن يُصاحب العرض موسيقى عراقية خاصة به، واستعان بممثلين عراقيين اصطفاهم من ورشه التي قدمها خلال زياراته العديدة إلى العراق، كذلك حرص المخرج على ضبط إيقاع اللغة العربية ومقاطعها الصوتية، فقدم له الكاصد دروساً من أجل هذا الهدف. نلمس في قصائد الكاصد "الأسلوب التقليلي" الذي يرتكز على لغة هامسة من خلال اختياره الكلمات ذات المقاطع الصوتية الأقل صخباً، إضافة لقصر الجملة ورشاقتها، مع مراعاة حفظ التأثير الذي تحدثه معاني الكلمات. وعللّ ذلك تعريف الكاصد نفسه، لفعل الشاعر الذي لن يتقاعد، فيقول في قصيدة له:
الجميع يتقاعدون...
إلا الشاعر
وهو يهمس في أذن الأبدية العجوز الصماء
أشعاره الباقية.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard