شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
حكاية حبّ امتدت من ألمانيا إلى الشام... الرسام غوستاف باورنفايند

حكاية حبّ امتدت من ألمانيا إلى الشام... الرسام غوستاف باورنفايند

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الخميس 16 يونيو 202205:30 م

أواخر القرن التاسع عشر استقر في فلسطين أحد أهم المستشرقين الألمان في التاريخ، لينقل لنا عبر لوحاته التي وثق فيها الحياة في الشام شغفه الكامل والكبير بها وبتفاصيل الحياة بين أسواقها وشوارعها ومناطقها المختلفة. كان هذا الرسام يدعى غوستاف باورنفايند Gustav Bauernfeind . ولد في مدينة زولتس آم نكا في ألمانيا سنة 1848، إلى أن اضطرت أسرته إلى الانتقال من تلك البلدة الصغيرة نحو شتوتغارت بسبب ظروف سياسية معينة شارك فيها والده، وبدأت حياته الفنية أو ربما الأكاديمية من تلك المدينة الجديدة، حيث تلقى تعليمه وتدريبه الأول سنة 1864، عندما درس العمارة بشكل دقيق، لكي يعمل في بداية حياته كمهندس معماري، لكنه لم يكن سعيداً بما فيه الكفاية في تلك المهنة التي كان يرى أنها غير ملائمة لفكره وخياله، ومن هنا كانت انطلاقته الفنية التي ورثناها.

حياة مضطربة

سافر غوستاف بورنفيند نحو إيطاليا وسويسرا حيث عمل على رسم لوحات للمناظر العامة والحياتية فيها. صحيح أن تلك اللوحات لم تكن بنفس القدر الفني العالي، إلا أنها كانت البداية لرحلة فنية ثرية جداً في حياة غوستاف بعد ذلك، بالإضافة إلى أن تلك الرحلة تحديداً ساعدته أكثر على تحقيق حلمه في أن يكون رساماً وفناناً. لذلك قرر أن يترك عمله تماماً، ويتفرغ إلى الرسم والفن. توجه بعدها نحو ميونخ ليتواصل مع الفنانين هناك، ويبدو أن زيارته لميونخ أتاحت له بيئة عمل مناسبة مبدئياً، لكن العائق الأكبر بالنسبة له ولتحقيق شغفه بشكل كامل كان المال الذي بالفعل تسبب له في أزمة نفسية.

كانت حياة هذا الفنان في البداية مرتبطة أكثر بالعمارة، عمل في المكتب المعماري للبروفيسور فيلهلم بومر، وكانت تلك الفرصة المهنية التي قضاها بورنفيند في العمل كرسّام معماري ظهرت بقوة وبوضوح على أعماله؛ فهو كان رساماً وفناناً عبقرياً في رسم التفاصيل المعمارية والفنية التي تتعلق بالمباني، خاصة أن غنى الشام والشرق بتلك المباني وتفاصيلها المعمارية الكثيرة كانت فرصة هائلة لكي يعرض فيها موهبته العبقرية عليها.

فرصة العمر

في سنة 1880 كانت الفرصة الحقيقية له حيث قرر السفر نحو الشرق. سافر غوستاف إلى بيروت، وذلك من أجل تواجد أخته وزوج أخته اللذين كانا يعيشان هناك. فبدأ في بيروت بواسطتهما في التعرف على الشرق ورسم خطة معينة واختيار موضوعات يعمل عليها، ثم رجع بعدها إلى أوروبا مرة أخرة بعدما ما يقارب عاماً قضاه في بيروت رفقة أخته، ثم سافر مرة أخرى في رحلة أطوال نحو يافا، وهناك التقى إليس بيرتسش Elise Bertsch. أتاحت له تلك السيدة فرصة هائلة للتعرف على مجموعة رهبان ساعدوه على التعرف على الشرق بشكل أكبر. ثم مرة أخرى سافر إلى أوروبا، حيث تزوجها هناك، وسافرا معاً مرة أخرى وأخيرة نحو الشرق، ليستقر بشكل كامل في فلسطين سنة 1896، حتى دفن في الحي الألماني بالقدس سنة 1904.

تعامل غوستاف مع الشرق تعاملاً مختلفاً، جعل لوحاته متفردة ومميزة عن باقي الأعمال التي تناولت المسألة الشرقية، فلم يكتب ولم يرسم عن الانبهار بالشوارع الشرقية التي تفتقدها أوروبا آنذاك، بعبقها التاريخي المفعم بالحيوية، بل انخرط في الناس ومكوناتهم الثقافية والروحية

كان غوستاف دائم التردد على أوروبا في تلك الفترات التي قضاها في الشرق، والسبب في ذلك أنه كان يعرض بعض لوحاته على مشترين من أمريكا وإنكلترا، لكنها كانت محاولات يائسة حيث لم تجلب له مالاً كافياً، فكان بذلك يعتمد على والدته مادياً، وكذلك زوجته التي دعمته بشكل كبير سواءً من حيث العلاقات في الشرق أم الأموال.

موهبة غوستاف باورنفايند كانت ظاهرة وعبقرية، مع كونه شخصاً متواضعاً بسيط الحال، سيء الحظ نسبياً، حيث لم يُعرف كفنان قدير سوى في آخر أيامه، ثم ظل في ذاكرة النسيان فترة طويلة بعد مماته، إلا أنه تم اكتشاف فنه بشكل مبهر وكبير بعدها، حيث أصبح أهم فنان ألماني عمل على الشرق وموضوعاته في تلك الفترة، وتشكل أعماله اليوم أغلى الأعمال الفنية في المزادات العالمية، بالإضافة إلى متحفه الكائن في قريته الصغيرة التي ولد فيها، وبعض المعارض التي تقام من حين لآخر في أوروبا، تخليداً لذكراه وأعماله ولوحاته الفنية الرائعة.

إبداع فنان

تعامل غوستاف مع الشرق تعاملاً مختلفاً، جعل لوحاته متفردة ومميزة عن باقي الأعمال التي تناولت المسألة الشرقية، فلم يكتب ولم يرسم عن الانبهار بالشوارع الشرقية التي تفتقدها أوروبا آنذاك، بعبقها التاريخي المفعم بالحيوية، بل انخرط في الناس ومكوناتهم الثقافية والروحية، وفي المباني والأسواق والشواطئ والمزارع. في كثير من لوحاته نجده يركز على ملامح الناس كيف ينظرون وكيف يعبرون، حتى أنهم كيف يحزنون، في كثير من الأحيان نجده يركز على مباني تاريخية وأثرية وفرت لنا نحن المهتمين بالتراث والآثار مادة دسمة وصورة حية لما كانت عليه في تلك الفترة قبل التغير الكبير الذي نالها بعد ذلك، على سبيل المثال لوحته التي صور فيها المسجد الأموي في دمشق كانت مادة مهمة جداً لعملية الترميم خاصة بعد الحريق الذي ناله في القرن العشرين.

يبدو غوستاف وكأنه بالفعل عشق الشرق بكل تفاصيله وحياته، بل يمكن القول إنه عشق الشام. كان من المفترض أن تكون رحلته الأولى إلى مصر وفلسطين وسوريا، وتلك الثلاثية هي التي شكلت مخيلة الغرب عن الشرق، فأي فنان ورسام كان لا بد وأن يزور البلدان الثلاثة تلك، وأن يبدأ بأي منها، لكن كان المعروف أن يبدأ المستشرق أولاً بمصر كحال معظم الذين سافروا إلى الشرق. أما عند هذا الرسام المميز فإنه بدأ بالشام، والغريب أنه اكتفى بها ولم يزر مصر طيلة حياته، مع كونه توفي في فلسطين بعد أن جلس فيها مدة طويلة آخر حياته.

يظهر هذا الشغف المفعم بالحيوية في رسائله التي كان يكتبها؛ ففي إحدى الرسائل التي كتبها إلى والدته عام 1887، يتحدث فيها عن شغفه الكامل بمدينة يافا في فلسطين، ويقول: "لقد وصلت للتو هنا في يافا قبل يومين من رأس السنة، وبعيداً عن البنايات الضخمة التي شاهدتها في فلسطين، فهنا في يافا المساحات الخضراء الخلابة والحدائق الغنائة التي أذلهتني كثيراً، وتركت لي انطباعاً مبهراً عن المدينة، لا يمكن أن تتخيلي مدى ثراء تلك المدينة بالمساحات الخضراء".

وتبدو ذلك في اللوحات التي رسمها ليافا بالفعل؛ مدينة غنية بالناس والحياة والمباني التراثية الأنيقة، ودائماً ما يشكل العنصر النباتي فيها عاملاً لا غنى عنه، ففي خلفية إحدى اللوحات مساحات خضراء شاسعة تدل على غنى المدينة بالزراعة وعمرانها بها، تلك الأسواق التي تقف فيها السيدات بلبساهن الشرقي المعروف يبتعن البرتقال، وآخر يعمل على حياكة سجاد شرقي مميز، وبائع بعمامة حمراء ينظر في بضاعته المميزة التي تتكون من أباريق وأوان خزفية شرقية، وحيوانات تشكل خيطاً مميزاً في اللوحات. ولا غنى كذلك عن السقاء الذي يحمل خلف ظهره الماء ينقله إلى الناس؛ لوحات تجذبنا نحو المدينة بشكل مبهر ومميز، كأننا داخلها لنكون سادة المشهد ومحركيه، ننغمس فيه بشكل لا يصدق. فعبقرية غوستاف في نقل تفاصيل الحياة اليومية للناس لا تقدر.

مثلت قبة الصخرة لدى هذا الفنان المبدع، مادة رئيسية في لوحاته، فقد عمل على ثلاث لوحات شكلت تلك القبة الفريدة في المسجد الأقصى العنصر الرئيسي فيها، حيث تظهر اللوحة الأولى حارساً عثمانياً ممسكاً ببندقيته وهو نائم على أحد الأبواب ناحية سبيل سليمان، وتظهر عنده سيدة تحمل فوق رأسها جرة ماء. تم رسم تلك الصورة تحديداً من باب حطة أحد أبواب المسجد الرئيسية.

أصبح غوستاف باورنفايند أهم فنان ألماني عمل على الشرق وموضوعاته في تلك الفترة، وتشكل أعماله اليوم أغلى الأعمال الفنية في المزادات العالمية، بالإضافة إلى متحفه الكائن في قريته الصغيرة التي ولد فيها

أما اللوحة الثانية وقد رسمها في نفس السنة تقريباً،  فتظهر أيضاً قبة الصخرة وسبيل السلطان قايتباي حيث يستقي الناس منه، بينما تحمل سيدة أخرى جرة ماء فوق رأسها. واللوحة الأخيرة التي رسمها عام 1886 من خلال باب المطهرة، وهو أحد الأبواب الرئيسية في المسجد، وتظهر فيه معالم وملامح المسجد الفريدة، مثل سبيل السلطان قايتباي الشهير بزخارف قبته الفريدة، وقبة الصخرة التي تتربع على المشهد بقبتها الفضية قبل أن تبدل صفائح الرصاص بصفائح ذهبية سنة 1964 في الإعمار الهاشمي الثالث، يبدو أنها المميزة في أعمال باورنفايند، وتظهر حال الناس ولباسهم وهيئتهم.

أنماط وأشكال متعددة من الاستشراق

مع بدايات القرن الثامن عشر، بدأت تظهر علينا ظاهرة جديدة ومختلفة نحو انعكاس صورة الشرق لدى المستشرقين والأوربيين عن طريق اللوحات الاستشراقية التي تم رسمها للشرق، إلا أن معظم تلك اللوحات الاسشتراقية كانت في البداية معتمدة على الخيال، حيث اعتمدت على نصوص العلماء والرحالة الذين زاروا الشرق أو لم يزوروه في تلك الآونة، خاصة مع تزامن ترجمة كتاب "ألف ليلة وليلة" لأنطوان غالان سنة 1704 م، فكانت انعكاساً بصيراً عما يكتب عن الشرق، سواء من ناحية فانتازية أم حقيقية. من المؤكد أن تلك المساهمة أثرت بشكل كبير جداً، خاصة أنها كانت تصويرية.

تعددت المدارس الاستشراقية الفنية التي عملت على تجسيد صورة الشرق لدى الفنان الغربي منها ما كان فنياً صرفاً يعمل على تصوير نمط معين وفق مدرسة فنية معينة، وكانت بالتأكيد أشهر تلك المدارس الفنية تلك المدرسة الرومانسية الفنية التي استغرقت في الوصف لدى الشرقي وحالته الرومانسية التي كان يحياها، بالإضافة إلى الحالة التي رسمها المسشترقين المنفردين أمثال ديفيد روبرتس.

وكان ديفيد روبرتس حالة فنية مميزة ومختلفة عمل على رسم كل ما له علاقة بالشرق ومبانيه وعاداته وتقاليده في سوريا وفلسطين ومصر. كما أن ظهرت بعض اللوحات التي تميل إلى الجانب الأكاديمي أكثر من الجانب الفني، تم استعمال تلك اللوحات في القضايا المتعلقة بالترميم وإعادة بناء ما تم هدمه في المنشآت المعمارية المختلفة، أمثال باسكال كوست وجول برجوان، لكن بقيت كل تلك الأعمال، استشراقيةً تدل على شغف الغرب بالحالة الشرقية في أوجه وأشكال مختلفة.

مثل الاستشراق بلوحاته وكتاباته حالة فريدة، توالت حولها الدراسات والكتابات بين مؤيد ومعارض، وناقد ومحتفي، إلا أنها تركت زخماً كبيراً تناول كل تفاصيل الشرق الظاهرة، سواءً من خلال اللوحات التي وثقت العادات والتقاليد وأحوال الناس وملابسهم ومشاربهم، أو من خلال الكتابات التي تناولت تاريخهم وأحوالهم الثقافية. وكان غوستاف باورنفايند  أحد الذين اهتموا بالشرق عن شغف فني حقيقي، ويظهر ذلك كله عبر سيرته التي ربطته بالشرق حتى مماته.  

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard