وسط شكوك محلية ودولية... تركيا تجدّد كنائس شمال سوريا

الأربعاء 4 أغسطس 202104:14 م

في خطوة قوبلت بشكوك كبيرة، أعلنت وزارة الدفاع التركية، في 14 تموز/يوليو الماضي، أن قواتها المسلحة قامت بإصلاح كنيسة مار توما للسريان الأرثوذكس (القديس توماس) في مدينة رأس العين شمال شرقي سوريا، توطئةً لترميم وصيانة عدد من الكنائس المدمرة كلياً أو جزئياً في المنطقة.

 وزعمت الوزارة أن تركيا أولت أهمية كبيرة لصيانة وإصلاح الهياكل الدينية في المنطقة التي سيطرت عليها شمال سوريا، خلال العملية العسكرية المعروفة باسم "نبع السلام"، وشاركت بعض الصور التي تظهر قيام جنودها بتركيب مصابيح كهربائية داخل الكنيسة.

قبل ذلك، وفي حزيران/ يونيو الماضي، زار والي منطقة أورفا التركية عبد الله آرين مدينة رأس العين السورية، وهي في المنطقة التي تسيطر عليها تركيا منذ العام 2018، بدعوى إنشاء "حزام آمن" يفصل بين أكراد سوريا والأراضي التركية. وتفقد كنيسة السريان الأرثوذكس. ووصفت صفحة المجلس المحلي لمدينة العين، المُعيّن من قبل تركيا، لقاءه بالسريان بـ" لقاء الإخوة السريان". 

شكوك مبررة

الكنيسة التي تصدت تركيا لإصلاحها، هي الكنيسة نفسها التي اعتدى عليها مسلحون مدعومون من تركيا وقاموا بسرقة عدد من مقتنياتها في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي من دون أن تقدم تركيا على أية خطوة لإدانة الاعتداء أو التدخل لإيقاف عمليات النهب التي قام بها مسلحو "الجيش الوطني" الذين تدعمهم، والذين طالت اعتداءاتهم ممتلكات عامة وخاصة، بينها ممتلكات الأسر المسيحية في المنطقة.

 وترى المنظمات المسيحية السورية والدولية أن الخطوة التركية مشكوك في دوافعها، وذلك نتيجة التدهور المستمر في أوضاع المسيحيين داخل تركيا نفسها، سواء كانوا من السوريين اللاجئين، أو حتى من الأتراك أنفسهم، خلال السنوات الماضية.

 تشكّ المنظمات المسيحية في صدق نيّات تركيا تجاه المسيحيين وممتلكاتهم، وذلك نتيجة لتدهور أوضاعهم داخل تركيا نفسها خلال السنوات الماضية

على سبيل المثال، تشير منظمة "المحاكمة"، المعنية بتتبع أوضاع المسيحيين حول العالم، إلى أن متابعون يعتقدون أن إصلاح تركيا للكنيسة في الوقت الحالي يرتبط برغبة أنقرة في الترويج لصورة أفضل لنفسها لدى الغرب.

وأوضح رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان فاضل عبد الغني لرصيف22 أن الجهة التي تسببت في أكبر خسائر في الكنائس السورية، هي النظام السوري نفسه من خلال القصف الجوي، إذ "تجاوز تنظيم داعش في هذا المجال، وحول الكنائس إلى مراكز عسكرية رغم ادعائه أنه يحمي الأقليات والمسيحيين".

وحول إعلان وزارة الدفاع التركية تجديد الكنائس، أشار عبد الغني إلى مسألة تتعلق بمسألة السيادة السورية، قائلاً إنه من المفترض أن يصدر هذا التصريح من الحكومة السورية المؤقتة، لأنها هي المختصة بإدارة هذه المنطقة، ويمكن أن تمولها وزارة الدفاع أو وزارة الخارجية التركية.

 وأضاف الحقوقي السوري لرصيف22 أن تجديد المساجد والكنائس خطوة مُرحب بها، وتعني وجود حرية العبادة. لكن توقيت الإعلان عنها يشير إلى تنافس تركيا مع روسيا في الظهور كحامية للأقليات الدينية في أماكن سيطرة النظام أو في شمال سوريا.

ويرى عبد الغني أن إعلان تركيا تجديد الكنيسة عبر الجيش قد يكون رسالة إلى المنظمات المتشددة في تلك المنطقة، بأنها عازمة على صون أماكن العبادة لغير المسلمين.

 منظمة ترصد التمييز ضد المسيحيين: إصلاح تركيا لكنيسة السريان الأرثوذكس في الوقت الحالي، يرتبط برغبة أنقرة في الترويج لصورة أفضل لنفسها لدى الغرب.

في عام 2019، كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في زيارة إلى الببيت، حيث أعلن أنه سوف يساعد في إعادة بناء الكنائس "حتى يتمكن المسيحيون السوريون من العودة إلى أراضيهم والبدء بالصلاة هناك مرة أخرى". ومع ذلك، فإن هذا الوعد لم يقنع المسيحيين الذين كانوا في شمال شرقي سوريا.

قفي ذلك الوقت، تعرضت كنيسة السيدة العذراء في بلدة القحطانية قرب القامشلي لقصف تركي وتم تدمير أجزاء منها. 

"الخروج" المسيحي من سوريا

تذبذب عدد السكان المسيحيين في سوريا منذ حصول البلاد على استقلالها عن فرنسا في عام 1946 حتى أواخر الستينيات، وكان المسيحيون يمثلون ما يقدر بنحو 30% من سكان سوريا، لكن نتيجة الحرب الأهلية السورية عام 2011 ، تضاءل هذا العدد إلى 10%.

وانخفضت أعداد المسيحيين من 2.2 مليون قبل الحرب إلى أقل من 677 ألفاً حالياً، وفقاً لمؤشر اضطهاد المسيحيين في دول العالم.

 الكنيسة التي تصدت تركيا لإصلاحها، هي  نفسها التي اعتدى عليها مسلحون مدعومون من تركيا وقاموا بسرقة عدد من مقتنياتها في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، من دون أن تقدم تركيا على أية خطوة لإدانة الاعتداء، أو التدخل لإيقاف عمليات النهب التي قام بها مسلحون  تدعمهم

وأشار تقرير نشرته مجلة "ذا ناشونال إنترست" الأمريكية إلى أن النظام السوري عزز موقفه العلني كمدافع عن المسيحيين، مستنداً إلى فكرة أن عائلة الأسد نفسها تنتمي إلى الأقليات، كونها تتبع طائفة شيعية منبثقة عن العلويين. وتشكل هذه الطائفة نحو 17% من السكان والمسلمون السنة نحو 74%.

 وذكر تقرير صدر عام 2019 عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان، بعنوان "استهداف دور العبادة المسيحية في سوريا تهديد للتراث العالمي"، أن حكومة الأسد "تتحمل المسؤولية الأساسية عن 61% من استهداف أماكن العبادة المسيحية في سوريا".

وتم توثيق نحو 124 هجوماً على دور عبادة مسيحية من قبل الأطراف الرئيسية في حرب سوريا بين آذار/مارس 2011 وأيلول/سبتمبر 2019، منها 75 هجوماً على يد قوات النظام السوري، و10 على يد تنظيم داعش، في حين كانت هيئة تحرير الشام المعروفة باسم "جبهة النصرة" والمرتبطة بتنظيم القاعدة مسؤولة عن هجومين.

ويلفت المركز السوري لحقوق الإنسان إلى أن عدد العوائل المسيحية في رأس العين بلغ إبان سيطرة قوات سوريا الديمقراطية "قسد" نحو 40 عائلة، إلا أن الهجوم التركي برفقة الفصائل الموالية لها على المدينة في تشرين الأول/أكتوبر 2019، أدى لفرار معظم تلك العوائل مجدداً.

وبعد سيطرة تركيا على المدينة لم يتبقَّ في المدينة إلا 14 شخصاً من أتباع الديانة المسيحية، وذلك بغرض حماية المقدسات والممتلكات التابعة لهم، بينما فرت بقية العوائل المسيحية إلى أماكن متفرقة كالقامشلي والحسكة وتل تمر، وقسم كبير منها هاجر إلى أمريكا وكندا والسويد ودول أوروبية أخرى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard