إن كان الترحم على غير المسلم ذنباً، فلا مانع أن أكون أوّل المذنبين

الأحد 29 مايو 202202:01 م

قبل أيام قليلة، تحديداً بعد مقتل إحدى صحافيات قناة الجزيرة وصوت القضية الفلسطينية لأكثر من ربع قرن برصاص الاحتلال الإسرائيلي، وثم هجوم قوات الاحتلال على النعش هجوماً كاد يفضي مع توالي الضربات على حاملي النعش إلى سقوطه. لكنه صمد كما صمدت شيرين.ومع تصاعد الأزمة يوماً بعد يوم، وبدلاً من توجيه النظر إلى القضية الأهم في تاريخ الوطن العربي، وبدلاً من التنديد بالتجاهل الغربي المتعمد على الأقل من أجل إثبات الموقف- وهو أضعف الإيمان، ولا أنكر حدوث ذلك بالفعل من عدد لا بأس به من الناس – ولكن، على جانب آخر من الصراع يتزامن صعود ذلك الصوت الذي نعرفه جيداً، الصوت الذي ربما يعبأ أو لا يعبأ بكل ما حدث ويشغله أمر واحد، هو عدم جواز الرحمة على غير المُسلم.

جدل لا ينتهي

في كل مرة يصبح عقلي مشتتاً وغير قادر على التمييز. ولكني حينما أقلب في صفحات التاريخ المطوية، لا أتعجب من محاولة اغتيال نجيب محفوظ ومقتل السادات وفرج فودة. فكل تلك التكفيرات التي طالتهم، على الرغم من اختلاف طبيعة العيش والتفكير والمنهج، ما زالت تشمل العديد من الشخصيات العامة. وبالتالي، يكون نتاج ذلك وجود صوتين في دائرة الخلاف، أحدهما يندد بتحريم الترحم، وآخر يصلي للفقيد بصمت.ثمّة أسئلة تتوافد إلى ذهني في كل مرة يتجدد فيها الخلاف: ما هي المشاعر الأولية التي تسكن قلوب من يعارضون الترحم عند سماع أخبار الموت؟ما هي ردة فعلهم إذا ما كان الفقيد جارهم؟ ألن يخرجوا في توديعه والترحم عليه؟ وهل أصبح الدين محصوراً في جواز الترحم من عدمه؟ ناهيك طبعاً بجدل التهاني التي لا تنتهي، والتي طالت شيخ الأزهر نفسه، أحمد الطيب، حينما هنأ المسيحيين في عيدهم. في كل مرة، لا أفهم ما يحدث.

إنّ أهالي المفقودين ليسوا مهتمين بتاتاً بترحمك من عدمه. ولم يخلقوا مثل هذه المشكلات. وبالطبع، لن يتركوا ما هم فيه ليلقوا نظرة على ما تقوله، وعلى المشكلات التي تخلقها

الحكم على الشيء أصل من تصوره 

دعك من الفقيد، فهو في كافة الأحوال قد ترك لك الدنيا لتصدر أحكامك كما تشاء. ولكن، ألم تفكر، ولو لحظة، في أهل الفقيد وأصدقائه وشعورهم بالحزن والمأساة، ووجوههم التي تخفيها الدموع؟ ألا يردعك ذلك عن تكفير الترحم وأنت تنشر وتردد في كل مرة نفس الكلام بنفس الديباجة في أوج الحزن، بل حتى قبل دفن الميت؟!

هل أصبح الدين محصوراً في جواز الترحم من عدمه؟

وعلى غرار معرفتي بالآراء المتضاربة في مسألة كهذه، فلم أكن معنياً في حياتي أن أبرز، بإثبات ديني، حُجة موقفي. ولكن، فلنفرض أنّ موقفي ومن يقفون في صفي - باختلاف رؤيتنا التي وضعتنا جنباً إلى جنب – خاطئاً، فما هو العائد؟ ماذا لو كنت فعلاً، دون شك أو سخرية في الجانب الصحيح؟ ما الذي سيفيد البشر من عدم الترحم؟ ما هو نوع الرغبة التي ستشبعها بسلامة موقفك وتأثيره على عامة الناس؟وربما ستصدقني أيضاً إن قلت لك إنّ أهالي المفقودين ليسوا مهتمين بتاتاً بترحمك من عدمه. ولم يخلقوا مثل هذه المشكلات. وبالطبع، لن يتركوا ما هم فيه ليلقوا نظرة على ما تقوله، وعلى المشكلات التي تخلقها، ولست بصدد التعرض لأن يحتكم كل منا في موقفه إلى أصل ما يتبعه. فكما تعلم، الحكم على الشيء أصل من تصوره.

إن كُلّ شيء يعود إلى الله، فحتى لو ترحمنا نحن ومن بعدنا لقرون ولم يشأ ربك أن يقبل أدعيتنا، فلن يقبلها. لنترك خلق الله لله، ولنرتَح قليلاً من التنظير والمبارزات الوهمية. ولنوفر طاقتنا وصراعاتنا إلى ما هو أنفع، لأننا على الأغلب لن نكف عن طلب الرحمة

لأننا قوم نأكل لفظاً 

ولنعد لفرضية صحة موقفك، بل ولنضف عليها خطإي الجسيم، وأنني لو قلت ما قلت وترحمت على غير المسلم، فأنا قد ارتكبت ذنباً. فليس لدي مانع أن أفعل ذنباً كهذا، وأن أدعو لجاري أو صديقي من غير ديني بالرحمة والسلام له ولأسرته. ثمّ سأدعو الله أن يغفر لي. فإذا راجعت نفسي أنا وغيري، فسنجد أننا نفعل أشياء أكثر بشاعة وقبحاً من أفعال كهذه. وإذا كان الله قد سترنا وغفر لنا ما قد فعلنا، فسنرجوه أن يغفر لنا تلك الذلة الجسيمة التي نقول فيها ربنا يحرمه/ها. 

ولا يخفى عليك أننا، حتى الآن، لم ندخل في خضم مواضيع كالجنة والنار، ومن قد فاز بالجنة ومن خسر. إننا ما زلنا نقف عند الترحم فقط، وكأن هؤلاء البشر يحملون صكوك المعرفة الدينية الصحيحة، وعليهم أن يرشدوا الناس إلى صوابهم قبل أن تضيع الأمة كلها.

لا أطمح إلى إقامة الجدل أو تغيير فكرة المعارضين. كل ما في الأمر أنني أستغرب ضرورة أن ينتصر أحد منا على الآخر، رغم أن الدين نفسه له مذاهبه الأربعة. وفي تلك القضية أو غيرها، قد تملك بين يديك أكثر من فتوى بدلائل وأسانيد صحيحة، وأنت من تختار أي طريق ستسلك

لا أطمح إلى إقامة الجدل أو تغيير فكرة المعارضين. كل ما في الأمر أنني أستغرب ضرورة أن ينتصر أحد منا على الآخر، رغم أن الدين نفسه له مذاهبه الأربعة. وفي تلك القضية أو غيرها، قد تملك بين يديك أكثر من فتوى بدلائل وأسانيد صحيحة، وأنت من تختار أي طريق ستسلك. لأننا، وأقولها بصدق، لو دققنا في حياة المرء، فكل من كان فاسداً أو قاتلاً أو كان من يكون بصفته السيئة، فلن نترحم على أحد. إن كُلّ شيء يعود إلى الله، فحتى لو ترحمنا نحن ومن بعدنا لقرون ولم يشأ ربك أن يقبل أدعيتنا، فلن يقبلها. لنترك خلق الله لله، ولنرتَح قليلاً من التنظير والمبارزات الوهمية. ولنوفر طاقتنا وصراعاتنا إلى ما هو أنفع، لأننا على الأغلب لن نكف عن طلب الرحمة.ولا بد أن تكتمل الصورة بشكل صحيح. لا أمانع أنا وغيري - ممن يدعون إلى الحوار والتفكر وطرح الأسئلة من منطلق الفهم – من أن نصنع سجالاً أدبياً دينياً يليق بفهم أمور عدة، كالعقيدة والإيمان، لأن هذا أمر يفيد الأمة أجمع، وهو نوع من ممارسة الحق في إبداء الرأي والتعلم.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard