هل الإفلات من العقاب ظاهرة عربية؟

السبت 9 أبريل 202201:14 م

هناك حدثان استوقفاني في الأيام الأخيرة. الأول يتعلق بملاحقة أعضاء جمعية "تنوير" الليبية، وهي بمثابة ملتقى ثقافي للشباب الليبي، والثاني بأطوار قضية مشجع النادي الإفريقي، الذي يُعد من أعرق الأندية الرياضية في تونس، عمر العبيدي، الذي تقول بعض الروايات إن شرطياً دفعه ليسقط في مياه وادٍ قريب من ملعب رياضي في تونس.

تحيل هذه الحوادث مباشرةً إلى ظاهرة الإفلات من العقاب في الدول العربية. فبالنسبة إلى جمعية تنوير، قد قررت حل نفسها بسبب الإيقافات التي طاولت عناصرها.

لكن بما أن الحكومة الليبية متفرغة لملاحقة هذه الجمعية بتهمة لا أساس لها من الصحة، وهي نشر الإلحاد، فماذا فعلت هذه الحكومة التي يرأسها عبد الحميد الدبيبة لكشف حقيقة اغتيال انتصار الحصائدي، أحد أبرز مؤسسي الجمعية؟

لقد قُتلت الحصائدي إثر تعرضها للخطف عام 2015، قبل العثور عن جثتها في الصندوق الخلفي لسيارتها، ولم يتم إلى الآن كشف الجناة، شأنها في ذلك شأن بقية عمليات الاختفاء القسري والاختطاف.

أما قضية العبيدي، فقد مرت أربع سنوات على حادثة وفاته التي وحّدت الجماهير التونسية في موقف نادر في الواقع، لأن هول الصدمة كان قوياً، حتى أن تلك الجماهير أطلقت حملةً للضغط على السلطات لكشف الحقيقة، وأيضاً لاستذكار الفقيد، وهي حملة "تعلّم عوم (اسبح)"، في إشارة على ما يبدو إلى الألفاظ الأخيرة التي أطلقها الشرطي، والتي دفعت الشاب التونسي إلى رمي نفسه في الوادي.

القاسم المشترك بين هذه الأحداث كلها، هو إفلات الجناة من العقاب، إذ يحظى هؤلاء عادةً بحصانة تحول دون تقديمهم إلى العدالة، فلا المواطن العادي قادر على جرّ الأمني الذي له "هيبة" توفرها له الأنظمة الاستبدادية، أو تلك التي تتباهى بمفاهيم الديمقراطية لكنها تستعين بالأجهزة الأمنية لقمع احتجاجات سلمية إلى أروقة العدالة

شهدت الدول العربية حتى أمد غير بعيد، حوادث لا يزال جرحها ماثلاً، على غرار انفجار مرفأ بيروت في آب/ أغسطس 2020، وقمع انتفاضة تشرين الأول/ أكتوبر 2019 العراقية، وحالات الاختطاف التي تكاد تكون يوميةً في ليبيا.

وفي المغرب، لا يزال ناصر الزفزافي، قائد حراك الريف، يقبع في السجن بالرغم من تخلّيه عن قيادة هذا الحراك. وفي الجزائر، يتعرض المئات من الناشطين للاعتقال بسبب آرائهم. وبالرغم من نفي الرئيس عبد المجيد تبون وجود معتقلي رأي أصلاً، إلا أنه أصدر مؤخراً عفواً للإفراج عن بعض هؤلاء.

وفي مصر يخوض معتقلون عديدون إضراباً عن الطعام في موجة هي الثانية من نوعها، لكنها تتزامن هذه المرة مع شهر رمضان.

وفي دول الخليج العربي، لا يمكن حصر حجم الانتهاكات بدءاً بالإعدامات التي تنفَّذ في العربية السعودية، وليس انتهاءً بالانتهاكات في حق العاملين الأجانب الذين يجهّزون لكأس العالم في قطر، أو قمع الحريات في الكويت أو غيرها، وهذه كلها أمثلة حديثة من دون النبش في غياهب التاريخ.

والقاسم المشترك بين هذه الأحداث كلها، هو إفلات الجناة من العقاب، إذ يحظى هؤلاء عادةً بحصانة تحول دون تقديمهم إلى العدالة، فلا المواطن العادي قادر على جرّ الأمني الذي له "هيبة" توفرها له الأنظمة الاستبدادية، أو تلك التي تتباهى بمفاهيم الديمقراطية لكنها تستعين بالأجهزة الأمنية لقمع احتجاجات سلمية إلى أروقة العدالة، ولا نفوذ بعض الأحزاب والتيارات مثل حزب الله في لبنان وحركة النهضة في تونس والإخوان في ليبيا أو غيرها، يسمح بتحقيق تقدم في ملف تحوم شبهات حول تورطها فيه.

ومؤخراً، سلّط محققون أمميون الضوء على ظاهرة الإفلات من العقاب في ليبيا، خاصةً عندما أسِف هؤلاء لاستمرار الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان في معظم أنحاء ليبيا، والتي تشمل جرائم محتملةً ضد الإنسانية، وسط انتشار ثقافة الإفلات من العقاب، ما يعرقل انتقال البلاد إلى السلام والديموقراطية.

وفي تقرير حديث، حذّرت لجنة تحقيق دولية مستقلة لتقصي الحقائق في ليبيا، من أن الانتهاكات المتعددة والواسعة النطاق تهدد نزاهة العملية الانتخابية وجهود التحرك نحو الديمقراطية.

هذه الأمثلة ليست إلا غيضاً من فيض التاريخ العربي الحافل بالانتهاكات التي طوى بعضها النسيان، وهو ما يساهم في تكريس هذه الظاهرة.

وقال رئيس اللجنة محمد أوجار، في تصريحات للصحافيين في جنيف السويسرية: "لن يكون هناك سلام من دون وضع حد لهذه الانتهاكات، ولن تكون هناك ديمقراطية من دون وضع حد للإفلات من العقاب".

لقد فاقم نفوذ الميليشيات المتمركزة غرب ليبيا الانتهاكات لحقوق الناشطين الليبيين، ولو أن الأمر لا يختلف كثيراً في شرق البلاد حيث تطال الاغتيالات حتى كبار قادة الجيش الليبي بقيادة المشير حفتر، وهناك عمليات اختفاء قسري مثل تلك التي طالت النائبة سهام سرقيوة التي لا يزال مصيرها يكتنفه الغموض.

اللافت أنه حتى في حال انقشاع سحابة الظلم وانهيار نفوذ الجناة أو ارتخاء قبضتهم، فليس من الوارد أن يرتاح الضحايا بمنحهم حقوقهم، إذ يتحول ملفهم في أكثر من مناسبة إلى مجال للمناكفة السياسية.

ولعلّ ملف العدالة الانتقالية في تونس أبرز مثال على ذلك، فقد حولت حركة النهضة الإسلامية التي أمسكت بزمام الأمور في البلاد بعد مغادرة الرئيس الراجل زين العابدين بن علي، هذا الملف إلى ما يشبه العدالة الانتقامية، عندما أصبح هدفها التشفي من رموز النظام السابق أو التفاوض مع بعضهم وحتى ابتزازهم مع استمرار المزايدة في هذا الملف.

وما زاد الطين بلةً، هو إصرار الحركة على التعويض مادياً على الآلاف من أنصارها، في خطوة أفرغت العدالة الانتقالية من مضمونها، وعجلت في سقوط النهضة نفسها إثر غضب الشارع على تلك المطالبات بالتعويض في عز وباء كورونا الذي حصد الآلاف من أرواح التونسيين.

في ظل نجاحهم في الإفلات من العقبات، يتحول هؤلاء الجناة، أفراداً كانوا أو جماعات، إلى ما يشبه الدولة داخل الدولة، ويصبح الحديث عن دولة ومؤسسات بمثابة كلام فضفاض، إذ لا يؤدي معناه الحقيقي في ظل عجز تلك المؤسسات عن أداء دورها في تكريس دولة المواطنة

وحتى الهيئة التي كان مُناطاً بها تحقيق العدالة الانتقالية، وهي هيئة الحقيقة والكرامة، فقد تم تسجيل قيامها بتجاوزات عدة، ناهيك عن شخصية رئيستها سهام بن سدرين الجدلية، والتي يقول ناشطون حقوقيون في تونس إنها تتحمل جزءاً كبيراً من مسؤولية تعثر مسار العدالة الانتقالية.

وهذه الأمثلة ليست إلا غيضاً من فيض التاريخ العربي الحافل بالانتهاكات التي طوى بعضها النسيان، وهو ما يساهم في تكريس هذه الظاهرة.

في المحصلة، وفي ظل نجاحهم في الإفلات من العقبات، يتحول هؤلاء الجناة، أفراداً كانوا أو جماعات، إلى ما يشبه الدولة داخل الدولة، ويصبح الحديث عن دولة ومؤسسات بمثابة كلام فضفاض، إذ لا يؤدي معناه الحقيقي في ظل عجز تلك المؤسسات عن أداء دورها في تكريس دولة المواطنة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard