العُملة الإسلامية الأولى... صراعات التزييف والتحريم والترويج السياسي

الاثنين 13 يونيو 202201:13 م

بالرغم من الأهمية الكبيرة التي أعطاها الإسلام للمعاملات المالية، ولمحاربة ظاهرة الربا، وحصر الثروات لتحديد الزكاة وتوجيه مصارفها الشرعية، فإن النبي محمد لم يتجه إلى ضرب عملة مستقلة، بل ترك تقرير مسألة التعامل المالي لأهل مكة.

وقبل ظهور الإسلام، كان العرب يتداولون عملات أجنبيةً مختلفة الوزن، منها الدراهم الساسانية، والدنانير البيزنطية، وعملات يمنية قديمة. وتجنباً للاختلافات والفروق بين العملات، فضّلوا التعامل بها وزناً لا عدّاً، فأقرّ ذلك النبي بقوله: "الميزان على ميزان أهل مكة"، وفق ما أخرجه البيهقي في كتابه "السنن الكبرى/ كتاب الزكاة".

لاحقاً، ظهرت خطوات عدة لتعريب العملة وتوحيدها وضبط أوزانها، إلى أن توّجها الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان (ت. 86هـ)، بإصدار عملة عربية خالصة من المسكوكات، عام 77هـ.

وطوال المراحل المبكرة لسك العملة، رصدت المصادر التاريخية ما رافقها من استغلال سياسي، وخاصةً من ناحية الثائرين والخارجين على السلطة، كما رصدت حوادث التلاعب بالسكة وتزييفها، عدا الجدل الديني والفقهي حول مشروعية التعامل بعملات تحمل نقوشاً لبعض آيات القرآن الكريم.

مراحل تعريب العملة

بعد إقرار التعامل بالعملة الأجنبية، اقتصرت جهود الخلفاء الراشدين على تحديد أوزانها، ليستقر الدرهم على سبعة أعشار الدينار وزناً، وحُوّر شكل بعض العملات لتصبح مستديرةً لو كانت في شكل النواة، ونُقشت عليها كتابات عربية مثل: "بسم الله ربي"، و"محمد رسول الله".

وجاء اتجاه المسلمين نحو الكتابة على الدراهم الساسانية انعكاساً للانتصارات المتوالية على الفرس في معارك فاصلة، مثل القادسية ونهاوند. وبحسب ناهض عبد الرزاق، في كتابه "المسكوكات وكتابة التاريخ"، "هذه العملية أكدت انهيار الدولة الساسانية، إذ إن تغيير مسكوكات دولة ما يعني ضعفها وقد عُدّت المسكوكات منذ أقدم الأزمنة من مستلزمات الدولة، وأي تلاعب أو تغيير في هيئتها يعني ضعف سلطة تلك الدولة".

ولم يسلم الدينار البيزنطي من التعديلات، فنُقشت أسماء الحكام عليه، ومُحي جزء من الصليب لتحريف شكله إلى حرف (T)، وغُيّر موضع حروف في العملة الأصلية. وقد تكون هذه التعديلات هي التي أزعجت إمبراطور الروم، جستنيان الثاني، فأرسل تهديداً للخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، بأنه سيكتب عبارات مسيئةً إلى الإسلام على الدينار.

ووفقاً لما ذكره الباحث محمد باقر الحسيني، في كتاب "تطور النقود العربية والإسلامية"، فإن المصادر الأجنبية ترى أن وصول كميات كبيرة من العملات المنقوشة بعبارات عربية من الرسالة المحمدية إلى أيدي البيزنطيين هو ما أثار غضب إمبراطور الروم. أما المصادر العربية، فتُرجع السبب إلى قضية تصدير أوراق البردي، واستبدال ختم القراطيس بشهادة التوحيد الإسلامية بدلاً من كلمات العقيدة المسيحية: "باسم الأب والابن والروح القدس".

وبحسب الحسيني، تلقّى عبد الملك بن مروان المشورة من خالد بن يزيد (ت. 90هـ)، ومحمد بن علي بن الحسين المعروف بالباقر (ت. 114هـ)، وكلاهما أرشده إلى الاعتماد على المَهَرة من الصنّاع لضرب سكة خاصة بالمسلمين.

حينها، تركزت السلطة في يد عبد الملك بن مروان. هكذا يصف حسان علي حلاق، مرحلة إصدار العلمة المستقلة، لأن الخليفة أصبح يسيطر على دولة عربية واحدة تضم مصر والشام والعراق وفارس، ورأى أن ضرب العملات ضرورة لازمة اقتضتها الظروف لتدعيم البناء الاقتصادي والسياسي القومي للدولة، بحسب كتابه "تعريب النقود والدواوين".

تزييف العملة

بالرغم من عدم وجود أسواق محكومة يمكن من خلالها قياس فقدان قيمة العملة، وبالرغم من أنه لم تكن توجد بنوك ومصارف مركزية تستطيع تحديد ذلك بشكل دقيق، يرصد المؤرخون نوعاً من تزييف العملة شهده التاريخ المبكر للسكة العربية، ربما أثَّر على عمليتَي البيع والشراء.

في رسالته الصغيرة المسماة بـ"النقود الإسلامية"، يذكر المؤرخ تقي الدين المقريزي (ت. 845هـ)، روايتين حول غش المسكوكات. المدهش في روايتيه أنهما تتحدثان عن تزييف المسكوكات المتداولة قبل سك عملة عبد الملك بن مروان المستقلة.

قبل ظهور الإسلام، كان العرب يتداولون عملات أجنبيةً مختلفة الوزن، منها الدراهم الساسانية، والدنانير البيزنطية، وعملات يمنية قديمة. وتجنباً للاختلافات والفروق بين العملات فضّلوا التعامل بها وزناً لا عدّاً...

وبترتيب معكوس، تحدد الرواية الأولى الشخصية الأولى الضالعة في تزييف الدراهم، وهي: "أول مَن غش الدراهم وضربها زيوفاً عبيد الله بن زياد، حين فرَّ من البصرة سنة 64هـ". وابن زياد هو أحد رجال الدولة الأموية، تولى العراق وهرب منه بعد استيلاء مصعب بن الزبير عليه، وقُتل في مواجهة مع جيش المختار الثقفي عام67 هـ، واستغل فرصة الحرب وضرب سكةً مزيفةً قلَّ فيها وزن المسكوكة.

أما الرواية الثانية، فلا تتحدث عن السبق في التزييف، لكنها تنقل واقعةً حدثت في عهد معاوية بن أبي سفيان (ت. 60هـ)، مما يعني أن الغش سبق عبيد الله بن زياد. وتقول الرواية إن شيخاً من الجند دخل على معاوية يحمل ديناراً رديئاً، ويقول: "يا معاوية، وجدت ضربك شرّ ضرب". فأجابه برفق: "لا حرمناك عطاءك، ولأكسونَّك القطيفة". ويظهر من الرواية كيف استوعبت سياسة معاوية اللينة تعنيف الرجل الذي عدَّ اللعب في وزن العملة نوعاً من الفساد تمارسه السلطة السياسية.

لذا، يمكن القول إن التزييف بدأ بتقليل الوزن، وسبق ضرب السكة، ويبدو أن العرب برعوا في صياغة النقد الأجنبي ومحاكاته، وتكونت لديهم قدرات هائلة في الصناعة، تجعلهم يعتمدون النقد الخاص بدولتهم، وهو ما تحقق لاحقاً في عهد عبد الملك بن مروان، الذي كتب إلى عامله الحجاج بن يوسف الثقفي (ت. 95هـ)، والي العراق، وأمره بضربها، وفقاً لما أورده المقريزي في "النقود الإسلامية".

المسكوكات الحرام والمكروهة

على غرار الدينار البيزنطي، وضع عبد الملك بن مروان عملته التي تحمل صورة فارس عربي يتمنطق بالسيف. واختلف الباحثون حديثاً حول ما إذا كانت الصورة للخليفة أم لفارس عربي على العموم، كما اختلف قديماً الفقهاء حول شرعية التعامل بالعملات المصورة، في ظل النهي عن الصور في الإسلام، كما يعتقدون.

وخلافاً لرأي التحريم، يتفق كل من الحسيني وحلاق مع ما ذهب إليه عبد الرحمن فهمي، مؤلف "فجر السكة العربية"، ويقتبسان منه "أن كراهية الإسلام للنقود المصورة لم يكن لها وجود حتى في أشد الفترات حماسةً للدين الإسلامي منذ عهد النبي الذي تعامل بالدراهم والدنانير المصورة، بل فرض الزكاة أيضاً بهذه السكة". ويرى فهمي "أن كراهية الإسلام للصور دون التماثيل -إنْ كانت- لم تكن أكثر من مجرد رأي خاص أو مبدأ اعتنقه بعض العلماء وشُرَّاح الشريعة الإسلامية".

وللمقريزي رواية ربما تؤيد رأي فهمي، وهي أنه على الرغم من إنكار بعض أهل المدينة للعملات المصورة، فإن سعيد بن المسيب (تابعي وفقيه توفي عام 94هـ)، كان "يبيع بها ويشتري ولا يعيب من أمرها شيئاً".

وبدورها، تسببت مسكوكات الحجاج في جدل ديني جديد، بعدما وصلت إلى المدينة وعليها نقش في مركز الوجه: "الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد"، ويطوقها "بسم الله". ضُرب هذا الدينار سنة 77هـ، وفي مركز الظهر "لا إله إلا الله وحده لا شريك الله"، ويطوقها "محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله"، وفق ما أورد ناهض عبد الرزاق في "المسكوكات وكتابة التاريخ".

جاء اتجاه المسلمين نحو الكتابة على الدراهم الساسانية انعكاساً للانتصارات المتوالية على الفرس في معارك فاصلة مثل القادسية ونهاوند، إذ إن تغيير مسكوكات دولة ما يعني ضعفها

بجوار فقهاء تحريم الصور، وقف قُرَّاء القرآن الكريم الذين استاؤوا مما فعله الحجاج قائلين: "قاتل الله الحجاج، أي شيء صنع للناس؟ الآن يأخذه الجنب والحائض!". ويدافع القُرَّاء عن رفضهم بنص الآية "لا يَمَسُّه إلا المطهرون" (الواقعة: 79)، وسمّيت عملته آنذاك بـ"المكروهة".

وبوصفه "لا يُفتى ومالك في المدينة"، على ما قيل، دخل الإمام مالك بن أنس (ت. 179هـ)، على خط الأزمة، بعدما سُئل حول مس النقود المنقوشة بالذكر الحكيم، وضرورة تغييرها، فأجاب بجوازها قائلاً: "أول مَن ضُربت على عهده عبد الملك بن مروان، والناس متوافرون، فما أنكر أحد ذلك، وما رأيت أحداً من أهل العلم أنكره، ولقد بلغني أن ابن سيرين كان يكره أن يبيع بها ويشتري وما إلى ذلك من أمر الناس، ولم أرَ أحداً منع ذلك هنا"، يعنى أهل المدينة، بحسب رواية المقريزي في "النقود الإسلامية".

ويريد مالك من قوله "الناس متوافرون"، أن الصحابة والتابعين شاهدوها وتعاملوا بها، فلم ينكرها أحد مستثنياً محمد بن سيرين (تابعي وفقيه توفي عام 110هـ). وفي إجابته، لم يلجأ مالك مباشرةً إلى البحث عن نص يبيح أو يحرم، لكنه استند إلى أصل من أصول مذهبه والمعروفة باسم "عمل أهل المدينة".

ويستكمل المقريزي سرد المرويات المتخوفة من إثم تداول العملة المكروهة، ويروي أن الجدل استمر حتى زمن الخليفة الأموي الثامن عمر بن عبد العزيز، وقيل له: "هذه الدراهم البيض فيها كتاب الله تعالى، يقلبها اليهودي والنصراني والجنب والحائض، فإن رأيت أن تأمر بمحوها. فقال: أردتم أن تحتج علينا الأمم أن غيّرنا توحيد ربنا واسم نبينا".

وخوفاً من التشنيع على المسلمين، رأى عمر بن عبد العزيز ترك العملة من دون تغيير، حتى لا يدفع محو الآيات الأمم المجاورة أو التي تعيش في كنف الدولة الأموية، للسؤال عن سبب حذف كلمة التوحيد واسم نبي الإسلام.

"سنّة الفاسق أو المنافق"... الصراعات السياسية

قبل ضرب السكة العربية، استغل المناوئون لسلطة الدولة الأموية المسكوكات من أجل الترويج لثوراتهم، فزُجّ بالسكة في خضمّ الصراعات السياسية، في وقت لم تكن هناك عملة عربية، وجرى إدخال تعديلات على العملات الساسانية والبيزنطية.

مثلاً، بعدما أعلن عبد الله بن الزبير (ت. 73هـ)، نفسه خليفةً، ضرب ديناره المستدير ونقش عليه عبارة "أمر الله بالوفاء والعدل"، وشجع تداوله في المناطق المبايعة له، وضرب أخوه مصعب العملة في العراق، وتتغير الأحوال تدريجياً فيُقتل مصعب عام 72هـ، ويأتي الخبر لعبد الله الذي يحزن ويستعد بدوره لمصير مأسوي على يد جيش الحجاج، الذي يوقف التعامل بدينار الزبيرين، قائلاً: "ما تبقى من سنّة الفاسق أو المنافق شيء"، لأنها بالنسبة إلى الدولة الأموية نقد غير معترف به ويمثل تمرداً سياسياً.

وبحسب حسان حلاق، في كتابه "تعريب النقود والدواوين"، فإن "بعض الثوار والمطالبين بالخلافة فطنوا إلى أهمية العملة لكونها مظهراً من مظاهر السلطان وسمةً من سمات السيادة، فضربوا بأسمائهم عملات على غرار ما فعله الخلفاء تعبيراً عن استقلالهم، ومن هؤلاء قطريّ بن الفجاءة الخارجي، وعبد الله بن الزبير وأخوه مصعب".

ويذكر ناهض عبد الرزاق، ثواراً آخرين مثل: ناتل بن قيس، وعطية بن الأسود الحنفي، مُشيداً بسياسة عبد الملك بن مروان في القضاء على اضطرابات الثائرين ومصادرة مسكوكاتهم وصهرها ضمن خطته الإصلاحية للنقود.

ويبدو أن اتجاه الدولة لضرب سكة عربية وإسلامية خالصة، كانت تقبع خلفها بعض الأسباب غير المعلنة، مثل محاربة تزييف العملة، وسيطرة الدولة بشكل كامل على التعاملات المالية، إلى جانب القضاء على العملات المسكوكة من قبل الخارجين والمتمردين. وفي هذا الصدد، يرى حلاق أن "إشراف الدولة على ضرب نقود موحدة قد نجمت عنه فوائد جمة، إذ عملت الدولة على مراقبة ومحاربة الزيف والغش، والتمييز بين الجيد والرديء".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard