في باريس، تمكّنت أنا الغزي من زيارة حيفا للمرة الأولى... عن عرض "أحلى من برلين"

الخميس 26 مايو 202202:54 م

هل يمكن لفلسطيني من غزة أن يزور حيفا؟ الإجابة بكل بساطة: لا. حتى بعد حصوله على جواز سفر أجنبي، يبقى اسمه مدرجاً في القوائم الممنوعة لدى أجهزة أمن الاحتلال، لأنه يحمل بطاقة هوية "خضراء" (البطاقة التي يحملها الفلسطينيون الذين يعيشون في مناطق سيطرة السلطة الفلسطينية).

لكنني تمكنت من زيارة حيفا الأسبوع الماضي، وأنا في باريس، ولم يتطلب ذلك أي تصريح من أي جهة عربية أو إسرائيلية، ولم أحجز أي تذاكر لا لطائرات ولا لقطارات. كل ما قمت به هو أنني مشيت من شقتي إلى قاعة "كباريه سوفاج"، شمال باريس، لأشاهد حفل "أحلى من برلين"، للموسيقي فرج سليمان والكاتب مجد كيّال.

لكنني تمكنت من زيارة حيفا الأسبوع الماضي، وأنا في باريس، ولم يتطلب ذلك أي تصريح من أي جهة عربية أو إسرائيلية، ولم أحجز أي تذاكر لا لطائرات ولا لقطارات. كل ما قمت به هو أنني مشيت من شقتي إلى قاعة "كباريه سوفاج"، شمال باريس، لأشاهد حفل "أحلى من برلين"، للموسيقي فرج سليمان والكاتب مجد كيّال

عجّت القاعة بجمهور معظمه عربي، من فلسطين وتونس وسوريا، ولبنان ومصر وغيرها. مشهد القاعة قبل بدء الموسيقى كان أشبه بصالة الوافدين في المطار؛ أصدقاء يلتقون بعد فراق، بعضهم أتوا من بلدان أوروبية أخرى، وآخرون يتعرفون إلى بعضهم البعض للمرة الأولى. سؤال "أنت من وين؟"، كان يُطرح في كل اتجاه، وبلهجات عربية مختلفة، وكل الإجابات مقبولة في هذا السياق، فلن أتساءل مثلاً عن السبب الذي دفع صديقي اللبناني لحضور حفل لفنان فلسطيني كل أغانيه عن مدينة فلسطينية، حتى أنا الفلسطيني لم أزرها، أو عن الدافع وراء حضور فرنسية من أصل مغربي حفلاً غنائياً خالياً من الموسيقى الاستشراقية. سألت الشاب الذي يقف بجانبي: "من وين؟"، فأجاب: "فلسطيني من مخيم اليرموك، أتيت من هولندا لحضور الحفل". يا إلهي، أنا أقف بجانب فلسطيني من مخيم اليرموك، في حفل موسيقي لفنان من حيفا، وسنغنّي معاً بلهجة فلسطينية من قلب باريس. قبل خمس سنوات، عندما كنت في غزة، كل جزء من هذه الجملة كان بمثابة حلم مستحيل.

أما اليوم، فنحن في مكان واحد، أنا ومجد وفرج والشاب القادم من مخيم اليرموك، نغني "للوطن"، مع بيرة أو من دونها.

صعد فرج سليمان على المسرح، واستهل الحفل بوصلة عزف منفرد. ولعل ما يميز فرج "العازف"، برأيي المتواضع، قدرته على دمج جمل موسيقية مستوحاة من مقامات شرقية، وسط ارتجالات واسعة الخيال على البيانو، ليصنع توليفةً أخاذةً ومليئةً بالإحساس، تصل بسهولة إلى المستمعين، بغضّ النظر عن أصولهم والموسيقى التي استمعوا إليها في طفولتهم، خاصةً إذا ما أخذنا بالحسبان رشاقة أنامله وتقنيته العالية.

أما فرج "المتحدث"، وبعد حضوري أربع حفلات مختلفة له، فلم يتغير: جملٌ قصيرة ومحددة، معتمداً على المثل الشعبي "كتر السلام يقلل المعرفة".

بدأ فرج الغناء بـ"شو بدك بجوزك؟"، و"قلبي في آخر الليل"، وما أن عزف مطلع "شارع الجبل"، حتى بات صوت غناء الجمهور واضحاً، فاختفى صوت فرج، وبدأنا نصعد "كل حفة درج" في حيفا.

انفجر الحفل مع "شارع يافا" و"في أسئلة براسي"، وأصرّ الجمهور على غناء كل منهما مرّتين، تخللتهما "زغاريد" وهتافات لفلسطين بالعربية والفرنسية. ففي ظل التضييق على أي فعاليات فلسطينية في أغلب الدول الأوروبية، وفي ظل حالة الاحتقان بعد استشهاد شيرين أبو عاقلة، مثّلت تلك اللحظات فرصةً نادرةً للصراخ في وجه كل من أتى "من تل أبيب، قصدي أجا من بولندا"، وكل من حاول أن "يمحينا من القصة"، وكل من "فركش الأمل وسرق عمر المكان". وعلى الرغم من أنه لم يسبق لي أن فقدت صوتي في مظاهرة، لكنني فقدته وأنا أصرخ: "مين عربد على الناس هجّم كلاب الأمن!".

سألت الشاب الذي يقف بجانبي: "من وين؟"، فأجاب: "فلسطيني من مخيم اليرموك، أتيت من هولندا لحضور الحفل". يا إلهي، أنا أقف بجانب فلسطيني من مخيم اليرموك، في حفل موسيقي لفنان من حيفا، وسنغنّي معاً بلهجة فلسطينية من قلب باريس. قبل خمس سنوات، عندما كنت في غزة، كل جزء من هذه الجملة كان بمثابة حلم مستحيل

"إنني أعرفها، حيفا هذه، ولكنها تنكرني".
غسان كنفاني، عائد إلى حيفا

في أيار/ مايو 2021، أي قبل عام من اليوم، انطلقت هبّة فلسطينية في وجه الاحتلال تضامناً مع أهالي حيّ الشيخ جراح ودعماً لهم. انطلقت من القدس إلى كل أماكن تواجد الفلسطينيين؛ في الداخل المحتل وغزة والضفة الغربية والشتات. ومن ثم استمعنا وشاهدنا الهتاف التاريخي من ساحات الأقصى: "من شان الله، يا غزة يلا"، فتلبّي مدينتي النداء، ويقصف الاحتلال الإسرائيلي غزة، لتنطلق عندها مظاهرات في اللد وحيفا والناصرة والعالم كلّه، أوقدت فينا شعوراً بالوحدة لم يألفه جيلنا من قبل.

كيف يمكن أن نتواصل مع بعضنا البعض بهذه الطريقة، من دون أن يسبح المقدسي في بحر غزة، ومن دون أن يقفز الغزي من على أسوار عكا؟ لكن ها أنا اليوم، غزّيٌّ يقف في باريس، ويبكي "سوق العتق" والمخبز الذي تحول إلى "غاليري لأن أجواءه أوثنتيك"، ويلعن "الوحش العظيم وراس المال"، ويحلم بأن يقضي يومه في مقهى "فتوش" قبل أن ينام على شاطئ حيفا.

نجح فرج سليمان ومجد كيال، في نقلنا ولو شعورياً، إلى حيفا، أو بصيغة أخرى، إلى الوطن الذي نحلم به. كما نجحا في تعريتنا أمام كل الأسباب التي جعلتنا نهرب إلى منافينا، لنجد أنفسنا أمام الحقيقة الصارخة، بأن برلين وباريس وأمستردام، كلها عواصم "حلوة وملانة ناس"، لكننا نشتاق إلى ما تركناه خلفنا

لمحتُ مجد كيّال في كواليس المسرح، وبيده كأس شبه فارغة، ويغني البيت الثاني من "إسا جاي" مع الجمهور. العام الماضي، وفي أثناء أحداث أيار/ مايو ذاتها، اعتقلت الشرطة الإسرائيلية مجد في مظاهرة في الداخل المحتل، وفي الوقت ذاته، كنت أعيش في رعب من احتمالات فقدان عائلتي تحت القصف في غزة. أما اليوم، فنحن في مكان واحد، أنا ومجد وفرج والشاب القادم من مخيم اليرموك، نغني "للوطن"، مع بيرة أو من دونها.

نجح فرج سليمان ومجد كيال، في نقلنا ولو شعورياً، إلى حيفا، أو بصيغة أخرى، إلى الوطن الذي نحلم به. كما نجحا في تعريتنا أمام كل الأسباب التي جعلتنا نهرب إلى منافينا، لنجد أنفسنا أمام الحقيقة الصارخة، بأن برلين وباريس وأمستردام، كلها عواصم "حلوة وملانة ناس"، لكننا نشتاق إلى ما تركناه خلفنا، سواء أكان على هيئة مدينة تغيرت ملامحها بفعل القنابل كغزة، أو مدينة لم تطأها أقدامنا كحيفا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard