"عَ أمل تجي": الفيلم الذي يلمس أرواحنا

الأربعاء 25 مايو 202212:55 م

حزن عيني كريستيل، بائعة الهوى، التي يخسر إتيان عذريته معها، شتّتت انتباهه عن تجربته الجنسيّة الأولى وجعلته يرى إنكسار روحِها. بَقِيَت معه هذه التجربة، مانحةً إياه عُمقاً حكيماً في الحياة. وكما كانت تجربته في الغرفة مع كريستيل (فيروز أبو حسن) حيث سقطت ملامح الوجوه المركّبة عليهما، أَسقط المخرج جورج بيتر بربري الطبقات الزائفة التي تخفي جوهر كل شخصية في تجربته الإخراجية الأولى في فيلمه: "عَ أمل تجي" أو "The Death of a Virgin and The Sin of Not Living".

انطلق الفيلم بمسارين متوازيين حزينيين جداً وبأسلوب كوميدي ذكي. نتعرف على الشخصيات بحوارات حياتية يومية، ليتوقف الزمن بعدها ونغوص في أرواح من نرى وعوالمهم.

ممارسة الجنس لأول مرة

هو الواقع، لا ينقله. فالممثلون الذين يمثلون لأول مرة يشعرونك أنهم مجرد مجموعة مراهقين يعيشون في منطقة البترون، بلكناتهم اللبنانية الشمالية. يتهيّؤون لحدثهم المفصلي في يومهم العادي: ممارسةُ الجنس لأول مرة.

حزن عيني كريستيل، بائعة الهوى، التي يخسر إتيان عذريته معها، شتّتت انتباهه عن تجربته الجنسيّة الأولى وجعلته يرى إنكسار روحِها. بَقِيَت معه هذه التجربة، وشكّلت أحد الدوافع الأساسية لصناعة فيلم "عَ أمل تجي"

نتعرف على المراهقين الأربعة في رحلة يومهم من خلال تفاصيلهم الحياتية. يتهيؤون ليصبحوا "رجالاً" وليودّعوا أيام "الولدنة" ويدخلوا عالم الذكورية الملوّثة، بالمعنى المجتمعي-الثقافي-اللبنانوي للكلمة.

ما يميّز الفيلم برأي مخرجه اللبناني الأرجنتيني بشكل جوهري هو أداء ممثليه. يعبّر بربري: "الفيلم لا يصوّر المشاعر بل يكوّنها، وهذا هو السبب الرئيسي الذي يجعل المشاهد (يشعر)". أيضاً يؤمن بربري أن انسيابية الحوار ولكنته البترونية اللبنانية تضفي حسّاً مميزاً عليه، إذ لم يحاول المخرج إخفاء اللهجة. يسأله الشباب الممثلون كيف يمكن لبيروتي أن يفهم ما يتحدثون خاصة أنهم في البترون "يأشأشون"(يستخدمون كلمة "إش" وتعني ماذا أو "شو"). فيرد عليه جورج بلكنتهم البترونية التي يتكلّمها هو نفسه: "إنت إش فرقانة معك؟ إنت كون إنت، والبيروتي رح يفهم ما تعتل هم".

يؤدي كل من الشباب الأربعة، الذين تدرّبوا مع المخرج جورج بيتر طوال سنوات أربع أو أكثر، "نموذجاً لبنانياً"، نستنتج من مناقشاتهم خلفياتهم العائلية. نتعرف من خلالهم على ثقافة وإيديولوجية كل عائلة ينتمون إليها، ومخاوفها التي أسقطوها عليهم، أو على بعضهم.

يعبّر المراهقون الأربعة في فيلم "عَ أمل تجي" عن هواجسهم وهواجس أبناء جيلهم ومخاوفهم وجهلهم في كيفية التعرّف على أنفسهم. والمحزن أنهم كلهم يعرفون جوهر هوياتهم الإنسانية: ماذا يريدون حقاً، وما يجعلهم سعداء. رغم ذلك، يخفون أنفسهم وأحلامهم ويدفنونها لأسباب تافهة

يعرض الفيلم شخصية السياسي النرجسي المتفاخر الكثير الكلام والقليل الفعل أو اللافعل: جان بول. رغم أن جان بول من الشخصيات التي لا نتعاطف معها كثيراً، لكننا نرى أنه "الضحية المُثلى" للذكورية السّامة التي نشأ عليها وجرفته معها. فحلمه بأن يصبح ممثلاً يخفيه وراء خوفه من مجتمع يدّعي الحرية والانفتاح وتقبّل الآخر، ولا يكون شيئاً من كلّ ذلك. هنالك الشاب المهذّب الهادئ والحسّاس الذي يحاول استكشاف نفسه بحذر لأنه لا يعرف بعد ما هي الطريقة الأفضل لفعل ذلك: إتيان. ولدينا ابن الشارع الذي لا يملك المال لكنه يملك الحيلة والحنكة، يصطلح عليه لقب: "أبو رَبَّا": عدنان. كذلك "الراضي"، قليل الكلام، أقصى طموحاته عمل يؤمّن ملئ "المنقل والكاس" له ولعائلته، راحة البال وتعليم الـ Ski لابنه: دنكورة.

هواجس المراهقين الأربعة

يعبّر المراهقون الأربعة عن هواجسهم وهواجس أبناء جيلهم ومخاوفهم وجهلهم في كيفية التعرّف على أنفسهم. والمحزن أنهم كلهم يعرفون جوهر هوياتهم الإنسانية: ماذا يريدون حقاً، وما يجعلهم سعداء. رغم ذلك، يخفون أنفسهم وأحلامهم ويدفنونها لأسباب تافهة كنظرة المجتمع والناس لهم، كمفاهيم الحريات (أو عدمها) المُسقَطَة عليهم، الذكوريّة المؤذية، قلّة الوعي أو عدمه، المكانة الاجتماعية ومعاييرها.

المونولوغ الذاتي للشخصيات إنساني جداً ويصنع هوية الفيلم. يروي كل منهم شريط حياته كيفما رسمها، فنتفاجأ بالحيوات المختبئة وراء وجوه ضاحكة، متعبة، حزينة، ناعسة، مسنّة وبريئة. كسبت الشخصيات تعاطف المشاهد حتى لو لم يتعدّ ظهور بعضها المرة الواحدة. فقد تلقّى المخرج الكثير من الرسائل الشخصية تعبّر عن إعجابها بمختلف شخصيات "عَ أَمَل تِجي" إن كان إتيان (إتيان عسل)، أم إتيان (ماريا دويهي)، عدنان (عدنان خبّاز)، دنكورة (إلياس سعد دنكورة)، جان بول (جان بول فرنجيه) وغيرهم.

يناقش فيلم "عَ أمل تجي" أزمة الشباب في الثقافة الجنسية المغيّبة في المدارس اللبنانية وفي المجتمع. فنرى كيف يلجؤون لبدائل، كالأفلام الإباحية وخبرات بعضهم وأوتيلات بائعات الهوى لـ"يستحقّوا عرفياً" التأهّل لمرحلة الرجولة، على الطريقة اللبنانوية

وأم إتيان خير مثال على ذلك: "يا ريت حبني أقل"، الجملة التي تخترق القلب. جعلتنا ننغرم بها ونتساءل عن شكل ذلك الحب الذي يصل "حدّ العبادة". قالتها أم إتيان والتي تبدو لنا أنها أم عادية، تعتني بابنها وابنتها، لكنها تفرّغ حزن فقدان زوجها بكتابة الشعر سراً.

نلمس الإنسان الذي بداخلهم ونرثي معهم أحلامهم، والأهم هوياتهم الحقيقية التي فيها فرحهم وشغفهم والتي اختار بعضهم دفنها. نستنتج أن لبنان ليس حراً كما ندّعي. تكبّل قيوده الشفافة اللبنانيين بحرياتهم وأحلامهم.

خفّف جورج بتحفته السينمائية الإنسانية من وحدة الكثيرين، وكان ذلك من أهدافه كمخرج. تلقّى الكثير من الرسائل الشخصية عبر التطبيقات والسوشال ميديا، سواء من أصدقائه المقرّبين أومن مشاهدين لا تربطه بهم معرفة شخصية، أنه بفيلمه جعلهم "يشعرون بأنهم أقل وحدة في هذا العالم".

الفيلم إنساني بعمقٍ وخفة، حبكته وانتقائية كلماته وانسيابية سيناريو المراهقين والمونولوغات الفرديّة عميقة بشكل تجعلك ترى أبعد بكثير وأعمق بكثير من الصورة أو الشكل الذي أمامك.

سيناريو الفيلم

سيناريو الفيلم الذي أنتجه Bee on Set Production للمنتجتين كريستيل يونس ورين سمعان، واقعي جداً وفطري بمصطلحاته، بكلماته، بسبابه، بنكاته وسخرياته. يناقش أزمة الشباب في الثقافة الجنسية المغيّبة في المدارس وفي المجتمع بأسلوب "بشيل الهم عن القلب". فنرى كيف يلجؤون لبدائل، كالأفلام الإباحية وخبرات بعضهم وأوتيلات بائعات الهوى لـ"يستحقّوا عرفياً" التأهّل لمرحلة الرجولة، على الطريقة اللبنانوية وكيفما اتفق.

لم يحقق جورج بيتر ما حقّقه بأسهل الطرق، ففيلم تخرجه تعلّم منه الكثير. يعترف أنه وقتها كان يستهدف الجمهور الأوروبي ومهرجان "كان" وما يتوقّعون مشاهدته من مخرج لبناني. بعدما أنجزه اكتشف أنه كان يهرب من مجتمعه. عندها علم بحاجته لاحتضانه، فهو المكان الذي نشأ فيه ويحبه، وقرّر أن يكون فيلمه الأول عنه وإليه. وذهب عميقاً في ذلك، بإيمانه أنه يحقّ للبنانيين واللبنانيات مشاهدة أفلام تلمسهم من الداخل، تتكلّم لغتهم، وتشعرهم تماماً بما يشعرون به.

يكرّر مشاكل المجتمع اللبناني بخفة مضحكة ومحددة في بعض الحالات، وهذا تفصيل مهم لعرضه شؤون أساسية في يوميات المواطن اللبناني، مهملة من قبل الدولة والمعنيين بها.

تقول الدكتورة زينة طرّاف، المحاضرة في دراسات الميديا في الجامعة الأميركية في بيروت، إن المخرج صنع هذا الفيلم لأنه مرَّ بتجربة بقيت معه. وتظن أن الطريقة التي أنهى بها الفيلم وهو منتبه لهذه المرأة التي يخسر عذريته معها، وأنها إنسانة لديها معاناتها وألمها وحياتها وهي ليست فقط هذا السطح، هي التي صنعّت مسار الفيلم وطبّقها على سائر شخصياته. وترى أن الفيلم مميز وفريد بالطريقة التي صُنِع بها.

أفضل أنواع الأفلام تلك التي لا تحاضر بك. و"عَ أمل تجي" ليس فيلماً عن حقوق المرأة. من أفضل ما يميّزه طرحه لهذه القضايا بشكل تلقائي، إنه ليس فيلماً يحاول تعليمنا شيئاً

برأي الدكتورة طرّاف أنّ ما يميّز "مقتل عذراء وخطيئة عدم العيش"، حقيقة أنه صُوِّر في البترون، واقعيته اليومية، وعدم تناوله لذاكرة الحرب الأهلية. أيضاً، يأتي الفيلم من جيل جديد من صانعي الأفلام اللبنانيين، لديهم تجارب مختلفة ويعرفون ما يقولون ويريدونه أن يصل.

وذكر المخرج بربري ذلك في مقابلته معنا: "لا أريد أن أكسب الشهرة عبر منع فيلمي، أريد لرسالتي الوصول وللفيلم أن يُعرض ويُشاهد". يذكر المخرج ضاحكاً: "عندما ذهبت للأمن العام لتلقي الإذن بالتصوير نظر إليّ الموظف وقال: نحنا بزحلة ما منسب هالأد. ضحكنا سوياً وسارت الأمور بسلاسة".

 ما هو مثير للاهتمام برأي الدكتورة طرّاف: "علمنا من حديثنا مع صانعي أفلام أن المخرج تعذّب في إيجاد تمويل، خاصة إذا ما كنت تحاول إيجاد تمويل أجنبي. هنالك قصص من نوع خاص عن لبنان يتوقعها المموّل الأجنبي أن تُسرَد، وهذه القصة ليست كذلك، وهذه من الأسباب التي تميّزه. والمخرج بربري ليس لديه فيلم روائي من قبل، ما أضاف لأسباب صعوبة إيجاد تمويل".

أهمية الفيلم

وتكمن أهمية الفيلم كما تشرح الدكتورة زينة:" أفضل أنواع السينما دائماً ما تُري شيئاً مخفياً، لا نراه، شيئاً أعمق من السّطح. أظن هذا الفيلم فعل ذلك بشكل جيّد. لأنه على السّطح بسيط جداً، هؤلاء المراهقون مع الذكوريّة المؤذية وكل الأحداث والتصرفات التي نتوقعها من الشباب لكنها كلها تذهب أعمق من السّطح".

فالفيلم بنظرها، يفكّك الذكورية المؤذية من ناحية، ومن جانب آخر، يُؤنسِنُ كثيراً. فترى أن أداء كريستيل رائع جداً لأن فيه الكثير من الأنسنة لهذا الجانب ليلفت انتباهنا لإنسانيتنا المشتركة، ويفعل ذلك بأسلوب "مجرّد" وبسيط بعيداً عن "تلقين الدروس"، ولهذا تظن أن الجميع يجب أن يشاهده.

وما يجعل هذا العمل السينمائي ""بفوت جواتك" بطريقة مميزة، كما عبّرت الدكتورة، أن اللغة والطريقة التي تتكلّم بها الشخصيات تعكس واقعاً معاشاً، فاستعانة المخرج بأناس حقيقيين، وليس بممثلين، يتكلمون في الحياة العادية كما يتكلمون في الفيلم، يثير هذه المشاعر.

تضيف طرّاف لأسباب تميّز العمل قدرته على أن يُري المشاهد شخصية كمجرم وضحية في نفس الوقت: "أحب هذه  السينما التي لا تعطي التصنيف الأبيض والأسود والخير مقابل الشر".

تعطي مثالاً على ذلك من خلال جان بول الذي، برأيها، هو تمثيل للذكورية السّامة وضحيتها أيضاً، ونرى هذا الجانب المرهف فيه، فهو، كما تراه طرّاف، ليس شخصية الفرد بنفسها، هو الجو العام بما فيه من التنمّر والسخرية والاستهزاء والشجار. جوّ المراهقين العام هو تجسيد لهذا. تعتقد أن جان بول يمارس الذكوريّة المسيئة ويضيف عليها، لكن بطريقته الخاصة، عندما نرى جوانب مرهفة ورقيقة منه وحلمه بأن يصبح ممثلاً في السر. ترى في ذلك دعوة من المخرج لنرى أنه هو أيضاً ضحية هذه المنظومة والإيديولوجيا، وواضح أنها مفروضة عليه بالقوة من خلال مثال أعلى له، كالوالد أو أصدقاء الوالد.

تضيف الدكتورة المحاضرة في الجامعة الأمريكية في بيروت: "يمكننا أن نُكَوِّن هذا الافتراض عنه بشعوره بالكآبة أنه يعيش طبقاً لتلك المعايير، خاصة عندما نرى هذا الجانب الذي يخفيه. وبهذه الطريقة يدعونا الفيلم للتخلي عن تلك الثنائيات (الأبيض والأسود والخير مقابل الشر)".

تعرّف الدكتورة زينة الذكورية المؤذية: "يمكن أن أصفها أنها هذا العرض العدواني - العنفي للرجولة، ولا يوجد مكان أو مساحة لأن يكون الرجل معرّضاً للهشاشة أو الضعف أو التأثر. وأعتقد أن هذه الذكوريّة السّامة مؤذية للنساء بشكل واضح، لكنها أيضاً مؤذية للرجال. التوقعات التي تأتي مع الذكوريّة السّامة للرجال بعدم إظهار ضعفهم وحساسيتهم، يمكن أن تؤدي لإبعادهم".

وفيما يخصّ أزمة الثقافة الجنسيّة في لبنان التي يتطرق إليها الفيلم، وكل ما يرافقها من معايير مزدوجة وذكورية، تعلّق الدكتورة طرّاف: "هذه العقلية: نحن لا نمارس الجنس مع زوجاتنا ونخسر عذريتنا لبائعة الهوى... يشكّل معضلة مشتركة لدى الرجال والنساء. وتحصل في لبنان لأن هذه المعايير مزدوجة عن الجنس وغير منصفة، والفيلم ينتقدها ويتحدّاها. وهذا من الأسباب التي تجعله مهماً".

ترى طراف أن الفيلم فريد من نوعه، فعل شيئاً لم نشاهده بعد في السينما اللبنانية وتعتقد أنه سيشكل مرجعاً ومفصلاً سينمائياً.

رغم أن الفيلم يروي مغامرة فتيان مراهقين، يتطرّق لقضايا المرأة في الحب، الإجهاض، الدعارة، الأسرار غير المرغوب في وصولها للنور.

تقول الدكتورة زينة: "أفضل أنواع الأفلام تلك التي لا تحاضر بك. و(عَ أمل تجي) ليس فيلماً عن حقوق المرأة. من أفضل ما يميّزه طرحه لهذه القضايا بشكل تلقائي، إنه ليس فيلماً يحاول تعليمنا شيئاً. يسمح برؤية هذه الجوانب من خلال ملاحظتها مع الشخصيات. ويشجع على التفكير بهذه القضايا لكن من دون تأثّر مسيرة الفيلم وتطوّر الأحداث بها. يفعل ذلك بهدف لفت نظر المشاهد لملاحظة إنسانية مشتركة من خلال أنسنة جميع الشخصيات وجعل تجاربهم مشروعة".

الفيلم الكوميدي موجع. اختار المخرج إضحاك المشاهد على الأوجاع والحقائق المؤلمة. ويدعو السيناريو لطرح أسئلة ذاتية وجودية.

فبرغم الظروف التي نمر بها يضحكنا الفيلم على المأساة بدل البكاء عليها. تعترف طراف أنه هناك الكثير من الحزن في هذا الفيلم، لكنها تظن أنه يلتقط شيئاً عن الحياة يستطيع الوصول لهذا التوازن بين الخفة دون عزل عمقها. وتعبر عن حاجتنا للتكلّم عن مواضيع جادة في هذه الأوقات، لكن دون أن نعيش ما نعيشه مرتين، فالفن هو فضاء ومساحة مختلفة عن الواقع.

تشرح: "نحن الآن في هذا البلد نمر بظروف صعبة كثيراً والذهاب إلى السينما نوع من الرفاهية، فصعب أن نذهب ونعود لنشعر ونتذكر هذه الصعوبات. ليس لنقول إنها لا يجب أن تمثّل لكن عندما يكون لديك المقدرة على تقديمها وعرضها بطريقة تتركك بشعور من الخفة، فهذا مهم كثيراً. فحقيقة أن الفيلم يجعلك تفكرين ويبقى معك ويغيّر فيك قليلاً وفي نفس الوقت يجعلك تضحكين، هذا التوازن جداً مهم كتجربة شعورية يمنحها الفيلم خاصة في ظروفنا الحالية".

وتضيف: "من الوضع الذي نعيشه لا نرغب في مشاهدة ما يحزننا وأيضاً لا نريد مشاهدة أفلام سطحية وساذجة. هنالك ذلك التوازن بين الخفة والعمق المؤثرين جداً والقويين فيما يقدمه".

ترى طراف أن بربري "صوّر فيلماً مبهراً بحق". فعمله لم يترك أثراً فقط في المهرجانات: "لكن أيضاً (حكي شي لإلنا) نحن الجمهور اللبناني وهذه الطريقة في استقطاب المهرجانات والجمهور بنفس الوقت ولفت انتباه العين المحلية والعالمية يعني أنه يفعل شيئاً مميزاً".

اللغة التقنيّة

وجد بربري في مدير التصوير والإضاءة، كريم غريّب، ما يتوافق مع ما يطمح لهوية فيلمه الصُّوَرِية أن تكون. أخذا وقتهما في التخطيط والحديث عن السيناريو وكيفية ترجمته لقطةً لقطة.

رؤية بربري كانت واضحة منذ البداية فغايته أن يشعر المشاهد أنه شخص خامس يرافق الشباب الأربعة خلال رحلتهم. تطلبت رؤيته لقطات طويلة دون تقطيع تصل مدّتها لـ 15 دقيقة، وأن تسير الكاميرا معهم، بجانبنهم، لا من ورائهم وليس من أمامهم. كان هدف الثنائي (بربري وغريّب) إدماج المشاهد وليس جمالية الصورة. وكانا على معرفة كاملة أن الزاوية التي تؤحذ منها الصورة ربما ليست الأجمل لكنها الأكيد الأكثر إدماجاً للمشاهد. شكّل ذلك تحدياً صعباً لفريق التصوير، وخاصة للممثلين، لعلمهم أن "الغلط ممنوع"، لكنهم بتدريبهم كأنهم يؤدون عرضاً مسرحياً على مدى سنوات أربعة أو أكثر مع المخرج نجحوا في مهمتهم.

رسم مدير التصوير والإضاءة كريم غريّب هوية صُوَرِية للفيلم خاصة في تشكيل الـ  mise-en-scène وتموضع الشخصيات في إطارها. وتجلّى الإبداع والتناغم بين الصورة والصوت بلقطات الكوندوم باستخدام العدسات المكبرة والمؤثرات الصوتية التي منحت المشاهد انغماساً كلياً ومفاجئاً في التجربة برفقة الشباب.

تتناغم ألوان الفيلم ضمن colour palette  بترونية بحرية، بدءاً من ألوان الضوء، مواقع التصوير، الديكور، ثياب الممثلين والمكياج.

كان المخرج يعلم نوع الموسيقى التي يريد، وقدّم مصمّم الموسيقى، فادي طبّال، الكثير في صناعة لغة موسيقية خاصة للفيلم، بالإضافة لمصمّم الصوت سيدريك كيّم، وهندستها مع الصوت والحوار الذين سجّلهما مهندس الصوت رواد حبيقة يتناغمان مع الصورة.

شارك الفيلم في العديد من المهرجانات العربية والعالمية، أهمها مهرجان برلين السينمائي في فقرة بانوراما بدورته الـ71 العام الفائت. ربح جائزة "American Indie Competition" في مهرجان Leiden International للأفلام. وحصد جائزتين في مهرجان إسطنبول العالمي للأفلام كانتا جائزة "FIPRESCI" في المسابقة العالمية وجائزة لجنة التحكيم المميزة.

الفيلم كوميدي، صحيح. لكنه ذكيّ أيضاً، حسّي، مرهف، إنساني، ومتكامل من الناحية التقنية وفسلفته الإخراجية الواقعية التي تدمجنا به. يشعر المشاهد أنه استيقظ مع أبطاله، كان موجوداً معهم في المطبخ وهم يخبرون الوالدة عن مشروعهم لمشاهدة فيلم في السينما. يستقلون سيارة أصدقائهم ويأخذون الباص "الكبير" (أو يجربون الكميون). يستهزؤون ببائع البوظة المثليّ و"يستحلون" الفتيات الشقراوات. يكونون على طبيعتهم ويخجلون بها ويخفونها أحياناً خشية من الـ"بعبع" الذي يخاف منهم ومن أحلامهم.

الفيلم لا تفوّت فرصة مشاهدته، لأنه نوعي، إن بخفته وتلقائيته، وكذلك تغييره الصورة الشائعة والنمطية عن الأفلام اللبنانية الكوميدية. يعرض الطاقات اللبنانية السينمائية المميزة، سواء من هم أمام الكاميرا أو وراءها، التي تقول إن صنّاع السينما اللبنانيين قادرون على تقديم أفلام بمستوى أرفع وأعمق بكثير مما تعوّد عليه المشاهد وملّه. يطرح الفيلم قضية أساسية لمعالجتها بواقعية حياتية نعيشها يومياً. الأكيد أن الفيلم سيترك المشاهد بشعور عارم من الفرح وضحكات عالية سيستذكرها حتى بعد إنتهائه.

سيعرض الفيلم في القاهرة، مصر في سينما "زاوية" في الـ 25 من أيار وهو متوفر على منصّات Google Play و iTunes.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard