ما الذي جعل الإبداع مرتبطاً بالمعاناة، والوعي مرتبطاً بالبؤس؟

الجمعة 27 مايو 202211:40 ص

إنّني لست مؤهّلاً لأطلق حكماً أدبياً على كاتب أو مؤرّخ أو شاعر أو روائي لامع أو مغمور حتى! ولكنّني، وبعد أن عمدت في السنة الفائتة إلى قراءات يمكن القول إنّها عشوائيّة، لمختلف الكتب على تعدّد أنواعها، والكتّاب على اختلاف جنسيّاتهم، عربيّهم وأجنبيّهم، قراءات متّزنةً وتحليليةً ومنطقيّةً، وبعد قراءات دامت خمس عشرة سنة، وترحال أدبيّ يكاد لا ينقطع، فإنّني أمتلك الجرأة لأقول اليوم، إنّني ما وجدت كاتباً ذا شأن، يُعتَدّ بمؤلّفاته، إلا وشكا من الوحدة والغربة عن نفسه وعن مجتمعه، ولو في مؤلّف أو نصّ واحد له على الأقل، كلٌّ على طريقته، وعلى اختلاف أسلوب تعبيره عن الفكرة وفلسفته. ويمكنني أن أسوق مئات الأمثلة على ذلك، فما وجدت صدقاً من دون بؤس، وما لمست عقلاً راجحاً بلا وساوس، ولا حكمةً من دون أسئلة وجوديّة، وهي في مضمونها، إما أن تقودك إلى معرفة فذّة، أو إلى جنون مطلق!

لم أكد أتخلّص من الدوامة التي أدخلني إليها، عمر، بطل رواية نجيب محفوظ "الشحّاذ"، الرجل الذي قتل نفسه بنفسه، وظل يركض خلف دوّامات نفسه باحثاً عن ذاته ومعنى وجوده، حتّى هلك أو يكاد، إذ يصوّر محفوظ الوعي والإدراك والبحث المستفيض في الغيبيات، بأنّه يودي إلى هلاك بطيء ومنظّم، ولكنّ عزمه لا ينثني، كما صوّره غيره، مثل فيودور ديستويفسكي مثلاً، لكنّه كان بشكل أوجز، إذ اكتفى فيودور، في كتابه "مذلون مهانون"، بقوله: "إن التعاسة كلّها تكمن في الوعي، لو كنت جاهلاً لكنت سعيداً".

بعد قراءات دامت خمس عشرة سنة، وترحال أدبيّ يكاد لا ينقطع، فإنّني أمتلك الجرأة لأقول اليوم، إنّني ما وجدت كاتباً ذا شأن، يُعتَدّ بمؤلّفاته، إلا وشكا من الوحدة والغربة عن نفسه وعن مجتمعه، ولو في مؤلّف أو نصّ واحد له على الأقل، كلٌّ على طريقته، وعلى اختلاف أسلوب تعبيره عن الفكرة وفلسفته

كما نقل فرانز كافكا الفكرة ذاتها بعنف أدبيّ أكبر في قوله: "إذا كان هناك ما هو أشدّ خطورةً من الإفراط في المخدّرات، فمن دون شك، هو الإفراط في الوعي وإدراك الأشياء"، وكان قولاً مقتضباً أيضاً، ووحده محفوظ بين أقرانه العرب، من تفرّد بكتابة رواية كاملة عن الفكرة، وربّما كانت روايةً مقتضبةً أيضاً لا تفي بالإفصاح عن لواعج خاطره كلّها، كما لاحظت في أثناء قراءة "الشحّاذ"، وبدا لي ذلك الأمر خطراً حقيقيّاً إذا أخذه القارئ بحرفية لا تحتمل التغيير، ودعوةً خفيّةً للقارئ أو الباحث أو المفكر لرمي الأدب وتنحية العقل، وإنّما تكمن حقيقة الأمر في نسبيته، بما معناه: لا تتوقّف عن البحث والتفكير، ولكن، لا تفرط، وامتنع حين تجد نفسك عند باب موصد من الغيبية أو سحابة لن تمطر عليك أيّ معنى، وشتّان بين الفهم الأول والأخير.

وقفت مشدوهاً، ضالّاً، ومنكسراً، وكنت أتساءل في سرّي حينها: ما هذه الضريبة الباهظة الثّمن التي يجب أن ندفعها لفهم العالم أو الإحاطة به؟

وتذكّرت قولاً للكاتب والمفكر السعودي، علي الهويريني، قادني إلى تصديق الفهم والاقتناع به أكثر، إذ قال: "إنّ الله أمرني أن أجادل في ما أرى وأسمع"، ولو توقف القول عند كلمة أجادل لكانت الكارثة العظمى، والحمد لله أنّه لخّص منهجاً حيوياً رائعةً حين أكمل قوله: "... في ما أرى وأسمع".

وقفت مشدوهاً، ضالّاً، ومنكسراً، وكنت أتساءل في سرّي حينها: ما هذه الضريبة الباهظة الثّمن التي يجب أن ندفعها لفهم العالم أو الإحاطة به؟ على أنّني أقررت بعد برهة من الزّمن، بأنّه لا بدّ لنار البصيرة ألا تنطفئ ويختفي أوارها أبداً، حتى لو اضطررنا إلى أن نجعل من أفئدتنا وقوداً لها. وعلى الرغم من قبولي وقناعتي بأنّ هناك علاقةً طرديةً بين شدة الإدراك وتهافت المأساة على الإنسان، فإنني لا أنكر أن لها كثيراً من الجوانب الإيجابية أيضاً، لا سيما أنّ مدى معرفتك وتوسعها هما ما يجعلان منك شخصاً متميزاً، وجديداً، ومبدعاً، في عالم مليء بالنسخ المشوهة إن صحّ التعبير.

ومن بقعة أخرى، لو سألني أحدهم ذات يوم: ما الذي صنع منك هذا الرجل الذي أنت عليه؟ فإنني لن أتوانى عن الإجابة واضعاً في عين الاعتبار السبب الرئيس من دون تجاهل الأسباب الأخرى الفرعية، فسأجيب: إنها المأساة. وإنه من واجب الإنسان الأصيل، أن يؤدي الشّكر الكامل والجزيل لمن كان له الفضل في تحسينه وتغييره وإنارته بعد أن كان نجماً مظلماً لا يُهتدى به. وعلى ذلك فإنني أعترف بأنني أحب حزني ومراحل الحياة الصعبة التي مررت بها وما زلت.

إنّ ذلك يشبه سبر الروح وتعريتها لتنظر إلى الحياة بعيداً عن زينتها وبهرجها، بألوانها الحقيقة، ومن المسافة الكافية لتدرك جميع عيوبها وبشاعتها، والتي لا يمكن أن تكون جليّةً إلّا بالحزن، ومن هنا فقط، يمكنك أن تحلّق مبتعداً عن سفاسف الحياة، مهتماً بالجوهر، في منأى عن السّعادة التي تشبه غشاوةً تزيّن لك الشكل الظاهر

وإنّني حتماً وكأيّ قارئ يهتمّ بما يقرأ، سألت عن السبب مئات المرّات، سؤالاً يطرح نفسه بنفسه: ما الذي جعل الإبداع مرتبطاً بالمعاناة؟ وما الذي جعل الوعي مرتبطاً بالبؤس؟ ما وصلت إليه قد لا يكون جواباً شافياً عن السؤال، ولكنّني أستطيع أن أقول، إنّ المعرفة الحقيقية للأشياء والحوادث والأمور التي تجري من حولنا، هي إدراكٌ تامٌ لانعدام أهمّيتها، واعترافٌ صريحٌ بتفاهتها، ولا يمكن للعارف أن يصل إلى ما سبق، إلّا بالحزن والمعاناة. إنّ ذلك يشبه سبر الروح وتعريتها لتنظر إلى الحياة بعيداً عن زينتها وبهرجها، بألوانها الحقيقة، ومن المسافة الكافية لتدرك جميع عيوبها وبشاعتها، والتي لا يمكن أن تكون جليّةً إلّا بالحزن، ومن هنا فقط، يمكنك أن تحلّق مبتعداً عن سفاسف الحياة، مهتماً بالجوهر، في منأى عن السّعادة التي تشبه غشاوةً تزيّن لك الشكل الظاهر، وتدسّ لك السمّ في ما ظاهره عسل. ويمكنني أن ألخّص ذلك، في اعتراف من ليوناردو دافنشي، حين قال متحدّثاً عن أساتذته: "إنّهم لم يعلّمونا كيف نمسك فرشاةً أو كيف نرسم لوحة. إنّهم فقط علّمونا كيف نعاني!".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard