حتّى لدى الأثرياء… دراسة تثبت أن المال يشتري السعادة

الخميس 28 يناير 202104:29 م

منذ ظهور أبحاث الرأي العام الحديثة، حاول العلماء اختبار صحة "المال لا يشتري كل شيء"، ووصلوا إلى نتائج متفاوتة. أحد وجوه الإشكالية لصحة هذه المقولة هو السعادة التي تحددها جوانب مختلفة قد يصعُب شراؤها بالأموال.


في ورقة بحثية صادرة عام 2010، قام عالم النفس دانيال كانمان والخبير الاقتصادي أنغوس ديتون، وكلاهما فاز بجائزة نوبل في الاقتصاد، بتحليل استطلاعات رأي مؤسسة غالوب ليجدا أنه في حين أن تقييم الأمريكيين للرضا عن الحياة ارتفع بشكل وثيق مع زيادة الدخل، فإن صحتهم العاطفية أيضاً "استقرت" بعدما بلغ دخل الأسرة السنوي قُرابة 75 ألف دولار، أي ما يعادل نحو 90 ألف دولار (بقيمة الدولار حالياً). 


بفضل هذه النتائج التي ظلت محل تقدير من العلماء والباحثين، اعتُقِد أن هذا المستوى من الدخل كان معياراً لتأثير المال على الشعور بالرفاهية، وأن الأثرياء ربما لا تتأثر مشاعرهم بزيادة أكبر. 

على عكس نتائج الأبحاث السابقة، دراسة تُثبت أن الشعور بالسعادة يرتفع بزيادة الدخل ولا يصل إلى مرحلة "استقرار" أو "عدم تأثير" حتى لدى الأثرياء… المال يشتري السعادة

عكس النتائج السابقة

بينما كان كانمان وديتون يجريان بحثهما هذا، كان طالب الدكتوراه في علم النفس بجامعة هارفارد، مات كيلينغسورث، يسعى إلى تطوير أداة قياس للسعادة، وهو تطبيق على آيفون يُدعى Track Your Happiness أي "تتبع سعادتك"  الذي يستطلع أنشطة ومشاعر المستخدمين على فترات عشوائية، مع اعتماد مقياس متدرج للإجابات. واحد من اكتشافاته المبكرة، التي نُشرت عام 2010، أن الشرود الذهني يجلب التعاسة.


منذ ذلك الحين، وظّف كيلينغسورث، الذي يحاضر في علم النفس بجامعة بنسلفانيا حالياً، تطبيقه لقياس الصلة بين السعادة والدخل. الاستنتاج الذي خلص إليه بعد كل هذه السنوات، ونُشر حديثاً في وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة الأمريكية (PNAS)، هو أن الرضا عن الحياة والشعور بالرفاهية مرتبط بمستوى الدخل الذي يفوق الـ75 ألف دولار، أي تزيد المشاعر الإيجابية كلما تحسن الدخل. علماً أنه وجد الصلة أقوى بين الدخل المرتفع والرضا عن الحياة مقارنة بالرفاهية.

يجادل خبراء بأن فرضية المال يشتري السعادة قد تكون دقيقة في بلد دون آخر، لافتين إلى احتمال تغير صحتها في البلد الواحد بين حقبة زمنية وأخرى. الأمريكيون الحاليون يعتقدون ذلك، بعكس أسلافهم الذين عاشوا بين عامي 1946 و1970

تعني هذه النتائج أن المال يشتري السعادة حتى بالنسبة إلى الأثرياء.


وقد استندت نتائج كيلينغسورث إلى نحو مليوني تقرير حالة لقُرابة 43 ألف موظف بالغ في الولايات المتحدة استخدموا تطبيقه. وبينما قُدّر متوسط دخل الأسرة السنوي في أمريكا بـ 68 ألف دولار عام 2019، بلغ متوسط دخل المشاركين في استطلاع كيلينغسورث 85 ألفاً.


وتدحض هذه النتائج النظرية القائلة إن المال الذي يرفع مستوى الدخل لا يساعد في الشعور بالرفاهية. وتشكك في محاولة البعض تعزيز ذوي الدخل المنخفض أو الفقراء شعورهم بالرضا بالقول إن المال ليس كل شيء.

كما توفر فهماً أعمق للعلاقة بين مستوى الدخل والسعادة إذ لفتت إلى أن امتلاك المزيد من المال يمنح الشخص عدداً وافراً من الخيارات وإحساساً أكبر بالاستقلالية.

حتى السعادة، تفضّل العيش مع الأثرياء! الجواب النهائي في الموضوع هو أن السعادة مرتبطة بالمال مع أن المال لا يشتري السعادة. كيف ولماذا؟

ليس في كل البلدان؟

برغم ما سبق، يجادل خبراء بأن هذه الفرضية قد تثبت صحتها في بلد وخطأها في بلدان أخرى، لافتين إلى احتمال تغير النتائج حولها في البلد الواحد بين حقبة زمنية وأخرى.


في غضون ذلك، لم يُنكر كيلينغسورث أن جائحة الفيروس التاجي العالمية قد تكون أحد الأسباب المهمة لجعل الناس مهتمين أكثر بالدخل، وتالياً جعل سعادتهم مرتبطة بالمال بقدر أكبر، خاصةً بعدما فقد الكثيرون وظائفهم أو تعرضوا لخفض قسري للرواتب.


وقد شدد في تعقيبه على نتائج دراسته: "الدخل هو مجرد عامل واحد يؤثر على سعادة الفرد، وليس العامل الأكثر أهمية"، معرباً عن تخوفه من أن "يبالغ الناس في التركيز على المال عندما يفكرون في مدى جودة سير حياتهم".


على سبيل المثال، في دراسة صدرت عام 1974، وجد الخبير الاقتصادي ريتشارد إيسترلين أن الدخل القومي المرتفع للفرد لم يجلب شعوراً منهجياً أكبر بالسعادة في الولايات المتحدة منذ عام 1946 حتى عام 1970.


وقد نبّه خبراء إلى أن نتائج الدراسة - برغم اتساع عينتها - قد تكون أكثر ملائمة للمجتمع الأمريكي الرأسمالي من بلدان أخرى اقتصادها قائم على تنافسية أقل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard