"كيف عبرت تلك التقاليد معنا القارات؟ "… أزمة التفاهم بين الأجيال في الغربة

الثلاثاء 24 مايو 202211:37 ص

يُسلم الباحثون بوجود فجوةٍ بين كل جيلين، أزمة سلّم علماء الاجتماع بأزليتها قبل سنوات، لكنهم حشدوا أدواتهم البحثية في السنوات الأخيرة نحو تناميها في زمن انحسار التواصل الحي والمباشر بين الآباء والأبناء وعصر هيمنة الانترنت والـ Social Media كوسائل عصرية نافست الأسرة، وانترعت منها دورها الحاسم في التأثير والتنشئة.
بعض الدراسات التي تناولت الأثر السلبي لغياب دور الأسرة وضعت فرضياتها على ضوء مجتمع واحد، وبيئة واحدة لها هويتها وموروثها وعاداتها، فكيف سيكون الحال مع عائلة يتأرجح أبناؤها بين مجتمعين وبيئتين لكل منهما سلوكيات وتقاليد ونمط حياة. 
عائلات أربابها عرب شرقيون وأبناؤها يكبرون في دول أجنبية يشارك مجتمعها بكل مفرداته في تربيتهم وتنشئتهم، فتكبر معه ازدواجية فجّة تجعل الفجوة فجوتين، واحدة بين جيلين، وأخرى بين ضفتين، شرقية وغربية. 

يحق للصبي ما لا يحق للبنت

جورجيت فهدا (49 عاماً) أم لبنانية تعيش مع زوجها وأولادها الأربعة في ألمانيا منذ 10 سنوات، تقول لرصيف22: "كبُر الشابان (18 و 21 عاماً) ولم أشعر بتلك الفجوة، لكنني اليوم مع تجاوز الفتيات سنواتهن العشر بدأت أتلمس صعوبة تجاوز هذه الهوّة بين ما أرغب بتنشئتهن عليه وبين أسلوب تفكير المجتمع هنا".
أولُ مواجهة بين جورجيت وابنتيها كانت محادثة بعد درس التوعية الجنسية الذي تلقتاه في المدرسة ثم عادتا إلى المنزل لمناقشته مع الأم.
أولُ مواجهة بين جورجيت وابنتيها كانت محادثة بعد درس التوعية الجنسية في المدرسة حيث عادتا إلى المنزل لمناقشته مع الأم.
"متى يمكن لنا أن نجرب ذلك؟"
تجمدت أنفاس الأم وأجابت: "بعد الزواج…"

"متى يمكن لنا أن نجرب ذلك؟"
بهذه التساؤلات استهلت الفتاتان المحادثة فتجمدت أنفاس الأم وأجابت: "بعد الزواج…".
الفتاتان: "لم نسمع كلمة زواج خلال الدرس. كانوا يقولون بعد سن الرشد؟".
الأم: "من المبكر الحديث عن ذلك الآن، سنناقش الموضوع عندما تكبران". 

ارتباك جورجيت وصل إلى الفتاتين واحتلّ كل مساحة الاستهجان لديها، فانصرفتا متسائلتين: "لماذا غضبت أمي؟" 
وتضيف جورجيت التي تعمل سكرتيرة في عيادة طبية: "لقد باغتتني الفتاتان بتلك المحادثة، لم أعد العدّة لها، وبدأت من الآن أسأل نفسي كيف سنتقبل أنا وزوجي في المستقبل هذه السلوكيات المتنافية مع عاداتنا". 
تتصارح جورجيت مع نفسها وتعترف بهيمنة الذكورية العربية على تفكيرها، والتي ظهرت باختلاف ارتدادات الفجوة في التعامل مع الأولاد الذكور، وتلك التي ستصدع المنزل عند مرورها على الإناث، وتقول: "أحاول مع زوجي إظهار التقبل الدائم لأي شيء لأحافظ على مساحة الصراحة مع الأولاد، وأتظاهر بتقبل كل شيء، لكنه أمر شاق جداً، وإلى الآن ما زال الموضوع في إطار النقاش، لا أعلم ماذا سيحدث عندما ستدخل الفتاتان سن المراهقة"

حق الحياة خلسة! 

توجّس جورجيت من غياب الصدق، حقيقةٌ تُثبتها معاناة آية العلي (اسم مستعار) التي جبرها تعنّت عائلتها وتمسكهم المفرط بعاداتهم على التخلي عن الصراحة، واعتماد الكذب كوسيلة وحيدة لمداراة شرقيتهم المفرطة. 
تقول ابنة الـ 23 عاماً، وهي سورية تعيش في هولندا منذ سبع سنوات: "أتذكر الصدام الأول عندما كنت في السابعة عشرة وطلبت إذنهم للخروج ليلاً مع صديقاتي، فرفضوا بشكل قاطع، وبدأوا بسلسلة من المحاضرات اليومية التي تتحدث عن عاداتنا الشرقية وضرورة صونها والتمسك بها".
ممنوع على آية الذهاب إلى منزل أصدقائها إلا إذا اصطحبت أخاها معها.
 "في البدايات كنتُ أعتكف عن الخروج نهائياً كرمى لهم ولعاداتهم، لكن مع مرور الأيام تيقنت من صعوبة الاستمرار في ذلك، فلجأتُ إلى عيش حياتي بشكل طبيعي لكن خلسة وبالكتمان"

"لا يوجد هذا التقليد هنا. لماذا سأصطحب أخي معي وهم لا يعرفونه" تقول طالبة الصيدلة في جامعة زاود هولاند، وتضيف: "في البدايات كنتُ أعتكف عن الخروج نهائياً كرمى لهم ولعاداتهم، لكن مع مرور الأيام تيقنت من صعوبة الاستمرار في ذلك، فلجأت إلى عيش حياتي بشكل طبيعي لكن خلسة وبالكتمان".
خلال سنوات دراستها، تعرفت آية على شاب ألماني ورغبت بالزواج منه، وبعد سنوات من النضال، وافق الأهل على فكرة الزواج من أجنبي لكن مع شروط صعبة، تتحدث عنها آية: "لم يعترفوا بالزواج المدني. أرادوه دينياً، وطلبوا حفلة خطوبة ثم حفلة عرس، مع تصديع رؤوسنا بكارثة العلاقة الحميمة قبل الزواج، وعندما قررت الانتقال مع خطيبي لمدينة ثانية بغرض الدراسة رفضوا بشكل قاطع قبل إتمام الزواج". 
الزواج على عجل كان هو الحل الأمثل لآية وخطيبها، رغم ما سيحمله هذا التسرّع من عواقب في المستقبل، لكن لم يكن هناك خيار آخر".

وتختم آية حديثها: "أكثر ما يزعجني في الأمر أن عائلتي مقتنعة بصحة عدد كبير من العادات الأوروبية، لكنهم يمنعونها خوفاً من ثرثرة العائلة والأهل في سورية.

لم أكن أعلم أن هذه التقاليد البالية والثرثرة ستعبر معنا القارات". 

عادات صحيحة لكنها أجنبية!

السمة البارزة لبعض المجتمعات الأوروبية في التربية، أنها تنحي الأسرة جانباً في عدد كبير من المفاصل في حياة الابن، وتوكل المهمة إلى المدرسة والمؤسسات التربوية والنوادي التي تحرص تلك المجتمعات على إشراك الطفل فيها منذ نعومة أظافره، فيما لا يتقبل بعض الآباء الشرقيين ذلك، مما يزيد من تشبثهم بهويتهم ومبادئهم التربوية، لا بل يشعرون أحياناً أنهم في حلبة صراع مع تلك المؤسسات التي تختلف عنهم في المرجعية الدينية والأخلاقية. 
"أكثر ما يزعجني في الأمر أن عائلتي مقتنعة بصحة عدد كبير من العادات الأوروبية، لكنهم يمنعونها خوفاً من ثرثرة العائلة والأهل في سورية"

بسام ناصر (61 عاماً) عراقي مقيم في هنغاريا منذ 40 عاماً ولديه ثلاثة أولاد،
يقول لرصيف22: "التربية والتنشئة على الطريقة الشرقية تبدأان منذ سنوات الطفل الأولى وتكوّن الإدراك لديه، وليس عندما يكبر ويبدأ يتشرب عادات المجتمع الأجنبي، وبتلك الطريقة يكبر وتكبر قناعته بضرورة الحفاظ على العادات والتقاليد الشرقية".
يعتبر بسام أن المنزل والعائلة مملكة خاصة يجب أن تبقى بمنأى عن المجتمع الأوروبي والعادات الأوروبية وقام بتنشئة أطفاله على هذا النهج،

ويقول: "قضيت 40 عاماً هنا، أذهب كل يوم ثماني ساعات إلى العمل منخرطاً بالمجتمع الهنغاري وأتحدث بلغته وأتعامل مع مواطنيه بأسلوبهم ولغتهم، لكن عندما أعود إلى المنزل، أعود عربياً، أربي أطفالي على الطريقة الشرقية ونتناول طعامنا العربي ونعيش طقوسنا المعتادة".
وعن معاناة أولاده يتحدث الطبيب النسائي: "بالتأكيد سيشعرون بتلك الفجوة قليلاً، لكنهم مقتنعون بصحة عاداتنا وضرورة الحفاظ عليها، والدليل على ذلك، أن أبني عندما بلغ سن الزواج، بدأ من تلقاء نفسه البحث عن فتاة عربية ولم يفكر بالزواج من أجنبية، لقناعته بضرورة تنشئة عائلته على التربية العربية".
ويختم: "أعترف أن عدداً كبيراً من العادات المجتمعية الأوروبية صحيحة، وتتفوق بصحتها على عاداتنا العربية، لكن تقبلها بالنسبة لنا أمر مستحيل، لذلك قمت بنقل هذه القناعات إلى أولادي بالحوار والتفاهم والتوعية". 

الفجوة بين جيلين

التجمعات العربية في الدول الأجنبية وصبغة الـ "عربيّة" التي طمست أحياء وتجمعات كبيرة في أوروبا وأستراليا وكندا ساهمت بعض الشيء في ردم تلك الفجوة عبر خلق بيئات تحاكي البيئات العربية، الأمر الذي جعل بعض العرب يضعون عائلاتهم ضمن دائرة الأجواء العربية، لا يغادرونها إلا عند الذهاب إلى المدرسة والعمل، أما الحياة الاجتماعية والأصدقاء  فـ "بلدية" بامتياز. 
"عندما نسهر في عطلة نهاية الأسبوع، كثيراً ما يصطحب أحد الأصدقاء حبيبته إلى منزله لتبيت فيه بوجود أهله، بالنسبة لعائلتي هذا الأمر غير مقبول، لذلك لا يمكن أن أقوم به، رغم تقبلي له على المستوى الشخصي"

جاد برهوم (22 عاماً) سوري يعيش في أستراليا، يقول لرصيف22: "تحرص عائلتي على الحفاظ على بعض العادات العربية الشرقية، لكنها شجعتني على الانخراط في المجتمع الأسترالي من خلال الجامعة وسوق العمل، أما في حياتنا الاجتماعية فنحن نحاول دائماً خلق أجواء عربية وإحياء طقوسنا التي نقوم بها في سورية".
يتحدث برهوم الذي يدرس الهندسة الميكانيكية في جامعة فكتوريا: "تعدد الثقافات الموجود هنا ساعدني أن أبقى محافظاً على عاداتي وثقافتي العربية، فالبلاد هنا حاضنة لعدد كبير من المجتمعات المصغّرة، منها العربية التي لا تحتاج فيها أحياناً للتحدث باللغة الانجايزية".
و"تكاد تكون معدومة" بحسب جاد، الصدامات مع العائلة نتيجة الفجوة الثقافية.
ويضيف: "من السهل تحقيق التوازن بين نمط تفكير العائلة وأسلوب حياة المجتمع الأجنبي الذي أحاول أن أستلهم منه ما أراه مناسباً وصحيحاً، كذلك الأمر بالنسبة للعادات العربية التي لا يمكن أن يتقبلها المجتمع الأسترالي هنا، أنا مضطر للتخلي عنها، أو الاحتفاظ بها داخل جدران المنزل". 
كذلك الأمر في الاتجاه المعاكس، لا يقوم جاد وأخوته بأي سلوك يخرق جدار العادات الشرقي الذي بنته العائلة، ويضرب هنا مثالاً: "عندما نسهر في عطلة نهاية الأسبوع، كثيراً ما يصطحب أحد الأصدقاء حبيبته إلى منزله لتبيت فيه بوجود أهله، بالنسبة لعائلتي هذا الأمر غير مقبول، لذلك لا يمكن أن أقوم به، رغم تقبلي له على المستوى الشخصي". 

على من تقع المسؤولية ؟

التحرر والانفتاح والاستقلالية عناوين برّاقة بالنسبة لأي شاب أو فتاة يناضلان في سبيل تحصيل الحد الأدنى منها في أي مجتمع كان، فكيف وهما في رحاب مجتمع ينادي بها ويرفع أبناؤه راياتها، لذلك تقع المسؤولية الأكبر في المداراة وخلق التوازن على عاتق الأهل، ومن دون شك، سوف يتكبدون عناء خلع بعض العادات الموروثة، التي مدت جذورها إلى بواطن العقل والقلب منذ عشرات السنين.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard