"زوجي اقتلع عينيّ وشوّه وجهي"... حكايات العنف ضد النساء في تونس

الخميس 20 يناير 202203:43 م

لم تتوقع الشابة التونسية صابرين بن خليفة (22 عاماً)، أن تتحول حياتها بعد الزواج إلى جحيم، ولم تتوقع أيضاً أن يجرؤ الرجل الذي أحبّته، وأنجبت منه طفلتها الأولى، على تشويه وجهها البريء، لمجرد أنها اتخذت قراراً بالانفصال عنه.

وصابرين هي واحدة من مئات النساء في تونس اللواتي كنّ ضحيةً لجرائم التشفي والانتقام من قبل الأزواج، فبمجرد كسرهن حواجز الخوف واتخاذهن القرار بالطلاق أو بمقاضاة الزوج المعنِّف، يصبحن عرضةً للقتل أو التشويه.

شوّه وجهي!

تقول صابرين، من محافظة سليانة، لرصيف22، عن معاناتها مع زوجها: "تحملت العنف الجنسي والمادي والمعنوي لمدة ست سنوات، وعندما قررت الهروب من المنزل، وطلب الطلاق، قام بتشويه وجهي بشفرة حلاقة... وقال لي لن يتزوجك رجل آخر من بعدي، ووجهك مشوّه".

تضيف: "بدأت معاناتي مع العنف الزوجي منذ الليلة الأولى من الزواج. كان يجبرني على مشاهدة الأفلام الإباحية، ويضربني باستمرار، ويحبسني في المنزل لساعات طويلة، ويهددني دائماً بالقتل والتشويه. لكنني كنت أصمت".

تتابع: "قررت في أكثر من مناسبة تركه، وطلب الطلاق، لكنني أضطر في كل مرة إلى العودة إليه، بسبب ضغط عائلتي، خصوصاً والدتي، فهي دائماً ما تنصحني بالصفح عنه، ومسامحته، وبألا أحرم ابنتي من والدها. بعض العائلات تقبل أن تتعرض ابنتهم للضرب اليومي بدلاً من أن تكون مطلقةً. تلك هي مجتمعاتنا".

منهن من أحرق طليقها وجهها، ومن شوّهه بشفرة حلاقة، ومن فقأ عينيها... تعدّدت المآسي وحكايات العنف ضد الطليقات تتشابه في تونس

ترفع صابرين يديها الصغيرتين لتتحسسن آثار الجرح الواضحة على وجهها، وتواصل حديثها: "يوم 19 أيار/ مايو 2021، لا يمكنني نسيانه، وسيبقى محفوراً في ذاكرتي... يومها كنت برفقة أخي في محكمة محافظة منوبة، بعد أن رفعت قضية طلاق للضرر ضد زوجي، وفي أول جلسة محاكمة كان حاضراً، وقرر تشويه وجهي بشفرة حلاقة. هو رجل شرقي لم يتقبّل أن تطلقه امرأة، فقرر الانتقام مني".

تضيف: "يومها تقدّم نحوي بغضب شديد، وأمسكني من يدي اليمنى، وقام بتشويه وجهي بشفرة حلاقة. في البداية لم أعِ ما حصل، لكن سرعان ما أدركت هول الكارثة، وفهمت أنه شوّه وجهي للانتقام مني، لأنني كسرت قيود الخوف، وطلبت الطلاق".

أعيش في رعب

تواصل صابرين حديثها، لتقول: "على الرغم من الخوف والألم، أنا امرأة قوية نجوت بأعجوبة من الموت، وأحاول الآن أن أعيش حياةً كريمةً برفقة ابنتي. أنتظر دعم وزارة المرأة في بلدي، وأتوق إلى إيجاد عمل يحفظ كرامتي وكرامة طفلتي. ما زلت أنتظر الدعم".

تضيف: "أعيش الآن في منزل عائلتي في منطقة ريفية نائية، بينما يهددني زوجي ويهدد عائلتي حتى وهو داخل السجن. سيأتي يوم ويغادر السجن، وربما سيحاول قتلي أو اختطاف ابنتي كي يحرمني منها. أعيش في رعب من الحاضر والمستقبل".

حرمني من نظري

تعيش آمنة حكايمية (33 عاماً)، وهي أم لأربعة أطفال، وضعاً اجتماعياً ونفسياً صعباً، فآمنة التي كانت حتى وقت قريب تتمتع بنظر سليم وحاسة بصر قوية، أصبحت الآن حبيسة المنزل بعد أن أقدم زوجها على اقتلاع عينيها، وتشويه وجهها.

تعرفت آمنة إلى زوجها عندما كانت تبلغ من العمر 16 عاماً، وتزوجا وهي في العشرين من عمرها. تعرضت على مدى سنوات طويلة لجميع أنواع العنف، لكنها كانت تعود إلى عش الزوجية في كل مرة، خوفاً من المجتمع، وخوفاً من عدم قدرتها على إعالة أطفالها بعد طلاقها.

"كان يجبرني على مشاهدة الأفلام الإباحية، ويضربني باستمرار، ويحبسني في المنزل لساعات طويلة، ويهددني دائماً بالقتل والتشويه. لكنني كنت أصمت". نساء ضحايا العنف الزوجي في تونس

بعد 13 سنةً من الزواج، قررت آمنة التغلب على كل مخاوفها، وكسر قيود المجتمع، والنجاة بنفسها وأطفالها من براثن زوج معنِّف وخائن، لكنها دفعت ثمن هذه الشجاعة غالياً، كما تحكي لنا.

تتذكر آمنة جيداً في حديثها إلى رصيف22، ذلك اليوم، عندما اقتحم زوجها المنزل وهو في حالة غضب وقام باقتلاع عينيها بيديه، ثم قام بتشويه وجهها أمام ابنتها التي تبلغ من العمر تسع سنوات، والتي لا زالت تعاني إلى اليوم من آثار نفسية.

تقول آمنة: "لأنه خائن وجبان أراد طمس جمال وجهي، وإطفاء نور حياتي. حرمني من نور البصر، وأصبحت حبيسة الجدران بعد أن كنت أعمل وأعيل أطفالي. لكنني لن أستسلم، وسأحارب لأعيش، وسأحمي أطفالي".

تضيف: "هو ينعم الآن بنظره، ويعيش حياته في راحة تامة داخل السجن، بينما أحارب أنا من دون بصر، لحماية أطفالي. سيغادر هو السجن بعد سنوات، وسيعود إلى حياته الطبيعية، وربما سيتزوج مجدداً. تمنيت لو تمت معاقبته باقتلاع عينيه، لتكون العين بالعين".

تنتظر آمنة حتى اليوم الدعم من وزارة المرأة التونسية، وتنتظر أيضاً دعم المنظمات النسوية لها، لكنها أصيبت بخيبة أمل، وملّت الانتظار والوعود، إذ تقول: "عندما فقدت نظري، انتظرت أن تدعمني الدولة من خلال تمكيني من إجراء عملية تجميلية لإصلاح ندوب وجهي، أو لتركيب عيون اصطناعية، لكن تحصلت على الكثير من الوعود التي لم تتحقق إلى الآن، وقدّمت لي بطاقة 'إعاقة'، ومنحةً شهريةً قدرها 180 ديناراً (حوالي 62 دولاراً)، فحسب.

تواصل حديثها قائلةً: "أنا لست معاقةً، ولا أريد بطاقة إعاقة. أريد دعماً جدّياً من الدولة، مثل توفير منحة قارّة، وتمكيني من منزل صغير يأويني وأطفالي من برد الشتاء وحرارة الصيف. طلبي بسيط جداً".

كما تشير إلى تلقّيها بعض المساعدات المالية والملابس من بعض الجمعيات، وهي ترى "أنها مساعدات ظرفية لا تدوم".

أحرق جسدي

تروي هدى (اسم مستعار)، هي الأخرى قصتها مع جرائم التشفي والانتقام، وتقول: "كنت فائقة الجمال، ما جعل الكثيرين يطلبون يدي من أهلي قبل بلوغي سن العشرين، لكنني رفضتهم جميعاً، لأتزوج من حبيبي الذي أحببته منذ الخامسة عشر من عمري".

تضيف هدى (45 عاماً)، وهي من تونس العاصمة: "بعد زواجنا تغيّر كثيراً، وأصبح يضربني من دون سبب، ويهددني بالقتل والحرق، لكنني لم أكن أتوقع أنه سيفعلها ويحرق جسدي ووجهي. لكنه فعل".

سيغادر السجن بعد سنوات، وسيعود إلى حياته الطبيعية، وربما سيتزوج مجدداً. تمنيت لو تمت معاقبته باقتلاع عينيه، لتكون العين بالعين". نساء حضايا العنف في تونس

تواصل: "إقدامه على حرق جسدي ووجهي كان لمعاقبتي فحسب، والانتقام مني لأنني هددته بالطلاق. أذكر يومها عندما عاد غاضباً من المقهى، أنه سألني عن العشاء، فأخبرته أنه لم ينضج بعد. دخل المطبخ وصبّ جام غضبه علي، وأسمعني شتائم وكلاماً موجعاً، وهمّ بضربي، فلما دافعت عن نفسي وأمسكت يده، أخذ القدر من فوق النار، وصبّه على وجهي وجسدي".

تسكت برهةً، وتضيف: "تركني على تلك الحالة، وهرب، إلى أن سمعت إحدى الجارات صراخي وأسعفتني. صحيح أنه عوقب بالسجن بتهمة محاولة القتل، لكنه اليوم ينعم بالحرية، وسيتزوج قريباً، بينما خسرت أنا كل شيء، خاصةً علاقتي بأهلي، وأصبحت عرضةً للتنمر بسبب شكلي. لم يندمل جرحي الخارجي، ولا الداخلي بعد، وأصبحت أنتظر الموت فحسب".

عنف انتقامي خطير

يؤكد الباحث في علم الاجتماع، سامي نصر، انتشار 'العنف الانتقامي'، في المجتمع التونسي، مؤكداً أن هذا النوع من العنف يشكّل خطورةً، وانتشر بشكل كبير خصوصاً في السنوات الأخيرة، وعادةً ما يتم بطريقة وحشية جداً.

يضيف الباحث في علم الاجتماعي، في حديثه إلى رصيف22، ليقول: "إن دوافع العنف الانتقامي يمكن أن تكون بسيطةً جداً، وفي تونس تم ارتكاب جرائم فظيعة لأسباب تافهة، وهذا كله بسبب تطبيع مجتمعنا مع العنف، خصوصاً المسلّط على المرأة.

وفي تعليقه على ارتفاع نسب العنف المسلّط على المرأة، أكد سامي نصر، أنه على الرغم من أن تونس تمتلك ترسانةً من القوانين، لكنها لا زالت لا تُطبَّق بالشكل المطلوب، لأن الدولة توجهت نحو سن القوانين من دون أن تعمل على خلق رفض مجتمعي لجميع أنواع العنف المسلّط على النساء، وفق قوله.

العنف في ارتفاع

يُعرّف العنف ضد المرأة في القانون التونسي بأنه "كل اعتداء مادي أو معنوي أو جنسي أو اقتصادي ضد المرأة، أساسه التمييز بسبب الجنس، والذي يتسبب بإيذاءٍ أو ألمٍ أو ضررٍ جسدي أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي للمرأة، ويشمل أيضاً التهديد بهذا الاعتداء، أو الضغط، أو الحرمان من الحقوق والحريات، سواء في الحياة العامة أو الخاصة".

وتعترف السلطات الرسمية في تونس، بارتفاع ظاهرة العنف المسلّط على المرأة، خصوصاً في السنوات الأخيرة، على الرغم من ترسانة القوانين التي تم سنّها لحماية جميع حقوق المرأة، كما تسعى السلطات جاهدةً إلى الحدّ من الظاهرة بشتى الطرق.

وسنة 2021، وضعت وزارة المرأة والأسرة وكبار السن، بدعمٍ من مجلس أوروبا، حقيبة "حقوق النساء ضحايا العنف"، وذلك لأجل مكافحة جميع أشكال العنف ضد المرأة في تونس، وضمان الحصول على الحقوق التي يضمنها القانون الأساسي رقم 2017-58، الصادر في 11 آب/ أغسطس 2017، حول القضاء على العنف ضد المرأة، لكن تبقى كل المساعي منقوصةً في ظل فشل السلطات في تطبيق القوانين.

وللإشارة، فإن العنف المسلّط على النساء في تونس، يشهد ارتفاعاً لافتاً، سنةً تلو أخرى، على الرغم من ترسانة القوانين، إذ كشفت وزيرة المرأة والأسرة والطفولة، أن ظاهرة العنف الزوجي تمثّل 78% من إجمالي عمليات العنف المسجلة ضد المرأة.

وأضافت آمال موسى، في تصريحات إعلامية، "أن الوزارة تلقّت ما يتجاوز الـ15 ألف مكالمة للتبليغ عن عنفٍ مرتكبٍ ضد النساء في تونس، وهو ما يكشف تضاعف أرقام العنف المسجلة بما يفوق سبع مرات".

وحول تطبيق القانون عدد 58، أكدت وزيرة المرأة أن الإشكال يتعلق بتوفير موارد بشرية في جميع المحاكم والوزارات، وتكوين القضاة حول القانون المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة، داعيةً إلى "ضرورة اعتماد مقاربة أخرى للتعامل مع مسألة العنف ضدّ المرأة، خاصةً وأن العنف يمثّل ظاهرةً يشكو منها المجتمع التونسي". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard