أعادني رحيل مظفر النواب إلى دمشق التي عاش فيها وكتب لها... ولكن آلمني انقسام السوريين

الاثنين 23 مايو 202212:04 م


هي الإشاعة مرة أخرى قلت في نفسي، فهذه ليست المرة الأولى التي يُشاع خبر موت مظفّر النوّاب. ولكن بعد مرور القليل من الوقت بدا الخبر حقيقياً.

منذ تلك اللحظة وأنا أقاومُ رغبة الكتابة عن النوّاب، أحاول أن أمتنع عن ذلك بشتى الطرق مقنعة نفسي أن هناك من سيكتب عنه بشكل أفضل وربما أعمق مما سأفعل. سيكتب عن النواب أصدقاؤه أو ربما أعداؤه، أولئك الذين عرفوه عن قرب. 

أو على الأقل سيكتب عنه الذين كانوا حاضرين في أمسياته وسمعوه يلقي قصائده عليهم ومعها حزنه وخذلانه وغربته بأسلوبه الفريد الصارخ الذي يأتي مزجاً بين الغناء والإلقاء، بين الدندنة والبكاء.

 كيف لا وهو المتشبع باللحن العراقي الحزين وكل ما فيه من شجن، في النهاية لم أستطع، فالنوّاب يُهيمن عليّ بسطوة الشعر والذاكرة.

مظفّر النوّاب، الرجل الذي عاش حياة مليئة بالمآسي من السجن والهرب إلى الغربة والمرض، لم ينجُ من الاتّهامات الطائفية بعد موته.

مظفّر النوّاب عدو العادي والرجل الذي عاش حياة مليئة بالعذابات والمآسي من السجن والهرب إلى الغربة والمرض، لم يرتضِ أن يكون رحيله عادياً أيضاً، فكان جدلياً واستثنائياً. إذ لم ينجُ من الاتّهامات الطائفية التي بدت واضحة بعد موته، ولا من النقد الشديد لصمته حيال قضايا حساسة، وعلى الأخص الثورات العربيّة، ولمهادنته بعض الرؤساء العرب. 

اللافت أن معظم أولئك الذين يحللون طائفية النواب ينطلقون من طوائفهم في فهمهم للرموز الدينية التي وظفها في شعره. وأن كل مَن عاب عليه صمته في السنوات الأخيرة وموته في دولة خليجية بعد أن أمضى عمره في هجاء حكومات الخليج، لم يسأل كيف أمضى الشاعر حياته، وكيف واجه مرضه وكيف/متى ألقت به الهزائم في جُبّ الصمت. هؤلاء لم يسمعوا أيضاً صوته الشجاع الذي أودى به إلى السجن والمنافي.

تغيّر الزمن، وربما لم تعد شجاعة النوّاب لافتة الآن والأيدولوجيا التي عبّر عنها في شعره لم تعد مقبولة لكنها كانت متسقة مع زمنه ونابعة منه، ولا قراءة للأدب بمعزل عن سياقه الزمكاني. معظم الأعمال الأدبية الخالدة التي تُدرّس في جامعات العالم لو قرأناها بعين اليوم لكانت عادية جداً على مستوى الفكرة واللغة، إلا أنها تعتبر نقطة تحول مهمة في زمانها. والنوّاب كان في هذا ابن بيئته وزمانه، لم يكن مقلداً ولم يستمد رموزه إلا من ثقافته، وبهذا هو وفيٌّ لنفسه. 

يستطيع القارئ أن يُميّز وأن يرفض أي أدلجة وكل ما لا ينسجم مع وعيه وأفكار عصره ولكن لا يمكن نسف العمل الأدبي برمته.

هكذا يجب أن ينظر إلى شجاعة النواب أيضاً في زمنها لا بمعزل عنه. 

جدل آخر حول أهمية شعر النواب والفرق الشاسع بين أهمية قصيدته العامية "الشعبية" وشعره الفصيح، والفرق في مستوى العمق بين شعره العاطفي وقصيدته السياسية. وقد رفع البعض تهمة الجماهيرية عالياً مع أن هذا يحتسب لصالح النواب.

أعاد رحيل مظفّر النوّاب انقسام السوريين إلى الواجهة، بعد أن أصبح هذا دأبهم، يفرزون البشر والرموز سواء كانت فنية أو شعرية أو علمية حسب موقفها من الثورة السورية، بعد أن أصبحت الثورة -بما لها وما عليها- الامتحان الأخلاقي لكل الكائنات

فشعره على الرغم من جماهيريته لم يأتِ على حساب جماليّة الرموز أو عمق المعنى. وإن كنتُ أميل إلى قصيدة النواب العاطفية والوجدانية أو إن صح التعبير إلى العمق الوجداني في قصائده، إذ يتميز شعره بتعدد الموضوعات في القصيدة الواحدة، حيث لا تكاد تخلو أي من قصائده من بعض الومضات الوجدانية العميقة حتى لو كانت في ظاهرها سياسية وبسيطة ومباشرة. لكن هذا التفضيل لديّ لا ينطبق على التمييز بين الفصيح والعامي. ربما استثمر النواب في العامي أكثر مما استثمر في الفصيح، وربما اللهجة العراقية هي لغة قلبه ولكن لن ينكر أحد أنه قدم قصائد بالفصحى هي من أهم القصائد في الشعر الحديث ولنا في "قافية الأقحوان" خير مثال على ذلك.

ليس غريباً أن رحيل مظفّر النوّاب أعاد انقسام السوريين إلى الواجهة مجدداً، ذلك بعد أن أصبح هذا دأبهم، يفرزون البشر والرموز سواء كانت فنية أو شعرية أو علمية حسب موقفها من الثورة السورية، بعد أن أصبحت الثورة -بما لها وما عليها- الامتحان الأخلاقي بل الفخ الأخلاقي لكل الكائنات، وويل لمن لم يجتزه بنجاح. ذلك الانقسام الذي لم يعد من الممكن مداراته أو التستر عليه، إذ يكاد يظهر عند كل حدث أو موقف مهما كانت درجة قربه من السياسة أو بعده عنها. سواء في الموت أو في الفن، في حروب الآخرين أو عند المجزرة، انقسام يتدرج إحساسنا به من المرارة حتى النفور، وهذا ما لم يسلم منه مظفّر أيضاً.

على كل حال، رد النوّاب على كل هذه الآراء منذ زمن طويل حين قال:

 "يَقرأُني مَن يرغب

حسب ثقافته في العشق

ومَن يُخطئ لا أستاءُ"

رحيل الشاعر محزن ومؤلم بلا شك، ولكن كما في كل رحيل يتألم الأحياء على أنفسهم، ينظرون إلى ما بقي لديهم بعين الخسارة الفادحة ومرارة الفقد.

وقد آلمتني في رحيل النواب الذاكرة. 

يتردد في أذني صوت ياس خضر وهو يصدح من "مسجلة" والدي السوداء قبل الحرب على العراق:

"جفنك جنح فراشة غض … وحجاره جفني ولا غمض

يالتمشي بيا ويا النبض … روحي علي روحك تنسحن

حــــنّ وآنا حـــنّ "

كنت طفلة لا أفهم معنى معظم الكلمات وأحتج على هذا الحزن الذي يُغرِق والدي في موجة من الأسى والألم الباديين على وجهه. كرهت حزن الأغاني العراقية، لم أفهمه ولم أتصالح معه إلا منذ فترة قصيرة. إنه حزن يحزّ القلب، لا مهادنة أو مساومة فيه. حزن ثقيل وحاد لا يرضى بأقل من أن ينكأ جراحك كلها وأن يستدعي ألمك المتوارث عبر السنين ودموع المراثي وحزن الجدات والأمهات الثكالى المدفون فيك. ومن أتقن هذا الحزن مثلما أتقنه النوّاب حين يقول:

 "مو حزن لكن حزين 

مثل ما تنقطع جوه المطر شتلة ياسمين

آنه قتلك مو حزن لا مو حزن لكن حزين

مثل صندوق العرس ينباع خردة عشق من تمضي السنين "

أما نحن العالقون في غربتنا وفي سؤال عودتنا فهل يا ترى:  "يجي يوم
انفرّق الغربة على العالم ملبّس 
والحزن طاسات حنّه".

موت النوّاب أحالني إليّ، إلى عدد المرات التي شاهدتُ فيها تسجيلات أمسيته الشعرية في دمشق عبر يوتيوب، والمرات التي تمنيت فيها لو أني سبقت عمري لأكون هناك جالسة بين الجمهور أسمعه.

أعادني موته إلى دمشق التي عاش فيها وكتب لها، إلى زمن كانت فيه الأحلام لا تزال ممكنة، إلى الأصدقاء ونحن نقرأ قصائده ونحلل رموزها الشعرية، نسمعه ونقول "الله".

 فكرت في جميع هذه الحالات، في كل من تشاركتُ معه قصيدة أو حلم

أولئك المشتتين في كل دول العالم، فكرت أن أبعث لكل واحدٍ منهم رسالة قصيرة واضحة أكتب فيها "مات النوّاب" وسيعرفون كلهم أن ما هي إلا دعوة للحزن،

دعوة لنبكيه/ نبكينا. 

مات مظفّر في غربته ولم يتحقق أمله بألا يموت غريباً ميتة الشبح ولكنه عاد إلى أهله أخيراً، لقي طينه ماء دجلة ولعله سينبت فُلّاً عما قريب.

أما نحن العالقون في غربتنا وفي سؤال عودتنا فهل يا ترى

 "يجي يوم ونرد لأهلنه؟ 

يجي يوم 

الدرب يمشي بكيفه 

وياخذنه لوطنّه 

يجي يوم 

انفرّق الغربة على العالم ملبّس 

والحزن طاسات حنّه".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard