شجرة مريم، ورجلٌ يعود بحصانه، ونساء يتدحرجن على الرّمال... حكايات "بقيع مصر"

الاثنين 23 مايو 202202:17 م

على بعد أكثر من 200 كيلومتر جنوب القاهرة، وعلى مساحة تبلغ حوالى 90 فداناً، تقع منطقة البهنسا، التابعة لمركز بني مزار بمحافظة المنيا، والتي تضم قبور عدد كبير من الصحابة، الأمر الذي دفع كثير من أهالي المحافظة ومعهم سكان المحافظات المجاورة إلى تسميتها بـ"بقيع مصر"، نسبة لمنطقة البقيع بالسعودية، حيث تضم منطقة البهنسا قبور ورفات العشرات من صحابة الرسول محمد.

تشتهر منطقة البهنسا شهرة كبيرة، بكونها متحفاً مفتوحاً، وواحدة من كبرى قرى مركز ومدينة بني مزار، وتضم تلالاً ومقابر أثرية، ومقابر لصحابة الرسول محمد، وبقايا مسرح روماني كبير كان يتسع لأكثر من ألف متفرج، وكذلك عدداً من المعابد والآثار القبطية، وهو ما يؤهل البهسنا بحسب الخبراء والمتخصصين لتكون مدينة السياحة الدينية الأولى في مصر.

يقول الخبير الأثري أيمن سليمان: "بدأت شهرة المنطقة حين أرسل عمرو بن العاص جيشاً كبيراً يقوده قيس بن الحارث المرادي لفتح البهنسا، وحاصرها وعسكر في قرية القيسي التي سُميت باسمه. وقتها وصل الخبر إلى قوات الروم، فجمعوا الكثير من القوات لتصدي جيش عمرو بن العاص لمنعه من دخول المكان، وعندما اشتدت المعركة بين المسلمين والروم، تم الدفع بقوات كبيرة من جيش المسلمين، ليتم فتح المدينة في النهاية، وهي المعركة التي سقط فيها كثير من الشهداء".

"تكتسب المنطقة أيضاً أهميتها الدينية والتاريخية من كونها تجمع آثاراً من عصور عدة أبرزها العصر الإسلامي والفرعوني. ومن أشهر المقامات الموجودة في المكان "مقام السبع بنات" 

وتابع: "قبل دخول الإسلام إلى مصر كانت البهنسا معروفة باسم (مجة)، ومع دخول الإسلام تغير اسمها إلى بهنسا، فيما اختار البعض من الأهالى أن يطلق عليها اسم (مدينة الشهداء)، خصوصاً بعد أن سقط فيها كثير من الشهداء، ولعل أشهرهم: حفيد عثمان بن عفان، وحفيد الإمام علي بن أبي طالب، ومحمد بن عقبة بن عامر الجهني، وسليمان بن خالد بن الوليد، ومحمد بن عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق، ومحمد بن أبي ذر الغفاري، والقعقاع بن عمرو، وعبيدة بن عبادة بن الصامت، ومحمد بن عقبة بن نافع الفهري".

كما يرقد هنا أبناء عمومة النبي المحمد  وهم: الفضل بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، وزياد بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي، وأبناء عقيل وجعفر بن أبي طالب الهاشمي.

"كان لـبهنسا تأثير كبير على حركة التجارة في الماضي، حيث تقع على رأس الطريق الرابط بين وادي النيل والواحات، وهو ما جعلها محطة مهمة على طريق نقل البضائع. والمنطقة تجذب كثيراً من السياح، خصوصاً من الدول العربية وشرق آسيا، وكذلك المصريين الذين يحضرون إلى المكان للتبارك به، خصوصاً فى أيام الجمعة، حيث يحضر الكثير من الزوار الذين يقضون اليوم وسط الآثار والمقابر، ذلك أن قباب الصحابة متلاحمة مع مقابر الأهالي الذين يحرصون على دفن ذويهم هنا كنوع من التبارك".

وعن تفاصيل أخرى عن المكان يقول الخبير الأثري سعيد عبد الحكيم: "تكتسب المنطقة أيضاً أهميتها الدينية والتاريخية من كونها تجمع آثاراً من عصور عدة أبرزها العصر الإسلامي والفرعوني. ومن أشهر المقامات الموجودة في المكان أيضاً مقام السبع بنات الذي يقع على الطريق الموازي لمنطقة شهداء البهنسا، وتجذب تلك المنطقة الكثير من الزوار، خصوصاً وأن هناك كثيراً من الحكايات والأساطير التى نُسجت في عموم مصر شمالاً وجنوباً عن السبع بنات".

"توجد بالمنطقة شجرة مريم وهي الشجرة التي استظل تحتها السيد المسيح وأمه البتول مريم ويوسف النجار، وأيضاً توجد هنا قبة التكرورى الخاصة بـعبدالله التكروري، أحد الأمراء المغاربة الذين زاروا البهنسا، والسيدة خولة بنت الأزور من العصر الفاطمي، وهي أخت الأمير ضرار بن الأزور. وقد بدأت الحكومة مؤخراً عمليات تطوير كثيرة بالمنطقة لرفع كفاءتها، وتطوير القباب الأثرية فيها، ومع انتهاء تلك العمليات سيكون للمنطقة شأن أكبر وأهم".

يأتي الناس إلى المنطقة لأسباب مختلفة، لكن التبارك بالصحابة المدفونين بالمكان هو العامل المشترك. فالعم خيري (57 عاماً) يأتى إلى هنا في أيام الجمعة والأعياد والمناسبات حتى يزور كلّ من رحل عن من عائلته، ويطلب -كما قال لنا- التبارك بالصحابة المدفونين بالمنطقة.

تنتشر فى المكان كثير من الحكايات التى يتم تداولها من وقت لآخر حتى باتت من الأساطير ومنها ما يقال إن أحد العمال خلال عمليات حفر في المنطقة وجد جثة سيدي علي الجمام، وعند لمسها خرج من الجثة كثير من الدماء

فيما يأتى البعض الآخر إلى هنا لإتمام ما يسمى بعمليات "الدحرجة"، وهي الخاصة بالسيدات اللاتي يعانين من العقم، حيث حضرت هانم (35 عاماً)، من أبو قرقاص في محافظة المنيا، إلى هنا، لتتم بعض الطقوس التي تنتهى بالسقوط من أعلى مكان مرتفع والتدحرج في الرمال مقابل عشر جنيهات (أقل من 1 دولار) تتقاضاها السيدة المسؤولة عن عمليات الدحرجة، وذلك على أمل الإنجاب، باعتبارها المنطقة مباركة ومقدسة.

زارت هانم كثيراً من عيادات أطباء النساء بحثاً عن حل يجعلها تحقق حلمها بالأمومة، لكنها فشلت في النهاية، وأخيراً نصحتها جارتها بأن تأتي إلى هنا لتخضع لعملية دحرجة. تروي هانم حكايتها لنا، وتقول: "هذه أول مرة أزور هذا المكان وعلمت أنه على المرأة التي تريد أن تحمل زيارة هذا المكان لمرتين أو ثلاث مرات، والتدحرج، والمرور لسبع مرات من البئر القديم الذي يقع جنب مقام السبع بنات. وأتمنى من الله أن يتحقق المراد. المكان هنا طاهر، وأنا واثقة أن الله يكرمني إن شاء، وسأصبح حاملاً. هذه أرض الشهداء وكل المدفونين فيها مبروكين، والله سيعطينا من بركتهم".

تنتشر في المكان كثير من الحكايات التى يتم تداولها من وقت لآخر حتى باتت من الأساطير، ومنها ما يقال إن أحد العمال خلال عمليات حفر في المنطقة وجد جثة سيدي علي الجمام، وعند لمسها خرج من الجثة كثير من الدماء.

كما تنتشر ـحسب تصريحات زوار المكان ـ أسطورة أخرى حول مقام سيدي الدكروري الموجود بالمكان، والذي يعتقد أغلب من يحضرون المكان بأنه يظهر من فترة لأخرى على حصانه الأبيض الذي حارب عليه أثناء الفتح الإسلامي لمصر، حتى أن البعض ممن يأتي إلى هنا يوم الجمعة يبقى لفترات طويلة أمام المقام على أمل ظهوره فى أي لحظة لطلب البركة.


وإذا قادتكم أقدامكم إلى المقام ستجدون رجلاً مسناً يمسك بصندوق يجمع به أموال الصدقات من الزوار، وغالبيتهم من النساء، اللواتي يحضرن برفقة أطفالهن للتبرك. كذلك تجذب شجرة العائلة المقدسة كثيراً من الزوار الذين يجلسون تحتها لساعات للحصول على البركة.

وعلى أطراف المنطقة ستلمحون بعض حلقات الذكر المصغرة، حيث يجتمع فيها عدد من الرجال يتشاركون في ذكر الله، بينما يتنشر على الأطراف الأخرى عدد من الباعة الجوالين الذين أكدوا أنهم يحضرون لكسب مزيد من الرزق، خصوصاً أنهم يجدون يوم الجمعة موسماً لا يفوت لرواج بضاعتهم، والتي تكون عادة من الطعام والشراب الذي يقدمونه للزوار الذين يقضون اليوم بأكمله في زيارة معالم المكان.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard