حلوى مشَكّلة وفيوضات ورقصات دراويش... طنطا وتجلياتها

الثلاثاء 14 ديسمبر 202103:04 م

ربما تشتهر أمكنة وأحياء مختلفة، مصرية وغير مصرية، بالتفنن في صناعة الحلوى وابتكار أصنافها المتنوعة، كمنطقة السكّرية على سبيل المثال في قلب القاهرة الفاطمية، المعروفة منذ مئات السنين بحلواها الشهية وشموعها البيضاء والملوّنة. لكنْ أن تُوصَف مدينة بأكملها، منتجة للحلوى، وكأنها قطعة حلوى معسولة، طازجة وخفيفة على الروح، سهلة الهضم والامتصاص، "تشربها القلوبُ" والنفوسُ كعذراء النيل التي تحدث عنها أمير الشعراء أحمد شوقي، فهو الأمر النادر أو الذي لا يتكرر كثيراً.

تنتمي مدينة طنطا في دلتا مصر (93 كيلومتراً شمال القاهرة، و120 كيلومتراً جنوب شرق الإسكندرية) إلى هذا الفصيل من "المدن-الحلوى"، فهي مدينة مقرّبة ومحبّبة، ومحطّ رحال لاستقبال ملايين الوافدين والعابرين من محافظات مصر المختلفة، وذلك على الرغم من أن عاصمة محافظة الغربية ليست مدينة ساحلية، فلا تمتلك شواطئ بحرية، ولا تمثّل مَصيفاً أو مَشتىً للراغبين في الهدوء والاستجمام.

تتعدد المقوّمات والأسباب والهبات، الظاهرة والخفية، التي تضع طنطا في قائمة المدن الموطوءة والمنشودة على هذا النحو الواسع داخل الخريطة المصرية، وتشكّل بوصلتها الجغرافية وتركيبتها السكانية وخصائصها المزاجية والوجدانية ومزاراتها التاريخية وموروثاتها الحضارية والثقافية والفلكلورية واحتفالياتها الصوفية واقتصادياتها المتشعبة جوانب بارزة من حضورها النابض في قلب مصر.

وعلى الرغم من أنها مدينة فرعونية، حيث كانت تحمل اسم "تناسو" كإحدى بلاد المقاطعة الخامسة في الوجه البحري بمصر الفرعونية، فإن طنطا قد اكتسبت أهميتها الكبرى المستمرة إلى يومنا هذا، مع مجيء العهد العربي الإسلامي، حيث أطلق عليها "طنتدا" وصولاً إلى اسمها الحالي، ولا تزال الكثير من أنشطتها وعناصر تفوقها الراهنة تتمحور حول السياحة الدينية الإسلامية على وجه الخصوص، وتنطلق منها في الأساس، بما فيها النشاطات التجارية والصناعية.

لا تزال الكثير من أنشطة مديهنة طنطا وعناصر تفوقها تتمحور حول السياحة الدينية الإسلامية، بما فيها النشاطات التجارية والصناعية

وتحوي طنطا بعض الآثار والمزارات الفرعونية والرومانية والعصرية، كقرية خرسيت (خورست)، أو أرض إله الشر (ست) عند الفراعنة، وقرية "تلبنت قيصر"، التي تحوي قلعة رومانية عتيقة، ومتحف طنطا الحديث الذي يضم آثاراً فرعونية وقبطية ورومانية وإسلامية وعربية. لكن تبقى مقاصدها الشهيرة مقرونة بالمساجد والأضرحة والاحتفاليات الإسلامية والصوفية والموالد، التي تشكّل ملمحاً من ملامح الروح الشعبية والهوية المصرية في سائر أرجاء البلاد.

وعلى رأس هذه المزارات، مقام السيد أحمد البدوي في مسجده الأحمدي، الذي يستقبل حوالي مليوني زائر وعشرات الفرق الصوفية في ذكرى مولده، والذي يعتبر أحد أكبر الموالد في مصر والمنطقة العربية، إلى جانب الآلاف الذين يقصدون المكان في الزيارات اليومية والأسبوعية، خصوصاً يوم الجمعة. ويحمل المسجد قيمة أثرية ومعمارية بقبابه العالية ومحرابه وجدرانه وبواباته وزخارفه ولوحاته ومشغولاته الفنية، وتتجاوز مساحته بعد إعادة بنائه في القرن الرابع عشر الهجري ستة آلاف متر. ويعود نسب السيد أحمد البدوي (1199م-1276م) إلى الإمام الحسين، وهو المعروف بشيخ العرب، والقطب النبوي، وباب النبي، والزاهد، وهو أحد الأئمة وأصحاب الكرامات وأقطاب الولاية المتصوفين، وصاحب "الطريقة البدوية" المميزة بالراية الحمراء.

تستقبل طنطا قاصدي السيد البدوي ومريدي الطقوس الروحانية وحلقات الذكر ونفحات الابتهالات والأدعية والمدائح النبوية من جميع المحافظات المصرية

ومن المعالم الإسلامية الأخرى بطنطا سبيل علي بك الكبير، الذي أنشأه أحد أمراء المماليك، ويحمل سمات المعمار الإسلامي بنقوشه وفنونه الهندسية.

تستقبل طنطا قاصدي السيد البدوي ومريدي الطقوس الروحانية وحلقات الذكر ونفحات الابتهالات والأدعية والمدائح النبوية من جميع المحافظات المصرية، بما في ذلك محافظات الوجه القبلي في الصعيد، جنوب البلاد. ويساعد موقع طنطا الجغرافي في قلب الدلتا على سهولة الوصول إليها، إلى جانب تمتعها بشبكة من أفضل الطرق الإقليمية التي تربطها بالمحافظات المجاورة، كما أنها تمتلك أكبر محطة سكة حديد في مصر، ما يجعلها ملتقى لآلاف العابرين والوافدين على مدار الساعة، فهي وجه أليف لكل مصري، واستراحة شعبية قد تقصر أو تطول لمعتادي التنقلات بين محافظة وأخرى.

هذا الإحساس بالمؤانسة الذي يستشعره زوار طنطا مبعثه طبيعة أهلها المرحّبين بالغرباء، والمندمجين معهم، والذين يعملون على خدمة ضيوفهم، وينخرطون في أنشطة تجارية وصناعية تعكس حبهم للناس ورغبتهم في إضفاء السعادة والراحة عليهم. والكثير من هذه الأشغال والاقتصاديات تعود في جذورها إلى أجواء السياحة الدينية في المكان، بكل ما تحمله من إشراقات روحانية ونورانية.

ومن ثم، فإن المدينة تشتهر منذ القدم بالمسابح والعطور والبخور والزيوت وغيرها، وقبل ذلك فإنها المدينة الأشهر والأضخم في صناعة الحلوى وابتكار أشكالها الجديدة والفريدة لنشر البهجة في الميادين المتسعة والطرقات الممتدة، فلا يكاد يخلو درب واحد من محلّ أو معرض أو منفذ بيع للمكسّرات وأقراص المشبّك والحمّص والسمسم والفول السوداني واللوز والفستق، والملبن المحشو بالجوز، والبسبوسة والهريسة وحلوى المولد وغيرها، حتى أحدث صيحات الألفية الجديدة، وهي حلوى "المدّلّعة"، التي تتضمن القطعة الواحدة منها مزيجاً عجيباً من الكنافة والبسبوسة والكراميل والمكسرات.

إنها المدينة الأشهر في صناعة الحلوى وابتكار أشكالها الجديدة

وليست طنطا وفق هذه الصورة مجرد سوق لبيع الحلوى وتوفير الهدايا للوافدين والمسافرين، لكنها تبدو كجهة منظّمة لمهرجان الحلوى، ذلك الذي يحتفل فيه الباعة وأهل المدينة والزوّار على السواء بالحلوى (الحلاوة)، كما أنهم يحتفلون بالمدينة نفسها، فالمناخ برمّته مشحون بالفيوضات والروحانيات والتجليات ورقصات الدراويش، التبتلية والفنية في آن واحد، ولطالما كانت الحلوى غذاء للمتصوفين في حلقاتهم الممتدة لما بعد الفجر.

وهذا التآخي بين البشر يُنعش الوجدان، ويصل التلاحم بينهم إلى أعلى الدرجات وهم يقومون بزيارات وجولات وأنشطة مشتركة، ويناول بعضهم بعضاً قطع الحلوى لتتحول بين الشفاه إلى ابتسامات بيضاء ناصعة.

ولا تخلو الفنون والإبداعات النابتة في هذه البيئة من تلك الطزاجة والأصالة والروح الشعبية العميقة المجسّدة للشخصية المصرية وشخصية المكان في الوقت نفسه. وتعكس الفرق الشعبية التي تقدّم الفلكلور وفنون "التنّورة" على سبيل المثال، جوانب من فلسفة الرقص الدائري لدى المتصوفين.

وفي هذا المناخ، تبدو الموسيقى كذلك حلوى شفيفة ذات نكهة مختلفة، ونابعة من خيالات بِكْر، فهي عصارة النسيج المصري الخالص، كما في أنغام ابن طنطا وربيب مولد السيد البدوي وسرادقات "السهّيرة"، الموسيقار والمطرب محمد فوزي، فهي أنغام صافية رائقة، جوهرها الصدق والبساطة والطلاقة والتعبير عن الهوية المحلية المحتفظة بجذورها ونقائها من الشوائب الوافدة والمدسوسة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard