أنا مامادو، كيف صرت عبداً؟... رحلات المخزنجي في جنوب وشرق العالم

الأحد 22 مايو 202204:55 م

لم يكن بوسع القاص والكاتب محمد المخزنجي (1950) أن يُنحي الماضي جانباً، وبالأحرى التاريخ الاستعماري المرير الذي لا تزال بصماته باقية ومدموغة في صدور دول جنوب وشرق العالم، تلك التي زارها المخزنجي عبر فرصة هائلة، اُتيحت له أثناء عمله بمجلة العربي الكويتية، حيث وفرت له المجلة دعماً مادياً ومعنوياً ودبلوماسياً كبيراً، للقيام بهذه الرحلات الاستطلاعية.

على مدار تسع سنوات، بدأت عام 1992، زار خلالها 28 دولة، في 23 رحلة. وقد أتت هذه الرحلات بثمارها، حيث حققت طفرة في عالم الصحافة آنذاك، وقتما كان المخزنجي يقوم بنشرها على صفحات المجلة في حلقات متتابعة، قبل أن يقوم بتجميعها في كتاب ضخم، صدرت منه نسخة وحيدة عن دار الشروق عام 2011.

العالم من على سطح قطار

يُؤمن المخزنجي بهذه الجملة الفلسفية التي تقول: "الطريق يصنعه المشي"؛ فمنذ طفولته بمدينته المنصورة، بدلتا مصر، وهو يُحاول أن يصنع هذا الطريق، طريقه الخاص، متأملاً بعمق في البلاد والبشر.

كانت رحلته الأولى ذات خطورة، لم يُدركها قلب الطفل آنذاك، حيث كان يصعد على أسطح القطارات التي تشق طريقها إلى البلدان والمحافظات المجاورة، يتأمل العالم من على سطح قطار حيث "كانت زاوية الرؤية للعالم من مكان مرتفع ومنساب الحركة ومفتوح كسطح القطار بالغة الجاذبية والفرادة، كانت تجربة غريبة وثرية الإيحاءات وفاتنة المخاطرة".

وقبل أسطح القطارات، كانت ثمة رحلة أسبوعية للمخزنجي مع أصدقاء الحي، للتنزه والتسكع في أطراف المدينة. إنها غواية السفر التي تلبست صاحب "أوتار الماء" منذ أن كان صغيراً، تبعتها فترة من الكمون، حين أصبح طبيباً، حيث كان عليه أن يلتزم بتقاليد هذه المهنة الصعبة، التي لا تقبل هذا التمرد الصارخ.

يُؤمن المخزنجي بهذه الجملة الفلسفية التي تقول: "الطريق يصنعه المشي"؛ فمنذ طفولته بمدينته المنصورة، بدلتا مصر، وهو يُحاول أن يصنع طريقه الخاص، متأملاً بعمق في البلاد والبشر

وبعد ذلك بسنوات، جاءته فرصة لدراسة الطب النفسي بكرواتيا، وكان أجمل ما في هذه الرحلة، تلك المغامرة التي خاضها مع بعض الركاب على ظهر باخرة بيضاء تُسمى "باشكيري"؛ فعلى امتداد شهر كامل دارت به هذه السفينة التي يُشبهها بالفندق العائم، في معظم موانئ البحر المتوسط، بمائة دولار فقط لطلبة الدراسات العليا، ولم ترسخ في ذاكرة الكاتب من هذه الموانئ سوى: ملقا الإسبانية، وطنجة المغربية، والجزائر، واللاذقية، وأكثر من الجميع كانت إسطنبول.

الغرب اللاحضاري

وبعد أسطح القطارات، والباخرة "باشكيري"، كانت الطائرات تحمل المخزنجي إلى جنوب وشرق العالم، متجولاً ومتأملاً، ومسجلاً لاستطلاعاته، لتكن رحلته، واحدة من أهم الرحلات التي قام بها كاتب عربي في حقبة التسعينيات.

اصطبغت هذه الرحلات بموسوعية المخزنجي، وكذلك بموقفه السياسي والأيديولوجي، الذي جاء واضحاً بل حاداً، بالأخص خلال توثيقه لرحلاته في العديد من الدول الإفريقية التي عانت لقرون من "حروب وغزوات الرجل الأبيض على أرضها البكر".

متعمداً اختار المخزنجي، الجنوب والشرق، فهو يُعلن صراحة أنه لا يُحب الغرب ولا أمريكا. وعندما كان يتطلب العمل أن يمر على أوروبا، كان يختار جنوبها وشرقها، ويُفسر ذلك الموقف بقوله: "إن لدي مراراتي الخاصة تجاه الغرب الذي لم يُغادر الفترة الاستعمارية إلا إلى فترة استعمار جديد، نوع من الأنانية والاستعلاء اللذين لا أستطيع إبعادهما عن خاطري، وأنا أهيم ببساطة ورقّة حال، في بلدان الجنوب والشرق بطبيعتها الخلابة".

تأسس هذا الموقف للمخزنجي من رؤيته الخاصة لمفهوم ومعنى الحضارة، فهو لا يرى كل مدنية حضارة، والحضارة بالنسبة إليه "سمت إنساني حي، يتعلق بروح البشر واختياراتهم المتآخية مع جماعاتهم وبيئاتهم، والمسالمة مع الآخرين، وعدم تمييز الذات، والنفور من استغلال الغير، أو استعمار بلاد الناس".

سمات الحضارة هذه، يراها المخزنجي غائبة عن حقيقة مدن الغرب فائقة التمديُن، في حين يجدها متحققة في بلدان الجنوب والشرق الزاخرة –على حد قوله- بالفلسفة الروحية، والرؤى الخلابة والرحيمة في الناس والبلاد.

ضريح في قمة العالم

كانت الرحلة الأولى للمخزنجي استثنائية ومغامرة بكل المقاييس، حيث وقع الاختيار على جنوب إفريقيا وكانت آنذاك لا تزال تحت حكم الفصل العنصري، إبان فترة المفاوضات بين نيلسون مانديلا المفرج عنه حديثاً وآخر الحكام البيض، ديكليرك.

الجولة الاستطلاعية الأولى للكاتب، كانت في شوارع جوهانسبرغ، وهي المدينة التي شيدها الذهب وارتبطت نشأتها باكتشافه عام 1886، وهي مثال صارخ على العنصرية، التي اكتوت جنوب أفريقيا بنارها لسنوات مديدة، فعلى بُعد خطوات من المركز البراق، المشيد وفقاً للنظام الأوروبي، تتبدل طبيعة الشوارع، ويبدو العنف مستشرياً، حتى أن بائعاً بإحدى الصيدليات العجيبة، التي تبيع مراهم دهن التمساح، ونسائر لحم الخرتيت، والدروع المميزة لقبائل الزولو، يحذر الكاتب ورفيقه إلى ضرورة العودة من حيث أتى لأنه في "منطقة بشعة".


ومن جوهانسبرغ إلى المدينة الكوزموبوليتانية الساحرة الكيب تاون، ثم إلى قمة رأس الرجاء الصالح التي وصفها السير فرانسيس دريك بأنها "أجمل رأس في محيط الكرة الأرضية"، ومنها إلى قمة جبل المائدة، وهي أعلى قمة في العالم.

وهناك حين كان الكاتب يواصل الصعود مخترقاً السحب العابرة، في عالم كالحلم، بين مروج وغابات صنوبر وفراشات، فإذا بأصوات صغيرة تقرأ القرآن، تنبعث من مبنى ناصع البياض، يعرف الكاتب من خلال تجاذب الحديث مع أحد الرجال، أنه ضريح، وبه مدرسة صغيرة لتحفيظ القرآن، وهذا الضريح على قمة جبل المائدة، تماثله عشرات الأضرحة المتناثرة على قمم جبال الكاب، أقامها مسلمو المدينة فوق قبور الرعيل الأول من المسلمين الماليزيين الذين جلبهم الهولنديون قسراً في بداية القرن السابع عشر، ليعملوا في مزرعة الشركة الهولندية كعبيد أو سجناء منفيين.

ناميبيا... الجوهرة المنسية

يترك المخزنجي قمم جبال الكاب، مرتحلاً إلى ناميبيا، أو جوهرة أفريقيا المنسية كما يُسميها. وينقل لنا صوراً تشكيلية فاتنة، للحياة البرية والمدنية في هذه البلدة الهادئة، فهي "خلجان شفافة لجحافل من طيور الفيلامينجو، وبرارٍ لأسراب الغزلان الطليقة، صحار تنبثق منها واحات النخيل الاستوائي، وغابات تربتها حمراء تلامس السحب، مدن تحتفظ بعمارة القرن التاسع عشر الأوروبية، وأرصفة تعج بمنحوتات العاج والأبانوس الإفريقي، حكومة سوداء بها وزراء بيض، ونموذج ديمقراطي يحترم التنوع، ونزوع طيب لتجاوز الماضي نحو حاضر لا يعرف التفرقة".

هذه الصور الفاتنة بطابعيها البري والمدني، تتناقض مع ماضي هذه البلدة، وما يحويه من تراث غائر من القهر العنصري والاستعماري، وكان مثيراً للغضب والنفور في نفس الكاتب، وهو في طريقه إلى وايندهوك العاصمة، فخطّ الطيران المتاح، كان لا بد وأن يمر بـفرانكفورت، وهذه المصادفة، كانت تأخذ ناميبيا الهاجعة بين "الرمل والمحيط" من الحاضر الهادئ المسالم إلى الماضي الدموي الاستعماري، حيث كانت ناميبيا مستعمرة ألمانية، أبيد 60% من سكانها الأفارقة في جولة تطهير عرقي واحدة، قبل أن يأفل نجم الكولونيالية الألمانية في الحرب العالمية الأولى.

تعتبر قصة "مامادو" أشهر وأقسى حكايات الكتاب، والأكثر اقتباساً من جانب القراء على المواقع الخاصة بالقراءة

أما المخزنجي المعبأ بالنفور من السياسات الاستعمارية الغربية، فكان يتساءل طوال جولته: "ما الذي دفع بهؤلاء الألمان، للذهاب إلى هناك في أقصى جنوب الصحراء الإفريقية، ليلتهموا شريحة من الأرض تضرب أقدامها مياه المحيط الأطلنطي، وتسفع ذراها رياح الأوقيانوس، ويحيا على أعشابها بعد مواسم المطر، الإنسان والحيوان والطير؟... لا شيء سوى النهم الأوروبي وروح المغامرة اللذين وضعا العالم بين ثنائية الاكتشاف والقسوة".

"إنها شلالات فيكتوريا، أعجوبة نهر الزامبيري الفاتنة"

نحن الآن في رحلة استثنائية في زيمبابوي، رحلة في الزمان والمكان، عمقها مائة وخمسون مليون سنة، وتُشكل أعرض ستارة مائية في العالم، وهي ستارة تدور عليها ومن حولها مشاهد من فتنة الطبيعة البكر.

بدأ المخزنجي رحلته بعشاء عجيب في العاصمة هراري، حيث كانت المائدة معدة بأطباق "مشويات ذيل التمساح، ولحم النعام، وحمار الوحش، والخرتيت والغزال".

بعد هذا العشاء العارم، تجول الكاتب في المدينة التي لا تنام، ليكتشف روحها الفنانة بالفطرة، التي تُحيل كل أنواع الصخور والحجارة إلى تماثيل متقنعة توجد في كل مكان، وبأزهد أسعار فنية في العالم.

ومن هراري إلى "فندق شلالات فيكتوريا"، وجد المخزنجي نفسه على مقربة من جسم الدراما التاريخية الكامن في قلب الجغرافيا، فغرفته في الفندق الشهير، كانت مواجهة لجناح ملكة بريطانيا وبناتها، وكذلك مكتشف شلالات فيكتوريا الشهير ليفنجستون.

وفي السنغال، "صخرة الأنين الملونة"، التي وقف الرئيس الأمريكي بيل كلينتون بين ألوانها الدافئة متأثراً ومعتذراً، وكذلك بابا الفاتيكان. كان الكاتب يسمع "أنيناً موجعاً بعمق القرون، فتوقفنا، نُقلب البصر حيارى في أفق الأطلسي والنفس تهتف: يا الله ما أهون الاعتذار".

خاض المخزنجي هذه الرحلة وجدانياً كشخصين، حتى يغوص في الأعماق المنسية والموجعة لهذا البلد؛ الشخص الأول هو الكاتب ذاته، الرحالة المستطلع، أما الشخص الثاني فهو زنجي أسود، أسماه بعد تحريف قليل لاسمه "مامادو".

"لدي مراراتي الخاصة تجاه الغرب الذي لم يُغادر الفترة الاستعمارية إلا إلى فترة استعمار جديد، نوع من الأنانية والاستعلاء اللذين لا أستطيع إبعادهما عن خاطري"

يجيء مامادو من عمق ثلاثة قرون مضت، مصطحباً الرحالة المستطلع، ليحكي له قصته أو كيف أصبح عبداً. وهنا يحكي المخزنجي، مستنداً إلى العديد من المراجع التاريخية، عن قصة العبودية، وكيف تحول الإنسان الإفريقي في زمن الاستعمار والفجاجة الغربية، إلى ماشية تُباع وتشترى.

ويورد إحدى القصص المؤلمة على لسان مامادو، وتعتبر قصة "مامادو" أشهر وأقسى حكايات الكتاب، والأكثر اقتباساً من جانب القراء على المواقع الخاصة بالقراءة مثل "غود ريدز".

أبراج الصمت وجسر "سعادا كوبريا"

ومن أفريقيا إلى آسيا، ارتحل المخزنجي إلى مومباي بالهند، "مدينة الزحام والأحلام والبؤس والذهب"، حيث اقتحم أبراج الصمت المجوسية حتى آخر أبوابها الممنوعة، وصعد إلى ذرى الحدائق المعلقة، ثم هبط إلى بحيرة بانجانجا العكرة "المقدسة"، وقرع الأجراس في معبد "ربة" الثروة والحظ السعيد، منتهياً على صراط داخل البحر ليقرأ الفاتحة عند مقام "حاجي علي" العائم فوق الماء.

وكان المخزنجي أول كاتب عربي يقترب من "أبراج الصمت" في مغامرة مثيرة ومفزعة في آن؛ فوق هذه الأبراج، كان الزرادشتيون، يُسجون موتاهم لتنهشهم العقبان حتى العظام. وطقوس الموت هذه، الهدف منها الحفاظ على مقدسات الزرادشتيين، وهذه المقدسات هي النار والأرض والماء والهواء. ومن هنا جاءت طقوسهم الغريبة في دفن موتاهم.

زار المخزنجي بعض الدول العربية مثل: المغرب، والإمارات، وسوريا، وتجول في العديد من دول الهند الصينية، وفي روسيا التي عاد إليها بعد غياب طويل، رصد مظاهر الجمال والعنف، متجولاً في الميدان الأحمر، وفي حديقة بوشكين.

وفي سراييفو، عاصمة البوسنة والهرسك، كان يتأمل المزهريات النحاسية التي صُنعت من طلقات الموت، إثر العدوان الصربي على المدينة. وقبل أن يُنهي رحلته كان الكاتب واقفاً، على جسر "سعادا كوبريا"، وهو اسم أول شهيدة سقطت إثر القصف الصربي، وكانت تدرس في السنة النهائية بكلية الطب.

وكانت ألبانيا هي المحطة الأخيرة، في رحلات المخزنجي، وكان ذلك ختاماً هادئاً، في أرجاء بلد عاش في العزلة لـ550 عاماً، حيث طوقه الحظ الجغرافي السيء، وعمّق هذا الطوق خمسة قرون من الاستعمار العثماني الثقيل، وأخيراً حُكم رئيسها الراحل أنور خوجا، لتخرج ألبانيا منذ عدة سنوات ليست بعيدة، من هذه العزلة المريرة، بخطى متوجسة تجاه الحياة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard