نحو براغماتية راديكالية

الثلاثاء 17 مايو 202212:58 م

خُتم فصل الانتخابات البرلمانية اللبنانية. الآن، صار من الممكن فتح بعض الملفات بهدوء، بعيداً عن الأماني والعواطف. والأماني والعواطف لطالما كانا من معوقات التغيير في لبنان.

في أول استحقاق انتخابي بعد انتفاضة السابع عشر من تشرين الأول/ أكتوبر 2019، سقط شعار "كلّن يعني كلّن" على أرض الواقع. مَن أسقطه هو الشعب، بغض النظر عن سيئات قانون الانتخاب وسيئات أخرى كثيرة تقع كلها في لبنان ضمن "المعتاد"، أي كجزء من واقع الأمور، ومن دون إنكار أن ما حققه المناخ التوّاق للتغيير ووجوهه الفائزة هو إنجاز.

الشعار المذكور كان شعاراً حركياً مهماً في لحظة اندلاع موجة الاحتجاجات الشعبية، وبقي مهمّاً لأسابيع، ولكن سقطت أهميته، والتأريخ لذلك بدقة مستحيل، منذ لحظة اتّضاح انعدام قدرة حامليه على الاتحاد في كيان سياسي يواجه "الكلّن"، بل غير قادر على توفير الحد الأدنى لبقائه والمتمثل في توافق جليّ على تعريف "الكلّن".

ما في هذا الشعار من طهرانية، وأحياناً من زعم طهرانية، ارتدّ بشكل مَرَضي على حامليه، فلم يعد ممكناً عليهم تمييز الحدود الفاصلة في التعامل مع "الكلّن" وفي التعامل مع معارضي "الكلّن" الآخرين، وهي حدود يُفترض أن تُبنى على معايير موضوعية وأن تكون سهلة التمييز.

وشيئاً فشيئاً، حلّ "الأنا" مكان كل جماعي يُفترض أن يكون مواجهاً لمنظومة الحكم الفاسدة، فكان ما كان مما شهدناه من صراع أنانيات شكّل أحد أبرز عناوين تأليف اللوائح المعارِضة. في محطات عدّة، بدا أن المعارضين يخوضون حرب الأنا ضد الجميع أو حرب النحن الصغيرة والضيّقة ضد الجميع.

وبسبب ذلك، ولتكبر الطامة، لم يعد ممكناً التمييز بين الرصيد الشخصي لكل مرشّح وبين رصيد الحركة الاحتجاجية أو التيار الاعتراضي النامي نسبياً (وفقط نسبياً) في البلد. وعليه، من غير المستغرب أن نرى بعض المرشحين الناجحين أو الخاسرين يحضنون أوراق نتائج ما حصدوه من أصوات ليقولوا: "هذه قاعدتي"، وهو منطق يزدري رغبات الناخبين ويتجاهل المناخات والسياقات ويتخيّل أنا متضخّمة مكان كل ذلك.

"الميوعة التي نشهدها في الخطاب السياسي اللبناني مسألة طبيعية في زمن موت الإيديولوجيات وشيوع الفردانية... ولكن هذا الواقع يحمل معه باستمرار خطر أن تصير أي قرارات ذات صلة بالشأن العام مبنية على معايير ذاتية مطاطة تتغيّر مع الهوى"

لعلّ الميوعة التي نشهدها في الخطاب السياسي اللبناني، وما يهمّني منه في هذا المقال الخطاب المعارِض السائل الذي أوصل 13 وجهاً "مستقلاً جديداً" إلى البرلمان، مسألة طبيعية في زمن موت الإيديولوجيات وشيوع الفردانية وما ينتج عنهما من صعوبة بالغة في طرح خطاب سياسي معارِض شامل وجامع. ولكن هذا الواقع يحمل معه باستمرار خطر أن تصير أي قرارات ذات صلة بالشأن العام مبنية على معايير ذاتية مطاطة تتغيّر مع الهوى.

ولذلك، صار الوقت، بعد انتهاء محطة الانتخابات النيابية، مناسباً ربما لقتل شعار "كلّن يعني كلّن"، والانتقال إلى الغوص في السجالات العامة بشكل أوضح. والبديل عن التمسك بهذا التعميم "الرومانسي" أحد اثنين:

فإما العمل على بناء تنظيم سياسي يعلن أن هدفه المستقبلي هو تقلّد السلطة السياسية، وبناء كل خطوات التنظيم ومواقفه على هذا الأساس، وهذا مستحيل التحقق، في ظل التشظي في "ساحة المعارَضة".

"في ظل استحالة ‘انصهار’ كل مجموعات المعارضة والوجوه التي وصلت بزخم انتفاضة تشرين، يبقى أقل الممكن أن نرى انتقالاً إلى نقاشات ذات فائدة حول الخيارات السياسية والاقتصادية الأساسية النافعة للبنان في المرحلة القادمة"

وإما الانتقال إلى فكرة خلق تجمّعات "ظرفية" على أساس مشتركات سياسية واضحة، حول قضايا يمكن أن يُحدث تحققها تحسيناً لأوضاع اللبنانيين في الأمد المنظور، وبناء نوع من ائتلافات سياسية "ظرفية" بين عدة أطر، كبيرة وصغيرة، للسعي إلى تحقيق هدف (أو أهداف) واضح ومحدد.

ففي ظل استحالة "انصهار" كل مجموعات المعارضة والوجوه التي وصلت بزخم انتفاضة تشرين، يبقى أقل الممكن أن نرى انتقالاً إلى نقاشات ذات فائدة حول الخيارات السياسية والاقتصادية الأساسية النافعة للبنان في المرحلة القادمة، تنتج عنها تجمعات "ظرفية" راديكالية في موقفها ولا تستحي من عقد تحالفات مع جزء من "الكلّن" بشرط أن يلاقيها في موقفها الراديكالي.

أعضاء كتلة الـ13 "المستقلين الجدد"، وبجانبهم بعض الفائزين الخارجين أو الميّالين للخروج عن الانقسام التقليدي العمودي في لبنان، يمكنهم أن يلعبوا دور الأقلية المقررة، وأيضاً يمكنهم بوصفهم "بيضة قبّان" أن يتسببوا بإحداث تغيّرات في بعض مواقف القوى "التقليدية" حول بعض القضايا، خاصة إذا ما تصرّفوا بنوع من براغماتية بنّاءة، وهذا قد يعيد الحيوية إلى السياسة في لبنان، وما بعد ذلك يُترك لما سيأتي.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard