متى ننزع فتيل المفاجأة؟

الخميس 14 أكتوبر 202107:52 م

ما جرى اليوم في بيروت ليس مفاجئاً. هذه هي النتيجة الطبيعية لسياق الأمور. يمكن توقّع حدوث ما حدث قبل حدوثه. قد يحاجج البعض بأنه لو لم يُطلِق مسلحون غامضون النار على المتظاهرين لما كان وقع ما وقع. أجل. ولكن كان سيقع في يوم آخر وفي ظروف وملابسات أخرى.

نغرق أحياناً في تحليل التفاصيل ونهمل السياقات. اغتيال ولي عهد النمسا ليس السبب وراء اندلاع الحرب العالمية الأولى. كان يمكن ألا يُغتال ولكن الحرب العالمية الأولى كانت ستقع.

في لبنان، نعيش كلنا على خطوط تماس، أو، في تشبيه أفضل، فوق خط صدع قد يُحدث هزات أو زلزالاً في وقت ما. بعد أكثر من مئة عام على إعلان دولتنا، وأقل بقليل من ثمانين عاماً على استقلالنا، أي على إدراتنا شؤوننا بأنفسنا كما يُفترض من الاستقلال، لم ننجح حتى الآن في بناء منظومة مؤسساتية واجتماعية قابلة للاستقرار ولتوفير عيش المواطنين بسلام.

كل العناصر اللبنانية "الجامعة" لما في منظومتنا خاضع للسجال، من العَلَم، رمز الدولة، وصولاً إلى الدستور. الثابت الوحيد هو أن لكل طائفة من الطوائف حزباً أو بضع زعامات طائفية تنطق باسمها وتدير شؤون أبنائها، ويجلس ممثلوها مع نظرائهم من الطوائف الأخرى حول طاولات خشبية أو في قاعات للاتفاق على "الشؤون العامة".

لذلك، كل "عامّ" في لبنان هو شديد الهشاشة. لا صلب إلا الطائفي. كي تعيش "الشعوب" اللبنانية معاً، باستقرار وبسلام، كان ينبغي أن تتنازل عن سيادتها وتقبل الدخول تحت سيادة عامة تمثّلها مؤسسات مشتركة تبني سياسات "عامّة" تشمل تسيير شؤون أبناء جميع الطوائف، في كل المناطق.

لا يمكن القول إن هذه "السيادة العامة" لم تكن موجودة يوماً في تاريخ لبنان، ولكن في الوقت نفسه لا يمكن تحديد حقبة لم تكن فيها شرعية هذه "السيادة العامة" خاضعة للسجال، لأنها لم تنجح ولا مرّة في أن تكون فعلاً مشتركة وجامعة وعابرة للطوائف وأعلى منها. كانت دائماً "كونسورتيوم غلبة" يحوي فئات ويقصي فئات. وأوقات السلم التي شهدها لبنان هي الأوقات التي لم يكن فيها المغلوبون قادرين على تحدّي الكونسورتيوم الحاكم.

"لا يسمح حزب الله للمؤسسات ‘العامّة’ التي يتواجد فيها بأن تلتقط نَفَساً لتصوغ سياسات عامة توفّر استقراراً ما لفترة ما، حتى لو يكن مناسباً لفئات شعبية كثيرة. فتبقى حرب الجميع ضد الجميع قائمة باستمرار"

ينطبق ذلك على فترة المارونية السياسية، وهي كانت كونسورتيوم عابراً للطوائف، قبل أن تتوفّر للمغلوبين، وهم أيضاً تجمع لتشكيلات عابرة للطوائف، قدرة على تحديها بمساعدة سلاح المنظمات الفلسطينية، وينطبق ذلك على مرحلة 1990-2005، حين كان المسيحيون المغلوبون غير قادرين على تحدي كونسورتيوم تضبط إيقاعه سوريا.

بعد 2005، صارت التحالفات والتوازنات في ما يشبه حالة سيلان دائم، لا تثبت كثيراً، ما وَضَع كل الأحزاب الطائفية مرّةً في كونسورتيوم الغلبة ومرّة بين المغلوبين. وحده حزب الله كان دائماً في موقع قوّة لأنه يمتلك عناصر قوّة خاصة تسمح له بالعيش في كونسورتيوم غلبة عام وتسمح له بالعيش خارجه.

ولأن الأمور كانت دائماً على هذه الشاكلة، تعرف القوى السياسية الطائفية أن المؤسسات العامة، الدستورية وما دونها، هي موجودة شكلاً ولها مقرات ولكن حقيقتها تكمن في أنها تعبير عن توازنات معيّنة. هي أماكن تعطي للكل (مكاسب ومصالح) مقابل ما تأخذه منهم (الانضواء تحتها)، وتحاول قدر الإمكان ألا تثير غيظ المغلوبين كي لا تدفعهم إلى المواجهة.

"كونسورتيوم الغلبة الحالي في المؤسسات اللبنانية الدستورية، بقيادة حزب الله، يمارس غلبته بفجاجة بينما، على ما يبدو، لدى المتضررين منه، وعلى رأسهم حزب القوات اللبنانية، رغبة بعدم الخضوع له، خاصةً أن مقارعته مفيدة قبيل الانتخابات"

مع حزب الله، في السنوات الأخيرة، هناك متغيّر أساسي استجدّ على المنظومة. لم يسعَ فقط إلى أن يكون في كونسورتيوم الغلبة العام، بل أراد تحديد شكل هذا الكونسورتيوم وفرض أولوياته عليه بدل التفاوض مع شركائه فيه لخلق "أولويات مشتركة"، وفي الوقت نفسه يرفض أن يقدّم أي تنازل أساسي لهذا الكونسورتيوم، لأنه يريد الإبقاء على قدراته الخاصة القادرة على تحدّي أي قرار عام عندما يشاء، ما يخلق للمنظومة برمّتها تحديات لا تستطيع التعامل معها، فتزيد هشاشتها هشاشة.

هكذا، لا يسمح حزب الله للمؤسسات "العامّة" التي يتواجد فيها بأن تلتقط نَفَساً لتصوغ سياسات عامة توفّر استقراراً ما لفترة ما، حتى لو يكن مناسباً لفئات شعبية كثيرة. فتبقى حرب الجميع ضد الجميع قائمة باستمرار.

وجديده مؤخراً أنه وقف بفجاجة وبشكل علني ضد سلطة قضائية لأنها غير خاضعة له ولتعليماته، حتى ولو أن قاضي التحقيق لم يوجّه إليه أي تهمة. حزب الله، المهيمن على المؤسسة الدستورية الإجرائية والتنفيذية وعلى الأغلبية البرلمانية، لا يعرف كيف يلعب في ملاعب المؤسسات "العامّة".

هل كان المتظاهرون ضد قاضي التحقيق في انفجار مرفأ بيروت يحملون أسلحة؟ هل كانوا سلميين تماماً أو من "النخب"؟ هل تحدّوا أبناء أحياء لها خصوصية معيّنة؟ هل استفزّوهم؟ مَن أطلق عليهم النار؟ كل هذا لا يهم كثيراً إلا إذا كنّا بصدد محاسبة كل المخلّين بالأمن وهذا لن يحدث، أو إذا كنّا نستطيع إعادة الزمن إلى الوراء كي لا يقع ما وقع.

المهم أكثر هو التنبّه إلى أن مؤسساتنا ليست مؤسسات وإلى أن كونسورتيوم الغلبة الحالي في المؤسسات الدستورية بقيادة حزب الله يمارس غلبته بفجاجة بينما، على ما يبدو، لدى المتضررين منه، وعلى رأسهم حزب القوات اللبنانية، رغبة بعدم الخضوع له، خاصةً أن مقارعته مفيدة قبيل الانتخابات النيابية المقبلة. في ظل ذلك، توترات ستقع واشتباكات ستندلع وضحايا سيسقطون، لو لم يكن اليوم ففي يوم آخر، وفي ظروف أخرى.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard