لماذا نعجز عن التغيير؟... ظروف الفشل قائمة قبل المحاولة نفسها

السبت 17 أكتوبر 202011:54 ص

لماذا نعجز عن التغيير؟ هذا السؤال الكبير الذي لا نمتلك إجابات واضحة عنه، نطرحه كلّما حاولنا (أو حلمنا) وفشلنا. لا تشفي غليلنا كل محاولات تحليل أسباب الفشل ولا تنشّطنا فيتامينات الحديث عن "المراكمة" و"السيرورة" التي تُرمى علينا من هنا وهنالك.

والحديث عن العجر عادةً ما يبدأ قبل وضوح الفشل بكثير، بل يمكن القول إنه يترافق مع المحاولة نفسها ولا ينفكّ عنها. فماذا لو أن ظروف الفشل قائمة بالفعل قبل المحاولة؟

التشظّي

قبل فترة، صعقتني معلومة أن هنالك حوالي 450 مجموعة "ثورية" وُلدت من رحم انتفاضة اللبنانيين التي انطلقت في 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019. 450؟ لماذا؟ يصعب تصوّر وجود 450 طرحاً سياسياً، لا بل يصعب تخيّل وجود 450 رأي بسيط مختلف حول الانتفاضة أو حول الأزمات التي يعاني منها اللبنانيون.

يُحيل هذا التشظي الكاريكاتوري إلى السؤال المهم الذي يُطرح دائماً: لماذا نعجز عن تأسيس تيار تغييري شعبي؟

قد تساعد قراءة زيغمونت باومان في فهم الصعوبات التي تحول دون ذلك، لا بل تحول دون الاتفاق على "قضية مشتركة". يكتب في كتابه "الحداثة السائلة" عن صعوبة "التقاء الهموم الفردية وتجميعها في مصالح مشتركة، ثم في فعل جمعي"، ويعزو ذلك إلى أن "أكثر المتاعب المشتركة للأفراد الذين يجمع القدر بينهم ليست جمعية، فهذه الهموم ليست قابلة ‘للجمع’ في ‘قضية مشتركة’، فربما توضَع هذه الهموم جنباً إلى جنب، لكنها لن تصل إلى قوة التماسك والصلابة".

إذاً، صعوبات الاتفاق على قضية مشتركة تجمع عدداً كبيراً من المتضررين من النظام القائم نابعة من طبيعة مجتمعاتنا المعاصرة نفسها.

ساهمت التغيّرات في طبيعة العمل والاتجاه بشكل كبير نحو عقود العمل المؤقتة والتنوّع الكبير في مجالات العمل واختلافها عن بعضها في الظروف بشكل هائل، في هذا التشظي. اختلفت الأمور عمّا كانت عليه قبل عقود عندما كان هنالك شيء ما يجمع بين العمّال ويدفعهم إلى تأسيس منظمات عمالية.

قد يقول قائل إن الطبقة العاملة كما عرفتها المجتمعات الأوروبية لم توجد أساساً في مجتمعاتنا، والتنظيرات حول اختلاف طبيعة العمل وتأثيرات ذلك على المجتمعات وعلى النشاط العام هي بالأساس تنظيرات لأحوال مجتمعات أوروبية، وهذا قول فيه الكثير من الصحّة. لم تكن دولنا العربية في أي يوم من الأيام دولاً صناعية، ما يعني أنه موضوعياً لم توجد مصالح عمالية موحّدة لدينا في أي يوم من الأيام. ولكن شكل العمل في مجتمعاتنا وخاصة المدينية منها يشبه شكل العمل في المجتمعات الحديثة، لأن تصوّراتنا للنشاط العام وللعمل المشترك كانت ولا تزال تتأثر بالتصوّرات العالمية.

جزء كبير من المشهد النضالي في العالم العربي، بين ستينيات وثمانينيات القرن الماضي، جرى على وقع صراع القطبين الأميركي والسوفياتي، وعلى وقع تداخل (وربّما تخبّط) مفاهيمي يجمع بين تأييد السوفيات والإعجاب بنظريات اشتراكية والحديث عن مصالح الطبقة العاملة والحزب القائد... كانت هنالك "لصقات" تتيح بناء التجمعات الكبيرة المتمحورة حول هدف، والعمل المشترك الجماهيري. لذلك لم يولد مثلاً حزب ليبرالي عربي. اليوم، اختلفت الأمور كثيراً.

في مجتمعاتنا الحديثة، يعاني المرء من المخاوف والهموم والشكاوى المعاصرة بمفرده، كما يقول باومان. "إنها لا تتجمع في وحدة واحدة، فلا تتراكم في ‘قضية مشتركة’، وليس لها عنوان معيّن، أو حتى عنوان واضح"، وهذا الواقع يجرّد علاقات التضامن من مكانتها السابقة.

غير بعيد عن هذه القراءة، يتحدث بيير بورديو في كتابه "بؤس العالم" عن أن تحرير سوق العمل واستحداث العمالة المؤقتة، جعلت الأشكال التقليدية للعمل النقابي غير كافية، فهذه التحوّلات "حطّمت الأسس التي قامت عليها علاقات التضامن في الماضي"، ورافق انهيار هذه العلاقات "موت روح النضال والمشاركة السياسية".

جزء كبير من التحرّكات الفاعلة التي خرجت في العالم العربي، في العقد الأخير، كانت تحرّكات ذات طابع نقابي غير قابلة للاتساع لأنها علقت في ما يمكن وصفه بالأنانية، أي المطالبة بتحقيق مصالح فئة محددة، ما قد يتعارض مع مصالح آخرين.

ما تجاوز ذلك، في الانتفاضات الشعبية كثورات الربيع العربي والانتفاضتين العراقية واللبنانية، نجح في جمع فئات شعبية مختلفة في الساحات، يجمع بينها الامتعاض من وضع بلغ حالة مزرية، لكن عوامل فشل التغيير كانت كامنة فيها، فالناشطون القادرون على صياغة خطابات سياسية حديثة، وهم شريحة مدينية متأثرة بالتغيّرات في سوق العمل ويعيشون اللايقين الناتج عن ذلك، لم ينجحوا في تحديد "قضية مشتركة" تسمح بمباشرة عمل سياسي جماهيري.

الفرد VS المواطن

يُعيد باومان التذكير بوضع ألكسيس دو توكفيل للفرد في مقابلة المواطن بوصفه ألدّ أعدائه. فـ"المواطن" بحسب دو توكفيل هو شخص يميل إلى البحث عن رفاهيته عبر رفاهية المدينة، بينما الفرد يميل إلى اللامبالاة والشك والريبة في "القضية المشتركة"، و"المصلحة العامة" أو "المجتمع العادل".

ويوضح أن "إمكانية ‘إعادة اندماج’ الفاعلين الخاضعين لسيرورة النزعة الفردية في جسد المواطنة إنما هي إمكانية غير واضحة".

"لماذا نعجز عن التغيير؟ هذا السؤال الكبير الذي لا نمتلك إجابات واضحة عنه، نطرحه كلّما حاولنا (أو حلمنا) وفشلنا. لا تشفي غليلنا كل محاولات تحليل أسباب الفشل ولا تنشّطنا فيتامينات الحديث عن ‘المراكمة’ و’السيرورة’ التي تُرمى علينا من هنا وهنالك"

إذاً لماذا يظهر أشخاص على المسرح العام مطالبين بالتغيير؟ يجيب باومان: "ما يدفعهم إلى المغامرة على المسرح العام ليس البحث عن القضايا المشتركة وسبل النقاش حول معنى المصلحة العامة ومبادئ العيش المشترك بقدر تلهفهم على ‘صنع شبكة من العلاقات’".

وصنع شبكات العلاقات ليس مسألة بسيطة في مجتمعاتنا الحديثة. هي الطريقة الوحيدة لبناء "مجتمعات"، وتتم عبر الإفصاح عن الأمور الخاصة، كما يوضح ريتشارد سينيت، لكنها "مجتمعات واهية وعابرة" ومجرّد شماعة يعلّق عليها أفراد انفراديون كثيرون مخاوفهم الفردية الانفرادية.

على هامش الانتفاضة اللبنانية، وعلى هوامش كل الانتفاضات العربية، ظهرت "مجتمعات كثيرة" يردد أعضاؤها نفس الكلام تقريباً، وهو كلام عام وعاطفي ولا يرقى إلى خطاب سياسي يعبّر عن "قضية مشتركة"، ما أعطاهم أمان الجماعة، ولو إلى حين... ولكن مشكلة هذه "المجتمعات" الهامشية هي عدم إدراكها لشروط ظهورها ولهشاشتها، وعيش وهم أنها أوسع من حجمها، ما يصعّب تشكيلها لنواة "جماعة تغييرية واسعة".

يتحدث باومان عن أننا "في ما يبدو بصدد إعادة تعريف المجال العام، باعتباره موقعاً لإخراج القصص الدرامية الخاصة، ووضعها للعرض العام، وإتاحتها للمشاهدة العامة. فالتعريف الحالي ‘للمصلحة العامة’، كما تروّجه وسائل الإعلام وتتقبله قطاعات المجتمع كافة أو أغلبها، يتمثل في الواجب الذي يحتم علينا أن نمضي بهذه القصص الدرامية ونطوّر عرضها في المجال العام، علاوة على حق الجمهور في مشاهدة العرض".

وبرأيه، يؤدّي هذا التطور إلى موت "السياسة" بوصفها النشاط الإنساني الذي يتولى مهمة ترجمة المشكلات الخاصة إلى قضايا عامة (والعكس).

"الحديث عن العجر عادةً ما يبدأ قبل وضوح فشل محاولتنا للتغيير بكثير، بل يمكن القول إنه يترافق مع المحاولة نفسها ولا ينفكّ عنها. فماذا لو أن ظروف الفشل قائمة بالفعل قبل المحاولة؟"

ويوضح أن "المشكلات الخاصة لا تتحول إلى قضايا عامة بمجرد التنفيس العام عنها، بل إن وجودها في بؤرة الضوء العام لا يلغي طابعها الخاص، ويبدو أن كل ما تحققه هذه المشكلات الخاصة بتحولها إلى الساحة العامة إنما يتمثل في إزاحة كافة المشكلات الأخرى كافة ‘غير الخاصة’ من الأجندة العامة. فما يتصوّر الناس في الغالب الأعم، وعلى نحو متزايد، أنه ‘قضايا عامة’ إنما هي ‘مشكلات خاصة لشخصيات عامة’".

الحاجة إلى "تصوّرات مستقبلية"

في نقده لنمط الحياة في مرحلة "الحداثة السائلة"، ومن معالمها تحوّل اللايقين إلى اليقين الوحيد، يتحدث باومان عن انفصال السلطة بوصفها "القدرة على فعل الأشياء" عن السياسة بوصفها "القدرة على تحديد الأشياء التي ينبغي فعلها وإعطاؤها الأولوية".

من هنا يعتبر أن "المهام الراهنة للنظرية النقدية، وبوجه عام، النقد الاجتماعي... تتلخّص في إعادة بناء جسر بين ما مزّقه كل من سيرورة النزعة الفردية الرسمية والانفصال بين السلطة والسياسة"، عبر إعادة إحياء "الأغورا"، أي ساحات النقاشات العامة التي كانت تجمع المواطنين في المدن اليونانية القديمة، كمكان يحتضن "المناظرة والنقاش بين الذاتي والمشترك، المصلحة الخاصة والمصلحة العامة".

بدوره، ربط بيير بورديو ، في كتابه "نيران مضادة" بين انهيار ثقة الأشخاص، بسبب صعوبة تصوّر المستقبل القريب وهي صعوبة ناجمة عن عدم الثقة بمصائرهم في مؤسسات العمل، وبين الوهن الذي أصاب إرادة المشاركة السياسية والفعل الجمعي.

ويعتبر بورديو أن القدرة على ابتكار تصورات مستقبلية شرط ضروري لكل فكر يبعث على "تغيير العالم"، وكل جهد يطمح إلى إعادة النظر في الواقع الراهن وإصلاحه، ولكنه يشير إلى أنه من غير المحتمل أن يأتي الأمل في المستقبل على يد أناس يعجزون عن الإمساك بزمام حاضرهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard