ما هذه الكلمات النابية والمخدرات في الغناء أمام الجمهور؟... ظاهرة "تتلّو" في إيران

الثلاثاء 17 مايو 202203:38 م

"وشمٌ على هيئة إنسان"، هكذا يوصف ظاهر المغني الإيراني أمير تَتَلُو الذي لم ‏يخلُ جزء من جسده دون وشوم، حتى بات يقوم برسم الوشوم على جسده وسط ‏حفلاته الغنائية أمام الجمهور‎.‎

حياة المطرب الشهير أمير ‏مَقصود لُو، الملقب بـ"أمير تَتلّو"، مليئة بالازدواجية والتقلبات العقائدية ‏والسياسية والمحطات المتفاوتة عن باقي نجوم الموسيقى في هذا البلد ‏المحافظ المسلم‎.‎ يحمل في رصيده عشرين عاماً من غناء البوب والراب وآر أند بي (R&B) باللغة الفارسية، ويتمتع ‏بقاعدة شعبية مليونية  من جيل الألفينات، یقيم في تركيا منذ سنوات، ويزاول ‏نشاطه الفني من هناك بعدما مُنع من الغناء داخل إيران.‎

"تَتَليِتي ها" (التتلّیون)... جمهور تتلو

في بداية القرن الـ21 بدأ رحلته الغنائية بموسيقى "الأندر غراوند"، وسرعان ‏ما اكتسب زخماً كبيراً، وتناقلت أشرطته الغنائية بين الشباب والمراهقين، إذ ‏وجدت فيه شرائحُ واسعة من المراهقين والمراهقات والشباب والفتيات، ‏صوتاً مستقلاً معبراً عن أفكارهم ورؤاهم الخاصة للحياة والسياسة ‏والمجتمع والثقافة والفنون في جمهوريةٍ إسلاميةٍ محافظة، تعمل على أن ‏تكون حياة مواطنيها كما تشتهي‎.‎


وبعد الشعبية المليونية التي حققها في أوساط المجتمع الفتي التي تتراوح ‏متوسط أعمارهم 20 عاماً، بات يطلق على معجبيه "تَتَليِتي ها"، ما يعني ‏بالفارسية "جمهور تتلّو"‎.‎

اتضحت الصورة للجميع أن ‏جزءاً من السلطات تهوى استغلال شعبية المطرب ومكانته بين الأجيال ‏الحديثة لتمرير معتقداتها إلى طبقات مختلفة من الشباب والفتيات، يصعب ‏الوصول إليها عبر فنانين آخرين‎

وبعد فترة من العمل غير المرخّص له في العاصمة الإيرانية طهران، وجد ‏تتلو في مدينة دبي الإماراتية متنفساً لأعماله الغنائية، وأقام فيها خلال ‏منتصف العقد الأول من القرن الحالي، ولكن يبدو أنه لم ينل مراده هناك ‏فعاد بسرعة إلى وطنه ليصدر ألبومه الأول دون ترخيص متحدياً ‏السلطاتِ بذلك‎.‎

القضاء یخشی غضب المعجبين

ألقت الشرطة الإيرانية القبض على تتلّو مرتين بتهمة إشاعة الفساد في ‏البلاد، وذلك في عامي 2013 و2015، لكن جماهيرية تتلو واحتجاجات معجبيه، واعتصامهم أمام المحكمة، وإشعال منصات التواصل ‏بهاشتاغات تطالب بحريته، دفعت السلطات إلى اطلاق سراحه رغم عدم ‏شرعيته في الغناء‎.‎

وخلال المفاوضات النووية في حكومة الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني، ‏نشر تتلو أغنية حول حق إيران في امتلاك الطاقة النووية وهو يغني من ‏على متن فرقاطة جماران التابعة للجيش الإيراني، مما أثار حفيظة ‏حكومة الإصلاحيين والشعب‎. 

وبعد فترة وجيزة قدم أغنية أخرى لشهداء إيران، ونال تكريماً من ‏مؤسسة الشهداء والحرس الثوري، حيث اتضحت الصورة للجميع أن ‏جزءاً من السلطات تهوى استغلال شعبية المطرب ومكانته بين الأجيال ‏الحديثة لتمرير معتقداتها إلى طبقات مختلفة من الشباب والفتيات، والتي يصعب ‏الوصول إليها عبر فنانين آخرين‎.‎

المتشددون يستثمرون ظاهرة تتلو

واستكمالاً لهذا الاستثمار في ظاهرة تتلو، استفادت الماكينة الانتخابية ‏للمرشح إبراهيم رئيسي في السباق الرئاسي عام 2016 من المطرب بغية ‏تجنيد أنصار رئيسي، للفوز أمام منافسه حسن روحاني الذي كان رئيساً آنذاك‎ .‎

وقد طالب تتلّو معجبيه بالتصويت لصالح إبراهيم رئيسي، ولكن لم تفلح ‏محاولاته حيث أن معظم هواة أغاني تتلو هم المراهقون. وأمام الانتقادات ‏اللاذعة التي طالت التيار المحافظ لاستغلال مطرب غير شرعي في ‏الانتخابات، برر المتشددون من التيار نفسه أن الرجل قد تاب من ‏تصرفاته التي تخالف العُرف الإيراني وبات يؤمن بمعتقدات التيار ‏المتشدد دينياً، کما قدم أغنية عن ثامن أئمة الشيعة، الإمام الرضا المدفون ‏في إيران. ‏

بعد دبي، تركيا هي الملجأ الآمن ‏

ولكن بعد هذه العلاقات متينة، لم تدم صداقة تتلو مع التيار المحافظ كما حدث لعلاقاته من قبل ‏مع التيار الإصلاحي الذي دعمه في انتخابات 2008، فقد قرر أمير تتلو ‏البالغ من العمر 35 عاماً، الهجرة إلى تركيا عام 2017، حيث الحرية في ‏الغناء والحفلات وكل ما تشتهي نفسه‎.‎

تحظى حفلاته الموسيقية قي تركيا بحضور واسع النطاق يأتي معظمهم ‏من داخل إيران للاستماع إلى أغانيه التي تحمل كلمات سطحية ومن الشارع كما يقال، ويتخلل كثيراً منها بعضها شتائم ‏وعبارات نابية، وهي من كتاباته. كما قام المغني بتعاطي المخدرات على ‏منصة الغناء وممارسة رسم الوشم على جسده، وحتى سب شتم معجبيه ‏من على المنصة مباشرة على الهواء‎.‎

‏18 مليون تعليق والإنستغرام يغلق الحساب

حتى الآن، يراكم تتلو شعبيته عبر خلق "ترندات" على مواقع التواصل ‏الاجتماعي، حتى وإن كان مضمون ما يروجه مزيّفاً. وقد كان يتابعه أكثر من 4 ملايين ‏شخص ‏عبر أشهر منصة تواصل داخل إيران، الإنستغرام، حيث أجرى ذات مرة بثاً مباشراً على إنستغرام وطالب معجبيه ‏بالحضور الفاعل وتحطيم الأرقام القياسية حتى وصل العدد إلى 400 ‏ألف متابع في اللحظة، وفي بث مباشر آخر مع إحدى المؤثرات وصل عدد ‏مشاهديه إلى 600 ألف شخص في اللحظة. ومن أبرز تحطيماته للأرقام ‏القياسية أنه طالب في منشور على صفحته بكتابة 10 ملايين تعليق تحت ‏المنشور کي یطلق أغنيته الجديدة، وقد جاءت النتيجة بـ18 مليون تعليق، ‏حسب المواقع الإيرانية.‏

وقد عبر الكثير من الباحثين والمحلليين أن ظاهرة تتلو وما ينتجه من ‏تفشي البلطجة والتحرش الجنسي والعنف ضد النساء وأعراف خارج ‏دائرة المجتمع المحافظ الإيراني، هي ناتجة عن سوء الإدارة للمجال ‏الثقافي في البلد‎.‎

عام 2018 أغلقت إدارة إنستغرام حساب تتلّو وكتبت أن ‏حماية مستخدميه (إنستغرام) أبرز واجباتها، ويعود سبب الحظر إلى نشر تتلو ‏منشورات تحرض للعنف ضد المرأة، وتطالب الرجال بضرب النساء ‏وشتمهن‎

وقد كتب الأستاذ الجامعي إحسان شاه قاسمي، منتقداً متابعي هذا المغني ‏على حساباته الشخصية، "تتلو مؤذٍ، ويؤذي الآخرين". أما الناشط الصحفي ‏مصطفى دانَنده، فيقول: "باعتقادي أن البث المباشر الذي نشره تتلو هو ‏خارج دائرة الأدب؛ ألفاظه قبيحة وكلماته لا تحتوي على فكرة، ولكن ‏البعض يرغب في هذا الأسلوب ومتابعة الكلام السخيف والفارغ، وعلينا ‏تقبل الجميع".‏


تتلو يرسم الوشم على يده في حفلة بإسطنبول

عام 2018 أغلقت إدارة إنستغرام صفحة تتلّو، وكتبت أن ‏حماية مستخدميه (إنستغرام) هي أبرز واجباتها، ويعود سبب الحظر إلى نشر تتلّو ‏منشورات تحرض للعنف ضد المرأة، وتطالب الرجال بضرب النساء ‏وشتمهن‎.‎

وسرعان ما دشن المغني الشهير صفحته الأخرى، وحصل على 4/4 ‏ملايين متابع، ولكن في عام 2020 وللمرة الثانية أغلقت إدارة إنستغرام ‏حسابه دون حق العودة وفتح حساب آخر، بعدما دعا الفتيات ‏القاصرات الإيرانيات إلى المجيء إلى منزله والقيام بعلاقات حميمة معه‎.‎ حينها طالب تتلو جمهوره بمتابعة قناته في يوتيوب وتلغرام، إذ يتابعه ‏على المنصة الأخيرة حالياً مليون وسبعمئة شخص، أما على يوتيوب فنحو ‏‏600 ألف شخص. والجدير بالذكر أن كلا التطبيقين محجوبان في إيران‎.‎

تأتي تصرفات أمير تتلو على مواقع التواصل الاجتماعي للفت الانتباه ‏وكسب مساحة أكبر من النجومية والشهرة، خاصة وأنه يصر دائماً على ‏استعراض نفسه حيث تلمح مواقفه إلى "أنا" التي يرمز إليها دوماً بشكل ‏مباشر‎.‎


زواج تتلو

بعد علاقات مع كثير من المؤثرات الإيرانيات، أعلن المطرب تتلو مؤخراً ‏عن زواجه من نجمة السينما الإيرانية سحَر قُريشي، التي هاجرت ‏إلى تركيا في مطلع العام الحالي ويعيشان معاً في الوقت الحالي‎.‎

وقبل أيام أعلن تتلو على قناته في تلغرام عن نيته بالعودة إلى بلاده وإقامة ‏حفلاته في ملعب "آزادي" الذي يسع لـ100 ألف متفرج، متحدياً بذلك ‏شعبيته بين الشباب والمراهقين.

وحمّل الجهات ‏المعنية التي لا تسمح له بالدخول إلى البلاد مسؤوليةَ عدم عودته. وحتى اللحظة لم ترد الحكومة على ‏قراره بالعودة، ولكن يبدو أن الموافقة على عودته أمر مستبعد‎.‎

حقق تتلو حتى الآن نجاحاً جماهيرياً ضخماً عوّضه عن لوم النقّاد والمجتمع الذين ‏انتقدوه بشراسة وحمّلوه مسؤولية المشاركة في تفشي البلطجة بين أوساط ‏الشباب الإيراني.‏ 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard