"مصالحة" في المغرب.. برنامج يحاول إخماد التطرف داخل سجون المملكة

الخميس 12 مايو 202202:39 م

يمضي المغرب في اعتماد سياسة شاملة للتصدي للتطرف والإرهاب، ليس فقط عبر درء الهجمات الإرهابية عن المملكة، وإنما أيضاً عبر جهود حثيثة لدفع معتقلين على خلفية قضايا الإرهاب والتطرف إلى نبذ التشدّد والتطرف في أثناء وجودهم في السجن في إطار برنامج "مصالحة".

هذا البرنامج انطلق عام 2017، إذ وصل عدد الذين استفادوا منه إلى 222 معتقلاً، وفق كلمة ألقاها المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج محمد صالح التامك، نهاية الشهر الماضي، خلال حفل اختتام الدورة التاسعة من البرنامج التي استمرت ثلاثة أشهر ونصف.

في آخر دورات البرنامج، الذي تسهر عليه المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج بالاعتماد على مواردها الذاتية، وبتعاون مع المجلس الوطني لحقوق الإنسان والرابطة المحمدية للعلماء وخبراء مختصين، تمكّن 15 سجيناً جديداً من الاستفادة من نتائج "مصالحة".

يندرج البرنامج ضمن مساعي المندوبية لتوفير الشروط المناسبة لإعادة إدماج فئة المعتقلين المدانين في قضايا التطرف والإرهاب في المؤسسات السجنية، من خلال تبني مقاربة علميّة تتكامل مع الجهود المتعددة الأبعاد والمبذولة على المستوى الوطني في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف في إطار ما يطلق عليه الاستباقي الأمني والتحصين الروحي ومحاربة الهشاشة.

أساسات للمصالحة

من هذا المنطلق، يرتكز برنامج مصالحة، وفق التامك، على أربعة أساسات هي: المصالحة مع الذات، والمصالحة مع المجتمع، والمصالحة مع النص الديني، والمصالحة مع النظم والمعايير المنظّمة للمجتمع في علاقته بالفرد وبالمؤسسات الشرعية التي تؤطر الحياة العامة. وهو ما يعني نبذ العنف، وقبول التفسيرات التعددية للنصوص الدينية، والاعتراف بشرعية النظام.

 برنامج "مصالحة" المغربي ، الذي يهدف إلى انتزاع معتقلين في قضايا "إرهاب" من براثن التطرف، انطلق عام 2017، ووصل عدد الذين استفادوا منه إلى 222 معتقلاً، 

المصدر ذاته، رأى أن "البرنامج الفريد من نوعه، يدخل ضمن الإستراتيجية العامة الخاصة بتدبير الحقل الديني التي وضعتها المملكة المغربية، تحت قيادة الملك محمد السادس، بصفته أميراً للمؤمنين، والقائمة على التعاليم الإسلامية الحقة المبنية على الوسطية والاعتدال والانفتاح والتسامح ونبذ كل أشكال التطرف والعنف".

غير أن "الاستفادة من البرنامج تقتضي من السجناء المعنيين إرادةً واستعداداً لتصحيح مفاهيمهم وأفكارهم"، يستطرد التامك.

"هامش كبير للمعتقلين"

يرى مصدر قريب من الملف، رفض الكشف عن هويته، أنه "لم يكن سهلاً على الدولة أن تحاور هؤلاء المعتقلين، لذلك كان هناك نقاش وتفاعل كبيران مع هؤلاء، حتى طالبت مجموعة من المعتقلين بالمشاركة في البرنامج".

في تصريح لرصيف22، أضاف المصدر نفسه، أن "الهامش الكبير الذي فتحته الدولة للمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج في ما يخص برنامج المصالحة، هو الذي جعل مجموعةً من المعتقلين يراجعون أفكارهم ويتصالحون مع ثوابت المملكة المغربية".

كما شدد المتحدث ذاته، على أنه "عندما أصبحت الدولة هي التي تدبّر ملف الحوار مع هؤلاء المعتقلين، أضحت النتائج إيجابيةً؛ لأن الأمور لم تعطِ نتائج تُذكَر قبل ذلك، عندما كانت أطراف تستغل ملف المعتقلين الإسلاميين سياسياً".

"تسويق لشيطنة الإسلاميين"

مقابل هذا الرأي، يبدو أن هناك أطرافاً معنيةً بالملف بشكل أو بآخر لها رأي مخالف لبرنامج "مصالحة" هذا. يقول المتحدث الرسمي باسم اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين، عبد الرحيم الغزالي: "عموماً، ما يسمى ببرنامج مصالحة، من حيث الرؤية الشمولية، تضمن توصيفاً غير صحيح بتاتاً لحالة المعتقل الإسلامي، ولا علاقة له بواقعه اعتقاداً وممارسةً".

لذلك، ليست هناك "مصالحة بما تحمله حمولة الكلمة، بل هي مجرد دورات يستدعى إليها بعض المعتقلين، وهي عبارة عن إملاءات على شكل ندوات على مدى أيام معدودة، يؤطرها بعض الأشخاص من المندوبية العامة لإدارة السجون والرابطة المحمدية للعلماء والمجلس الوطني لحقوق الإنسان وبعض الأساتذة، ثم تُختم بتوزيع شهادات تفوّق ومشاركة في البرنامج على المعتقلين"، يوضح الغزالي في حديثه إلى رصيف22.

 برنامج "مصالحة" جعل مجموعةً من المعتقلين يراجعون أفكارهم ويتصالحون مع ثوابت المملكة المغربية بحسب المشرفين عليه

ويعتقد المتحدث، أن المندوبية العامة لإدارة السجون "تعمدت من خلال ‘مصالحة’ طرح مغالطات وتسويقها بقصد شيطنة أبناء الصحوة الإسلامية في المغرب، من قبيل تكفير المجتمع، والخصومة مع الأسرة والذات والنص الديني (...)

غاية ذلك في الحقيقة هي "قلب الحقائق وتزويرها بجعل المظلوم ظالماً، من خلال الدفع بالمعتقلين الإسلاميين تحت إكراه ضغط الوضع الحقوقي المزري داخل السجون، وطول المدة السجنية، إلى الانضمام إلى البرنامج وفق ما تريد المندوبية على أمل معانقة الحرية ليس إلاّ"، يردف الغزالي.

تفكيك الخطاب المتطرف

لكن في جانب آخر من هذا الموضوع الشائك، المرتبط أساساً بأفكار وقناعات وقراءات مختلفة للنص الديني؛ هل تُعدّ مسايرة مجموعة من المعتقلين على خلفية التطرف والإرهاب، سهلةً في سبيل تحقيق مراجعات فكرية وعقائدية أحياناً لكي يتخلوا عن خطابهم السابق؟

يجيب الباحث في تجديد الخطاب الديني، محمد عبد الوهاب رفيقي: "هناك صعوبة في هذه المهمة لأن الأمر يحتاج إلى تفكيك الخطاب المتطرف ودحض الأسس التي قام عليها هذا الفكر، وهو ما يستوجب مجهوداً فكرياً ومعرفياً وفقهياً".

"توسيع الفهم للدين والانتباه لمقاصده العامة وطرح قراءات جديدة للنص الديني، تساعد على تفكيك الخطاب المتطرف، ويمكن إقناع المتطرف بها للتخلي عن قناعاته السابقة"

بالرغم من ذلك، فهي مهمة ممكنة، بالنظر إلى "وجود قراءات عديدة داخل الدين نفسه، يمكن توظيفها وتنزيلها لتفكيك الخطاب المتطرف، وهي كما أظن واحدة من الوسائل الموظفة في برنامج مصالحة"، يقول رفيقي لرصيف22.

ويذكر المصدر نفسه، أن "توسيع الفهم للدين والانتباه لمقاصده العامة وطرح قراءات جديدة للنص الديني، تساعد على تفكيك الخطاب المتطرف، ويمكن إقناع المتطرف بها للتخلي عن قناعاته السابقة".

لهذا "يستحق برنامج مصالحة، بما يعتمده من مرتكزات، التشجيع والإشادة؛ لأنه يعطي أملاً لكل من خانته أفكاره وقناعاته في وقت ما بالعودة إلى الطريق الصحيح، ولكي يستفيد المجتمع منه كنموذج لمحاربة التطرف وترسيخ قيم السلام والسلم والأمن داخل عقول الشباب والناشئة والأجيال الجديدة"، يوضح رفيقي.

وخلص المتحدث، إلى أن هناك "مؤشرات إيجابيةً تدل على أن البرنامج تحققت أهدافه إلى حد كبير"، آملاً بأن يتطور خصوصاً "في ما يتعلق بإدماج المعتقلين في الحياة بعد خروجهم من السجن".

"حالة العودة"... مؤشر خطير

في ارتباط بسياق النتائج المتوخاة من برنامج مصالحة المستمر في المملكة، خصوصاً على مستوى مكافحة التطرف والإرهاب، يرى الخبير في المجال الأمني، إحسان الحافظي، أنه "قياساً إلى عدد الأشخاص الذين استفادوا من العفو أو تخفيض العقوبة بناءً على برنامج مصالحة، والبالغ عددهم 222 شخصاً، يمكن القول إن البرنامج يحقق جزءاً من أهدافه مع ما يحمله من تحديات خطيرة، لأن بعض المدانين سابقاً في قضايا الإرهاب عادوا إلى أنشطتهم الإجرامية في السنوات الأولى لمغادرتهم السجن".

بلغة الأرقام دائماً، "من أصل أكثر من 3،300 معتقل في قضايا الإرهاب غادروا السجن خلال العشرين سنةً الأخيرة، هناك مثلا 54 شخصاً غادروا السجن بعد إدانتهم بقضايا الإرهاب، وتورطوا مع جماعات إرهابية في الداخل؛ ما يعني أنهم في حالة العَوْدْ (ارتكاب الجرائم نفسها)، و225 آخرين انتقلوا إلى بؤر التوتر في الخارج. وهذا مؤشر خطير يشكل تحدياً مركزياً في برنامج مصالحة"، يوضح الحافظي لرصيف22.

سجَّل الباحث أن "فكرة برنامج المصالحة تقوم على تصنيف أولي للسجناء المدانين في قضايا الإرهاب، وفق توجهاتهم الفكرية ودرجة تشددهم"، مشيراً إلى أنه "فعلاً هذه النوعية من البرامج معتمدة في عدد من الدول التي تعاني من ملفات تدبير سجناء الإرهاب، وهي كلها تروم إعادة الإدماج الاجتماعي والمهني وخلق بدائل تحاصر البنيات الحاضنة للإرهاب فكراً وممارسةً". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard