"دايماً بشم ريحة حاجة بتتحرق"... أظنها حياتي

السبت 14 مايو 202202:33 م

 المضطرب

 

كل الأحلام والألوان والكلمات

اتخذت من قلبي مكاناً للاختباء

بيدي أنا لا بيد غيري

أمسكت سكيناً وفتحت جرحاً في صدري

وخلف ضلوعي أخفيت سري

كتمت أنفاسي، محوت نفسي، أغرقت روحي

حاوطني الضباب، لكني أبداً لم أخبر أحداً

واصلت الطريق وحدي

ليلاً ونهاراً، جبالاً وأنهاراً، أياماً وأعواماً

كنت أجري، أهرول حتى أصل

وحينما انتهت خطواتي

توقفت عن السير، وفتحت قلبي فلم أجد كلماتي

تبعثروا في الطريق، خسرتهم

لم أعرف أحداً ولم يعرفني أحد

لم يبق لي إلا الصمت ونفسي الخائفة

غريب، والغربة مسكني".

 الحلم

"أخبرني عن خالك حسين".

سألت صديقي طارق وأنا متلهفة لأعرف أكثر عن ذلك الشخص الذي أثّر في حياته واعتاد أن يذكره دوماً في أحاديثه، فوصفه لي: شاب بجسد نحيل، يمسك بين يديه آلة العود ويضرب بأصابعه فوق أوتارها ،عيناه لامعتان وابتسامته جريئة، حالمة.

ولكن ذلك كان عام 1986 ،وبعد سنة واحدة تغير كل شيء. قرر أن يسافر إلى الخليج، ليساعد العائلة في مصاريف المعيشة، وأقسم بأغلظ الأيمان أن يعود ليصبح من أكبر الملحنين في الموسيقى العربية... ثم ماذا حدث؟

"اختفى خالي حسين"... قالها طارق بصوت مرتاب، ثم أكمل: "قعد سنين يسافر ويرجع لحد ما مات فجأة وهو لوحده في الكويت".

تنهدنا وأطبق علينا صمت طويل، فنحن نعلم أن كل الأشياء تحدث "فجأة"، من مرض، موت، فراق... تشبه زلزالاً يباغتنا دون موعد مسبق، علامة على ألا نأمن أو نطمئن، فلماذا نصر دوماً ألا نحاول في طريقنا؟ لماذا فعلها حسين وترك العود والألحان خلف ظهره ورحل؟

حاولت كسر الصمت فسألته: "كيف تتذكره؟".

"بيضحك، بيشيلني ويلف بيا. وقتها كان عندي ست سنين، لكن خالي حسين ميتنسيش أبداً. كان راجل جميل. لما بيوحشني بقعد أسمع شرايط الكاسيت اللي كان بيبعتها"، وعلى حد قوله كان صوته يتبدل مع كل شريط كاسيت يرسله، ففي البداية كان يقول: "البلد أحوالها إيه؟ بيقولوا الأسعار ولعت، زي الجو هنا، حر أوي ومقفول كده".

"مبارح قعدت أسمع شريط حميد الشاعري الجديد، الواد ده ألحانه مش بطاله... بس ده ميمنعش إني لما آجي هعلمهم الموسيقى على أصولها".

لم أعد أعرف... أشعر بتعاسة تكتم على أنفاسي. لا أريد هذا الشكل من الحياة. أريد أن أصرخ. سوف أعود. يجب أن أعود... لكني الآن سأعاود العمل... مجاز في رصيف22

"الفلوس اللي ببعتها كويسين ولا قليلين؟ قولولي متتكسفوش، أصل الشغل ماشي تمام... ومبقتش عارف هقدر أرجع إمتى. هستنى شوية كمان".

"مش أنا جيبت عود جديد؟ كان واحشني أضرب عليه. بس برده العود القديم أجمل".

وفي الشريط الأخير لم يقل الكثير بل مجرد توصية بسيطة: "واد يا طارق، إبقى نضف العود متخلهوش مترّب... خد بالك منه لحد ما أرجع". لكنه لم يعُد.

ربما تاه ولم يعرف طريق العودة،كما يصفه طارق في حلمه: "وأنا صغير حلمت بيه... كان واقف في شارع وحوليه دخان كتير، أو يمكن ضباب... مش عارف. بس مكنتش قادر أشوفه". وهذا بالضبط رأيي: حسين لم يمت أو يختف. بل ابتلعته الغربة. اقترب منها حد الالتصاق، فعشقته وأخفته داخلها.

يمكنني أن أتخيله الآن، يلف في غرفته، يدور في شوارع بلد لا تربطه بها أي مشاعر أو ذكريات، يستند على الحائط، يتأمل الوجوه من حوله بعين منطفئة. يبحث عن أهله، وطنه، أحلامه، لغته. لا يجدهم، فيجبر نفسه على العمل، يجب أن تظل مشغولة حتى تُرهق، يتخذ العمل كمخدر مباح والنوم كوسيلة هروب، ثم يصحو ليتساءل: "ماذا أفعل هنا؟ لقد تأخرت! كيف أبدأ الآن ما تركته خلفي منذ سنوات؟ أريد أن أتحدث مع أحدهم. من أنا؟ لم أعد أعرف... أشعر بتعاسة تكتم على أنفاسي. لا أريد هذا الشكل من الحياة. أريد أن أصرخ. سوف أعود. يجب أن أعود... لكني الآن سأعاود العمل".   

خداع النفس سهل، بسيط، لا يحتاج إلى مجهود، لكنه مؤلم ، ألمه سوف يحوّلك إلى ميت يمشي وسط الأحياء إلى نهاية عمرك.

ذلك الثمن الذي ندفعه حين نختبئ ونرفض المواجهة.

 رائحة

وللغربة أشكال أخرى ، كما تقول علياء: "مش حاسه إني موجودة. في حاجة غلط ومحدش فينا بيتكلم فيها خالص".

هي وزوجها بينهما كرسي فارغ ولم يحاولا إزاحته أبداً، وحينما تشعر بضيق شديد، تبدأ لعبتها المفضلة: إلهاء نفسها. تفتح الدولاب، ترتب الملابس، تكوي الملاءات، تلم ألعاب الأبناء، تمشط شعرها ، تلف من غرفة إلى غرفة بلا هدف، تنظف وتنظف وتنظف، ثم لا يبقى لها إلا كارت أخير في اللعبة...الثلاجة. تتجه إليها وتأكل أي شيء، تشاهد التلفاز وهي منفصله عنه تماماً. تحاول تسكين ألم يكتم على صدرها، لكنها في النهاية تستسلم. تختبئ في الحمام وتبكي بصوت مكتوم، ثم تغسل وجهها لتخرج بوجه مثالي يدّعي أن كل شيء على ما يرام.

حينما كبرت فهمت أن لعبة الاختباء لم تفدني، لأنني مع كل تلك السنوات من الصمت أدركت أنني لم أزعج إلا نفسي، وحصلت على إجابة للسؤال الذي طالما راودني: أتدري ما هي الغربة؟... مجاز

وهكذا تمر الأيام وهي تردد: "جوايا حاجات مضيقاني. نفسي أصنع مفارش ومكرميات. أصل أنا بحب شغل الخيوط، بس هو ميعرفش، معتقدش أنه مهتم". كيف يهتم وهي تخبئ نفسها عنه في إحدى زوايا البيت، ثم تريد منه أن يعثر عليها دون أن يعرف؟

لكنه هو أيضاً لديه طريقته في الهروب، فذات مرة عاد من العمل بجرح في ساقه، أخبرها أنه وقع في الشارع، لكنه كان على غير طبيعته. جلس في غرفته وحيداً. اختبئ في الشرفة وأخذ يدخن علبة سجائر كاملة، ثم نام نوم طويل دون أن يتكلم بكلمة واحدة، لكن علياء عرفت بالصدفة من خلال رسالة على الواتساب أرسلها لصديقه، أنه تعرض للسرقة في ذلك اليوم.

"يومها وشه كان مليان هم. تخيلي مقليش اللي حاسس بيه!". قالتها بإندهاش كأنها تخبره أبسط التفاصيل عن نفسها. بالطبع كان زوجها يعاني من إحساس قلة الحيلة. شعر أنه ضعيف ولم يستطع الدفاع عن نفسه. حاوطه الصمت ودخان السجائر حتى خنقه، فاستسلم هو الآخر. كان النوم ملجأه ليدفن فيه شعوره بالخزي والألم، كل منهما يفضّل أن يحتفظ بأحلامه وآلامه لنفسه عوضاً عن المشاركة.

"دايماً بشم ريحة حاجة بتتحرق، بدأت أشك إن دي حياتنا"، تقولها وهي تضحك.

لكني أؤمن أن لكل شيء رائحتة الخاصة، والغربة بالتأكيد رائحتها تشبه الاحتراق لأنها تأكل النفس، تتغذى عليها حتى تتبدل إلى رماد.

لون

وأنا أيضاً معكم. لطالما خنقتني دائرة الغربة. دُرت فيها سنوات طوال.

 حينما كنت دون الثالثة عشر، قال لي أحد المدرسين وأنا أضحك بصوت عال: "أنتي يا بنت، صوتك وحش أوي! متضحكيش ومتعليش صوتك تاني!".

أذكر وقتها أنني ظللت أسابيع متأثرة من وقع كلماته، وكنت أتحاشى أن يعلو صوتي حتى لا أزعج أحداً، وبالطبع كتمت كل ذلك بداخلي. اختبأت، لكني حينما كبرت فهمت أن لعبة الاختباء لم تفدني، لأنني مع كل تلك السنوات من الصمت أدركت أنني لم أزعج إلا نفسي، وحصلت على إجابة للسؤال الذي طالما راودني: أتدري ما هي الغربة؟

هي غروب الشمس حين تتبدل السماء إلى لوحة متداخلة من ألوان عدة، ما بين البنفسجي والأحمر والسماوي والأبيض، وقرص الشمس الذي يتوهج بلون برتقالي يسرق العين. جمالٌ مبهر. وبالتدريج يختفي كل شيء، حتى تأتي تلك اللحظة. تباغتنا فجأة، ويتحول النور إلى ظلام.

ذلك ما نفعله بأنفسنا طوال حياتنا، نخبئ بداخلنا أجمل اللحظات، الكلمات، الأحلام، وربما أقسى العيوب وأعمق الآلام. نتأملها دون أن نشاركها مع أحدهم، ونضمها بشدة إلى صدورنا ،بحجة الخوف من أن نكشفها على العلن، فنعاقب بالرفض أو النبذ أو الجرح.

نظل نهرول في طريقنا وحدنا. كل منا يحمي نفسه لنفسه، وفي النهاية تأتي تلك اللحظة التي نفقد فيها كل مأ اخفيناه بداخلنا من ألوان، تنطفئ كالشمعة، تُمحى من الوجود، ونغرب كالشمس، ثم نختفي للأبد.

ينتصر الصمت على الحياة، مدعياً أن ذلك أكثر أماناً... هزيمة كبرى، أليس كذلك؟!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard