تعال أيّها السوري، مُدَّ راحة يدك ولا تَخف

السبت 7 مايو 202202:14 م

 الأبدية، طريق طويل إلى إيثاكا


قُرب محطة (Hauptbanhof) نادت عرافة عجوز: "تعال أيّها السوري، مُدَّ راحة يدك ولا تَخف". أطفأت عينيها نُجوم الترحال في الصحاري، وألف خيلٍ محترقة، وألف معركة. تلمّسَت خطوط كفي، فارتجف حنكها المدقوق بوشم "الثريا"، أطرقت برهةً ثم قالت: "هربت من حربٍ إلى حرب. وفي أوراق التاروت، ورقتُك مدنٌ مدمّرة تُسند فيها قلبك على نصلٍ حاد. لن يعود هذا العالم كما طرزته إبرُ القصائد، وخاطته أكفُّ الأغاني. من الصحراء بدأنا وإلى الصحراء نعود. والنبوءةُ التي تبحث عنها مدفونة تحت سماء يهبط النجم فيها على كتف الوادي تراتيل، وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى".

* * *

ضللتُ الطريق. ما عدتُ أعرف أيّ الطرقات سلكت. من زمنٍ إلى زمنٍ عبرت. عَلقتُ سُروج الأحصنة، ودسستُ فيها زهرة نرجس. حملت سيفي ورددّت قول أبو يزيدٍ البسطامي: "قالوا إنَّ سبعة آلافٍ من السنين قد مضت، ولكنَّ النرجس لا يزالُ غضاً طرياً لم يصل إليه كفُّ أيّ أملٍ بعد".

مرّت ألف عام ولم أمت. دقَّ النصلُ قلبي كما تُدق أكواز الثوم. فاض الدم نوافيراً من الأحمر المعقودِ على البيارق، وحقلاً من شقائق النعمان. بيدي زهر نرجسٍ وفي عقلي عشرُ معلقات وبين عينيَّ سبعُ سماوات طباق، وكوكبٌ دريٌّ يُوقد من شجرةٍ مباركة، وثلاث نجمات تصل دربي إلى طريق دمشق، كأني بنات نعشٍ أطارد ثأراً لا يجيء. 

أمشي. ماذا يسعني غير المشي، من قارةٍ إلى قارة، ومن مدينةٍ إلى مدينة، ومن حيٍّ إلى حي. تَصدح الموسيقى تحت سماء برلين، ويتقهقر السكارى، يحرقون زهرة الخشخاش. تفيض الرائحة، وأطفو أنا والمعلقات مثل خديعة. لا اللغة تكفي ولا الإشارة. هنالك ماضٍ حافلٌ بكلًّ أنواع الموت. وأنا شاهدٌ على أُفولِ خمس مدنٍ قديمة. رأيتُ أناسها يحترقون مثل عرش قد سقط. عَرفتُ كلَّ أنواع الدموع التي ذرفت، فماذا يَسعني أن أقول عن الحرب؟ وعن الحب؟ وعن رائحة لا تعود في البال إلا مع البن والياسمين وصفاء وجهكِ الذي تُشرق له الظلمات حين تسجدين.

أرحّب باللاجئين الجدد: "تعالوا. سنبكي سوية مدننا الضائعة في حروب الآخرين. لسنا بحاجةِ إلى لغةٍ مشتركةٍ لنفهم ماذا يعني الرمادُ في الفم، وماذا يعني دمٌ على الجباه، وماذا تعني وحشة الخيار، ومعارك خاسرة ينقضي العمر في خوضها؟... مجاز في رصيف22

يتوافد اللاجئون إلى محطة (Hauptbanhof). يهزهم فزع السؤال. كيف حدث هذا؟ كيف ضيعنا الإياب نحو البيت؟ وكيف اختفى دفء الأسرة والروتين؟ كيف فرد ملاك الموت جناحيه وحصد رؤوسنا ونحن محصنون بالجغرافيا؟ لا جَمال الوجوه يكفي ولا تفاصيل الهوية. تجعلنا الحرب سواسية،  لا فرق بين عيونٍ ملونةٍ وأخرى داكنة. وقفت أمام مدخل المحطة أرحب باللاجئين الجدد: "تعالوا. سنبكي سوية مدننا الضائعة في حروب الآخرين. لسنا بحاجةِ إلى لغةٍ مشتركةٍ لنفهم ماذا يعني الرمادُ في الفم، وماذا يعني دمٌ على الجباه، وماذا تعني وحشة الخيار، ومعارك خاسرة ينقضي العمر في خوضها؟ وكم من عمرٍ سيلزمنا للوصول إلى مدننا التي دمرت؟

*    *    *

كم يلزمني للوصول إلى دمشق؟ في منتصف المسافة بين قونية ودمشق قال شمس الدين التبريزي لجلال الدين الرومي: "أتعرف ثمرة المعرفة؟ إنَّ المعرفة الحق وتجلي الحق يتيسران بمدد العشق".  سريتُ في ليلي نحو دمشق وكانت "بناتُ نعشِ في دجاها خرائد سافرات"، أحصيت نجومها ولضمتها خلخالاً خبأته في جيبي هدية فأنتِ بعيدة ونحن كالفرقدانّ نهيمُ دون فراق. يكفي أن تنظري نحو السماء حين نتوه في مفازات خوفنا، هناك حيث يَلمعُ كوكب الزهرة. هل تعلمين أنه نجمة الصبح ونجمة المساء؟

ماذا تبقى لنا سوى العشق؟ عرفت العاشقين، السائرين نحو موتهم من أجل أن تهبنا السماء قليلاً من العدالة. عرفت أخوة الدم الباسمين في وجه المدفعية، من قدّموا وروداً للموت وقالوا نَحنُ أُغنية. 

 لا ليل في ليلنا المتلألئ في المدفعية، أعداؤنا يسهرون وأعداؤنا يشعلون لنا الليل في حلكة الأقبية

ماذا تبقى لنا؟ دِفئ البيوت والقلوب التعبة؟ خرجنا لنغير العالم، خضنا الحرب رصاصاً في الفم، وقذائف في الصدور. حلمنا بسماء واسعة فكان التراب أسرع إلى من نُحب.

* * *

قال نجيب محفوظ: "هذا هو الحبُّ، هو كلّ ما لنا. فيه الكفاية وفوق الكفاية". لم أميّز في صغري بين نجيب محفوظ وطه حسين. ظننتهما ذات الكاتب، ثم أدركت أن طه حسين كان كاتباً آخر، فهو من قال إنّ أمرؤ القيس ليس سوى رواية انتحلها أمراء بني أمية. كيف أهتدي أنا إذن في هذه التيه؟

ضلّ ذي القروح (امرؤ القيس) الطريق بين روما وفارس كما ضللنا طريقنا في القارة العجوز. وأنا أيضاً لا أهتدي إلى طريقي، فالمحطات كثيرة، تتقاطع سكك الحديد لتصل شرق أوروبا بغربها، فأين أضعت قلبي؟ في أي محطة سقط؟ ألم يقل محمود درويش: "أنا لغتي، معلقة معلقتان"؟ أخرّ على ركبتي يهدني الحنين.

قالت العرافة: "هربت من حربٍ إلى حرب. من الصحراء بدأنا وإلى الصحراء نعود. والنبوءةُ التي تبحث عنها مدفونة تحت سماء يهبط النجم فيها على كتف الوادي تراتيل، وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى"... مجاز 

على طريق دمشق ركع بولس، أبرقت السماء فَخرّ مغشياً عليه، هل سيظهر لي وجه الحق الذي عُذب في الأقبية كما لو أنّه في فرع للمخابرات. بماذا فكّر بيلاطس عندما أسلمه لموته؟ سيرث حبّ قيصر؟ كم من مسيحٍ سيق إلى الأقبية ليتبارك عرش الطغاة؟ تهرب مارغريت من رواية "الشيطان في موسكو" الذي ظهر على نوافذ المحطة العريضة، تبتسم لي مثل شياطينٍ ترقص في كوابيسي وتجعلني أهذي. ومثلها سأداوي نفسي بالسحر، وأبيع روحي للشيطان، فالملائكة رحلت منذ عهد بعيد.

* * *

كنا نفكر في النصر عند الغروب، ونردد بعضاً من أشعار محمود درويش، كانت الطائرات تحوم مثل الساحرات وتشعل السماء بالنابالم. وكانت الرشاشات الخفيفة تصارع وحش السماء. نحتفل بسقوط طائرة تارةَ وبالنصر على الأشباح تارة، وتحت سماء حلب أشعل شباب الأحياء ليل المدينة بالأغاني. دفنا هناك تحت كل نجمة شهيد. أحرق الجنيرالات الروس حلب ، ثم طاروا إلى مدينة ماريبول. هدموا الميناء البحري على رؤوس ساكنيه. سيغني أحدهم تحت ركام بيته مثلما كنا نغني:

 لا ليل في ليلنا المتلألئ في المدفعية، أعداؤنا يسهرون وأعداؤنا يشعلون لنا الليل في حلكة الأقبية.

* * *

هادئ ليل برلين البارد، أستطيع رؤية النجوم تشعُّ في مدارها.. نجم سهيل في برج الأسد، يبشر بدنو المطر، سيهطل على سنابل عمي في سهل الحرواصي، فيرقص مثل عاشق وهو يغني يارب المطر. وراء سهيل تطارده بنات نعش، تطلب ثأراً لا يجيء.

 أيا بنات نعش، ألم يتعبكن طلب الثأر؟ وكيف سننسى كل الأولياء الذين غنوا للسماء. هل ننسى وجوههم المغيبة في الظلام. يا ظلام السجن أنا لا أهوى الظلام، وفي زنازين مطار المزة العسكري حلمت بالسماء وعددت نجومها.

أتعلمين ما أجمل شيء في الطيور؟ تجنيحها: عندما تبسط جناحيها في السماء. أريد سماء الشعرة الشامية كاملة النجوم، نسري في ليلها ونجنح كالطيور.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard