"من يحميني كفلسطيني من السلاح أمام منزلي في المخيم"؟

الخميس 12 مايو 202212:21 م

"كنت وافقاً أمام بيتنا في مخيم برج البراجنة، كعادتي كل يوم بعد عودتي من عملي، أستحم وأتناول طعام الغداء، ومن ثم أخرج من البيت، لأدخن النرجيلة أمام البيت. وقبل أن أجلس، إذ بي أسمع صوت أحدهم ينادي صاحبه، ويقول له إنهم يطلقون النار يمنةً ويسرةً، فاختبئ كي لا تصاب، وما إن أنهى كلامه كانت رصاصة طائشة من ذلك الرصاص الذي لم أعرف مصدره قد اخترقت يدي"، يقول ربيع، المقيم في مخيم برج البراجنة، والذي يبلغ اليوم من العمر 27 عاماً.

كان ربيع في الخامسة والعشرين من عمره عندما أصيب، وكان يعمل حينها حدّاداً للسيارات، وغير متزوج. يروي لرصيف22: "عند إصابتي في يدي، شعرت بأن عظمي تفتت، وبنزيف حاد، فتم على الأثر نقلي إلى مستشفى الرسول الأعظم، وكنت حينها في حالة خطر، بسبب النزيف، وكانوا يودون بتر يدي، لكن أحد الأطباء العاملين في المستشفى عمل جهده كي لا تُقطع يدي، وبالفعل أجرى عمليةً استطاع من خلالها ترميم عظمي، ووضع في يدي "السياخ"، وقام بتجبيرها، وبقيت على هذه الحال مدة سبعة أشهر، علماً أنني كنت أشعر بأنه لم يعد لدي أمل بشفاء يدي، لكن عملية الترميم أفضل من عملية البتر".

بعد اتفاق القاهرة عام 1969، الذي أعطى الشرعية للمقاومة الفلسطينية في لبنان، تم تشكيل لجان للفلسطينيين وإنشاء نقاط للكفاح المسلح داخل المخيمات الفلسطينية

يضيف: "اليوم، صرت في الـ27 من عمري، ولم أتزوج، ولم يعد باستطاعتي العمل، وأنا دائم التواجد في البيت، ولا أستطيع تحريك يدي بأي شكل من الأشكال، لأن الأعصاب فيها تضررت جراء الطلق الناري، وأشعر بوجع دائم، وقد زرت أطباء للمعاينة ومحاولة التعافي، لكنهم أكدوا بأنني أحتاج إلى عملية، لكن ليس هناك أمل بالشفاء، وهذا سيكلفني مبالغ ماليةً كبيرةً لا قدرة لي على تحملها، وكذلك الوجع، وفي النهاية ليس بها أمل، لكن ما أريده هو أن أعمل على خدمة نفسي، ولا أكلف أمي عناء ذلك".

حين أصيب، لم يشعر ربيع بأن في جسده رصاصةً طائشةً أخرى، اخترقت جسده على مقربة من قلبه، ولكنها لم تحدث أي ضرر فعلي سوى جرح بعمق بسيط بعد أن استخرجها الأطباء. هو منذ سنة ونصف في المنزل، لا يقوى على ممارسة العمل الذي اعتاده ولا قدرة له على إيجاد بدائل نتيجة الأزمة التي يمرّ بها لبنان، والتي تتأثر بها المخيمات الفلسطينية بشكل كبير.

الإدارة الذاتية السيئة

مع بداية عام 1969، بدأت القواعد العسكرية في جنوب لبنان تزداد بشكل كبير، وكذلك النشاطات الفلسطينية في المدن اللبنانية، وكان يؤازرها في ذلك اليسار اللبناني، ويتم ذلك، من خلال جمع التبرعات المالية والغذائية للفدائيين، وإقامة ندوات سياسية مغلقة، وتوزيع بيانات سياسية وعسكرية، مع نهوض حركة مطلبية يسارية وإسلامية ببدء طرح وجود المقاومة في الساحة اللبنانية، إلى أن وقعت مواجهات في 23 و24 نيسان/ أبريل عام 1969، بين الدولة اللبنانية التي كانت تحكم المخيمات الفلسطينية عن طريق الشعبة الثانية.

حملت هذه المواجهات معها البوادر الأولى لقبول الفدائي في لبنان الذي شُرّع وجوده في اتفاق القاهرة عام 1969، وإثر تلك الأحداث عانى الوضع اللبناني من أزمة سياسية تركت البلاد من دون حكومة ما يقارب السبعة أشهر، وتلك الأزمة فتحت الباب على مصراعيه على صراعات بين السلطة السياسية اللبنانية تدعمها القوى اليمينية، وبين المقاومة والأحزاب والقوى اليسارية، ما أدى بالمخيمات الفلسطينية الواحد تلو الآخر، إلى أن تأخذ على عاتقها الإدارة الذاتية الداخلية باستقلال تام عن السلطة اللبنانية.

لقد دمرتني تلك الرصاصة التي صوّبها أ.ح.، نحو رأسي، وكنت حينها في الـ23 من عمري. لقد قضت على مستقبلي بعد أن صرت عاجزاً، أعيش بين أربعة حيطان، بلا عمل. أجلس في غرفتي وحيداً أشاهد مباريات كرة القدم، لا أكثر

في 4 أيلول/ سبتمبر عام 1969، على سبيل المثال، وفي أثناء تشييع أحد الشهداء في مخيم نهر البارد في شمال لبنان، تصدت مجموعة من رجال الدرك والجيش اللبناني للمشيعين، ما أدى إلى وقوع إشكال بين الطرفين، كانت نتائجه أن تم منع الدرك من الدخول إلى المخيم والمباشرة بعمليات تدريب واسعة على استعمال السلاح لأهالي المخيم ليتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم وعن المخيم.

بعد اتفاق القاهرة عام 1969، الذي أعطى الشرعية للمقاومة الفلسطينية في لبنان، تم تشكيل لجان للفلسطينيين وإنشاء نقاط للكفاح المسلح داخل المخيمات الفلسطينية مع وجود ممثلين في الأركان اللبنانية، لكن في حزيران/ يونيو عام 1987، ألغى الرئيس اللبناني حينها، أمين الجميّل، اتفاق القاهرة مع منظمة التحرير الفلسطينية، وكانت قد تمت الموافقة على قانون إلغاء الاتفاق من قبل البرلمان اللبناني في 21 أيار/ مايو 1987، وتوقيعه في وقت لاحق من قبل رئيس الوزراء سليم الحص.

وفي ظل عدم وجود حماية فعلية للفلسطينيين داخل المخيمات الفلسطينية، مع وجود حواجز للجيش اللبناني عند مداخلها، سعت فصائل منظمة التحرير الفلسطينية إلى الحفاظ على أكبر قدر ممكن من الأمن والاسقرار داخل المخيمات وتحييدها عن التجاذبات السياسية. وبعد اتفاق أوسلو عام 1993، تم تأسيس قوّات الأمن الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية، وهذه القوّات تشكّلت منها فرق في لبنان أوكِلت إليها مهمة حفظ أمن المخيمات الفلسطينية وحماية الفلسطينيين.

"مستقبلي انتهى"

"لقد دمرتني تلك الرصاصة التي صوّبها أ.ح.، نحو رأسي، وكنت حينها في الـ23 من عمري. لقد قضت على مستقبلي بعد أن صرت عاجزاً، أعيش بين أربعة حيطان، بلا عمل. أجلس في غرفتي أشاهد مباريات كرة القدم على شاشة صغيرة، بعد أن كنت لا أترك الملاعب".

محمد تبرأت منه فصائل منظمة التحرير، علماً أن والده تُوفي وهو منتمٍ إلى حركة فتح، وأمّه الوحيدة التي توفّر له العلاج وتؤمن له الأدوية من راتب والده الذي تتقاضاه من المنظمة

يروي محمد يوسف عودة، من بلدة الطيرة في فلسطين، وهو مقيم في مخيم المية ومية، بحرقة، ويقول: "اليوم صار عمري 30 سنةً. حُرمت من عملي ولم أعد أخرج من البيت لأنني لا أستطيع الخروج وحدي، ولا تستطيع أمي أن تساعدني في خدمة نفسي، والجاني حر طليق يعيش في مخيم عين الحلوة بعد أن فر إليه".

يضيف: "قبل يوم من إصابتي، وبعد عودتي من عملي وتناولي الطعام، خرجت من البيت كسائر الأيام، وإذ بـ أ.ح.، يصوّب المسدس نحو رأسي. انقضى الأمر على ذلك، وفي اليوم التالي خرجت في التوقيت ذاته، وإذ به يصوّب نحوي سلاحاً من نوع M16، وكان حينها في السادسة عشر من العمر، وأطلق النار تجاهي وإذ بطلق ناري يخترق رأسي. نُقلت على أثره إلى المستشفى بحالة حرجة، واعتقد كل من رآني بأنني مت".

بقي محمد في غرفة العناية الفائقة لمدة شهر، شُلّت جهة اليسار من جسده، ولم يعد يقوى على فعل شيء، واستقرت بعض الشظايا في رأسه، ولم يستطع الأطباء نزعها لخطورة الأمر.

بعد خروجه من المستشفى، خضع محمد للعلاج الفيزيائي الذي تحسّن على إثره تدريجياً، لكنه توقف عن متابعة العلاج بسبب تكلفة النقل. يقول: "في بادئ الأمر، لم أكن أتكلم، وكنت لا أستطيع المشي، لكن تحسّن وضعي مع الوقت وصرت أفضل، غير أن يدي اليسرى ما زالت مشلولةً ولا أستطيع استخدامها، بسبب تضرر قسم من الدماغ، كما أن نظري تضرّر فلم أعد أرى بشكل جيد".

"لقد دمّرتني تلك الرصاصة، وبتّ بلا عمل، وقد مضت على الحادثة سبع سنوات والجاني هارب ولم يتعرض للسجن والعقاب. لقد دمّر مستقبلي بسبب السلاح الذي بين أيدي أناس لا يستحقون حمله، فلم يعد بإمكاني العمل، وأخي صار يتولى مصروفي الخاص، وأمي هي التي تشتري لي الأدوية من راتب والدي المتوفى. لو مت كان أفضل من أكون عاجزاً هكذا، لا أستطيع القيام بشيء".

مضت على الحادثة سبع سنوات والجاني هارب ولم يتعرض للسجن والعقاب. لقد دمّر مستقبلي بسبب السلاح الذي بين أيدي أناس لا يستحقون حمله

كان من المفترض أن تقوم فصائل منظمة التحرير الفلسطينية بتوفير الأمن والحفاظ على حياة الناس، وتحديداً بعد أن تم الاتفاق على تشكيل عناصر قوات الأمن من فصائل منظمة التحرير، وكذلك من الأحزاب الفلسطينية، لكن ذلك لا يتم بفعل وجود السلاح المتفلت.

فمحمد تبرأت منه فصائل منظمة التحرير، علماً أن والده تُوفي وهو منتمٍ إلى حركة فتح، وأمّه الوحيدة التي توفّر له العلاج وتؤمن له الأدوية من راتب والده الذي تتقاضاه من منظمة التحرير، والذي بات لا يكفي لتوفير بدل النقل ليقلّ محمد من أجل تلقّي العلاج الفيزيائي المجاني، بالإضافة إلى ذلك فإن الجاني حر طليق، يعيش في مخيم عين الحلوة، ولم يتم تسليمه إلى الأجهزة الأمنية اللبنانية.

في ظل هذا الواقع المتردي، ومع عدم قدرة أي طرف على تنظيم السلاح داخل المخيمات، وبالرغم من الجهود التي بُذلت تحديداً من قبل لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني والتي لم تصل إلى أي نتيجة، كيف يحمي أهل المخيمات أنفسهم في ظل غياب الأمن والسلاح المتفلّت بين أيدي العابثين به؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard