من فاته مخيم اليرموك في وقفة العيد... فاته كيف يتقن اللاجئون الفرح

السبت 7 مايو 202201:40 م

قطفت رأسي عني، تركته على عتبة البيت، تركت كل ما زاد على وزن الظل وأخذت قلبي، فيه والداي. 

علقته كبالون فوقي كي لا أراه وأنا أشق طريقي، لكنه إلى اليوم لم يزل يلاحقني!

لكل مكان ناره

يشعل السويديون النار في 30 نيسان/ أبريل لإحراق الماضي وإفساح المجال أمام المستقبل الجديد. في لقطة من عالم موازٍ، تشتعلُ النيران قبل تسع سنين في مكانٍ قريبٍ من بيتي القديم لإحراق الخائفين، الراكضين تحت نار البنادق صوب حفرة لا يبصرونها. بعينين معصوبتين يطلب الجندي من الرجال أن يركضوا، يعدهم بأنه سيطلق سراحهم وهو ينفض الغبار عن يديه بعد أن حفر مع أبناء دفعته قبراً جماعياً للهاربين.

 في الظَهر، على غرار ما يجري عادةً، يطلق الرصاص الغادر عليهم فيسقطون موتى.

النار ذاتها توقد في ألمانيا في عيد القديسة فالبورغ، وهي وفقاً للرواية الشعبية أميرة إنجليزية دعاها رئيس أساقفة دير ماينز في ألمانيا الأب بونيفاتيوس لمساعدة المسيحيين الألمان، لتصبح لاحقاً المشرفة على دير هايدنهايم للراهبات. وبعد وفاتها عام 779 بسنوات قليلة نُقل جثمانها إلى مدينة آيخستات الألمانية لِتدفن في الأول من أيار/مايو هناك، وطوبتها الكنيسة الكاثوليكية لاحقاً قديسةً.

يشعل السويديون النار في 30 نيسان/ أبريل لإحراق الماضي وإفساح المجال أمام المستقبل الجديد. في لقطة من عالم موازٍ، تشتعلُ النيران قبل تسع سنين قريبةً من بيتي في مخيم اليرموك لإحراق الخائفين

تتداخل أحداث الأسطورة مع التاريخ بروايتها أن الساحرات يتجمعن في هذه الليلة، ويطرن بعيداً على مكانس مصنوعة من القش أو على ظهور ذكور الماعز الى الأماكن المرتفعة القديمة، للانضمام إلى الشيطان والتحضير لأعمال الشر. وبهدف تفريقهن وتشتيت قوتهن يصدر الأهالي الضجيج مطلقين النار والمفرقعات ومشعلين النيران.

لو كنا نعلم ذلك قبل الفقد لأشعلنا النيران على قمة جبل قاسيون  في دمشق، لإبعاد شياطين كانت تعيش بيننا ولا نراها.

العيد في المخيم

من الأشياء التي افتقدتها حين وصلت السويد كان العيد. كيف يحيا الإنسان دون أن يكون له عيد؟ وما قيمة العيد إن كان احتفالاً لك فقط لا يشعر به من حولك؟ 

في طفولتي في سورية كان العيد يعني العيدية، الأطعمة الشهية، الملابس الجديدة، واجتماعات العائلة. من فاته مخيم اليرموك في وقفة العيد فاته كيف يتقن اللاجئون الفرح. يبدأ النهار بكرنفال التنظيف، في ساعة واحدة يبدأ كل الجيران في الأبنية بشطف الدرج ثم الحارة، كل أمام بيته. بعد ذلك تأتي مرحلة شراء لحمة العيد، والخبز، والفاكهة، والمكسرات وكل ما يتطلبه واجب الضيافة المميز في هذه الأيام. طابور انتظار طويل أمام المحال التجارية. كأطفال كنا نركض صوب ساحة الألعاب نراقب الشباب وهم ينصبون المراجيح، حتى وهي مقفلة كنا نحاول تسلقها كـ"بروفا"، نقيّم في أي واحدة سنصرف نقودنا! ساحات عديدة للألعاب تنصب على طول المخيم، أذكر منها ساحة أبو حشيش ( لحام المخيم الأشهر)، وساحة حارة الفدائية، وساحة المدارس وغيرها. الجميع في الشارع حتى المساء حيث تجتمع كل العائلة والأعمام والعمات، والأخوال والخالات حتى صلاة الفجر. كانت أمي تبدأ بغلي القهوة المرة مع تكبيرات الصلاة. يفوح في البيت عبق الرائحة وتنتشي أحلامنا بالعيدية وكيف سنصرفها. ومن أجمل صباحات أيام العيد صباح، هو اليوم الأول الذي يبدأ مع فرقة الكشّاف التي تدور في الحارات مع الآلات الموسيقية تعزف أغاني فلسطين وتزور مقبرة الشهداء. 

لا ينسى المخيم أبناءه ولو كانوا ميتين، إنها فلسفة خاصة تجمع الحياة بالموت لأهل المكان فيتمسكون بذاكرتهم أكثر فأكثر. 

لا ينسى المخيم أبناءه ولو كانوا ميتين، إنها فلسفة خاصة تجمع الحياة بالموت لأهل المكان فيتمسكون بذاكرتهم أكثر فأكثر.

يذهب الكبار للزيارات العائلية. أبواب الجميع مشرعة فليس هناك من حاجة  لأن تتصل لتأخذ موعداً للزيارة . وكان هناك ترتيب ضمني للزيارات لا أحد يصرح به لكن الكل يعرفه ويتقيد به. أما بالنسبة لي كانت المتعة أن أركب البغل. كنا نسميه حصاناً. هذا طقس خاص بالعيد، فبالقرب من ساحة الألعاب في حارة عريضة. تستأجر حصاناً أو حماراً تركبه مسافة قصيرة يقوده صاحبه.  

هذا كان عيدي في مرحلة الطفولة المبكرة، أما في سن الشباب فارتبطت بأصدقاء خارج حدود المخيم كان العيد عندهم هو الضيعة، طالع عالضيعة! الكلمة السر، لطالما تمنيت أن تكون عندي ضيعة أسافر مثلهم إليها.

أنا من ضيعة في قضاء حيفا اسمها الطنطورة لكني ولدت في مخيم اليرموك جنوب دمشق. بعد سنوات سأتمكن من الاحتفال في العيد باستوكهولم التي استغرقتُ شهراً في طريق الوصول إليها. قطعتُ فيه إحدى عشرة دولة، لكنني لم أمر يوماً في الطنطورة التي تبعد أربع ساعات عن دمشق. 

كيف صنعنا أعيادنا؟ 

"كهلال لا يبصرونه ليلة العيد"، كتبت بيت الشعر هذا لأصف الحزن. لم أجد يوماً ما هو أكثر حزناً من هلال عيد يحمل الفرح في قوسه، ويعصر كل ما به من ضوء أمام عيون الباحثين عنه. لكنه لا يكفي ليشق العتمة فلا يبصرونه. هذا ما كنت أظنه إلى أن مر علي العيد الأول في السويد. لم يطرق بابي أحد، والملابس الجديدة ذهبت بها إلى مدرسة اللغة في اليوم التالي. ما من إجازة. 

 بعد سنوات سأتمكن من الاحتفال في العيد باستوكهولم التي استغرقتُ شهراً في طريق الوصول إليها. قطعتُ فيه إحدى عشرة دولة، لكنني لم أمر يوماً في قريتي الطنطورة التي تبعد أربع ساعات عن دمشق. 

ميرفت هي إحدى نساء العائلة المعروفة بأفضل من صنعت كعك القزحة و المقروطة الفلسطينية، في الخمسين من عمرها نزحت من بيتها في المخيم عام 2012 لتترك سورية بعدها في 2015 وتصبح من لاجئي السويد، تصف لي ميرفت  خيبتها في ذلك اليوم: " صنعت صواني الكعك و المعمول و فقت من الصبح صففتهم في الصحن، ورشيت عليهن السكر الناعم. مر الوقت ما إجى حدا.. بكيت بكيت . بعدين عبيته بصحون و وزعته عالجيران " تضحك، و أتجنب عينيها. 

كان هذا في السنة الأولى من قدومها، لكن لا يستمر الحال كما هو لدى القادمين، فالناس تصنع أعيادها الخاصة بعد مرور الوقت. 

نحن قوم نتقن النجاة

صنعنا أعيادنا وصرنا كما كل الوافدين نحتفل بأعياد أهل المكان. ففي رأس السنة والميلاد يحضر الكثيرون منا شجرة ويزينونها وسط الأغنيات. يعدون عشاء العائلة ليلة الميلاد ويتبادلون الهدايا. وفي أعياد الفطر والعيد الكبير، تقيم المساجد الصلاة. في اليوم الأول من العيد يجتمع من يريد من المسلمين هناك، ويتبادلون التهانىء والحلوى. تنصب أحياناً بعض الألعاب أيضاً للأطفال مع أنشطة متنوعة. وتحضّر الكثير من العائلات الكعك والمعمول، وتزور بعضها بعضاً. لكن لا ينطبق هذا على من هو هنا وحده، من دون عائلة. 

بالرغم من كل ذلك، فلا يمكن أن ننكر أننا نجونا من الاحتفال بأعياد نحن فيها المهزومون. كالاحتفال بعيد الحركة التصحيحة مثلاً تحت سوط سلطة من فيض لطفها تفرض عليك السعادة وتصنع لك أعياداً تلزمك بأن تخرج في مسيرات وهمية للاحتفاء بتصحيح لا يبصره أحد.  

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard