مسيحي يؤذن للفجر وشاعر يرثي كلباً أجرب... "خلطة شبرا" من البدروم للسطوح

الأحد 8 مايو 202205:25 م

يستيقظ سعيد مبكراً كل يوم وينتصب واقفاً أعلى سطح منزله ليؤذن للفجر، تخرج أغلب الكلمات مبتورة من فمه، ولا يلتزم عادة بصيغة الأذان المتعارف عليها، فربما قدَّم ما يفترض تأخيره أو بدأ بما يجب أن ينتهي إليه، ولم يكن هذا كله ليثير غضب أحد، فجميع أهل الحي يعرفون أنه ليس مسلماً أصلاً، وإنما هو مسيحي الديانة.

"سعيد العبيط" كما كان يناديه السكان المحليون، كان يفعل كل ما يحلو له في منطقة شبرا الواقعة في شمال القاهرة، والتي تعد واحدة أكثر أحياء العاصمة المصرية ازدحاماً بالسكان، كان لسعيد الحق في "سبّ الدين"، ولم يكن يردعه سلفي، أو يتصدى له عضو بجماعة متطرفة، أو قادم من بلاد النفط، وفقاً لما يؤكده الشاعر يسري حسان في كتابه "خلطة شبرا... عن الحياة التي عشتها قبل الدنيا ما تتغير" الصادر عن دار بتانة بالقاهرة، والذي يقدم فيه سيرة ذاتية لنفسه وللحي العريق، من خلال حكايات الشوارع والأزقة، والحواة والمجاذيب، والباعة وأهل شبرا الذين يمضون أعمارهم في البدروم.

يعترف حسان أن آخرين قد سبقوه في الكتابة عن شبرا، منهم الدكتور محمد عفيفي أستاذ التاريخ بجامعة القاهرة، والذي أصدر كتاباً تحت عنوان" شبرا... إسكندرية مصغرة"، والشاعر مدحت العدل الذي كتب ديواناً كاملاً عن شبرا وناسها، والحقيقة أن حسان سعى جاهداً لتقديم صورة مغايرة للحي من خلال توثيق حياة البسطاء الذين تخلو كتب التاريخ من أي ذكرٍ لهم.

تستمد شبرا قدراً كبيراً من أهميتها من "سر الخلطة" التي تميزت بها منذ القدم، حيث تجمع الحارات بين مسلمين ومسيحيين، وصعايدة وفلاحين، وأغنياء وفقراء، في نسيج واحد ظل قوياً لفترة طويلة من الزمن، قبل أن تعصف به تحولات ما بعد 1952

مجنون الترام

في شبرا يختلط الجد بالهزل منذ القدم، وتكشف عن ذلك حكاية شخص يدعى "حسنين المجنون" الذي كان سبباً رئيسياً في الأزمات المرورية في منطقة "روض الفرج" – في نواحي شبرا- لفترة طويلة، فكلما ضايقه أحدهم، يقوم بخلع ملابسه بشكل كامل ويتمدد فوق شريط الترام، ولم يكن أحد يجرؤ على سحبه، وأخيراً يتكاتف الجميع من أجل منحه الترضية اللازمة حتى تنفرج الأزمة ويقتنع بارتداء ملابسه وإعادة حركة الشارع إلى طبيعتها.

وتستمد شبرا قدراً كبيراً من أهميتها من "سر الخلطة" التي تميزت بها منذ القدم، حيث تجمع الحارات بين مسلمين ومسيحيين، وصعايدة وفلاحين، وأغنياء وفقراء، في نسيج واحد ظل قوياً لفترة طويلة من الزمن، قبل أن تعصف به تحولات عدة أصابت المجتمع المصري عقب حركة الضباط في يوليو 1952، بدءاً من الخروج الجماعي للأجانب الذين كانوا من سكان الحي، مروراً برحيل كثير من اليهود المصريين الذين وجدوا في خلطة الحي محيطاً اجتماعياً آمناً فيما قبل تصاعد الزينوفوبيا (كراهية الأجانب والخوف المرضي منهم).

لم يكن حي شبرا طوال تاريخه نسقاً واحداً، ففيه مناطق "ولا في الأحلام"، وأخرى "أقرب إلى الكوابيس"

المكانة الهامة التي يحتلها هذا الحي بين أحياء العاصمة المصرية وصلت إلى حد استخدامه في الستينيات للسخرية من إسرائيل بترديد مقولة "سكان حي شبرا أكثر عدداً من تعداد إسرائيل بأكملها".

يرصد الكتاب كيف أن الحي طوال تاريخه لم يكن نسقاً واحداً، ففيه مناطق "ولا في الأحلام"، وأخرى "أقرب إلى الكوابيس". يوضح حسان كيف تعملق الحي الواقع على الطرف الشمالي من العاصمة ليضم خليطاً من بنايات فخمة وقصور، مثل قصر الأمير عمر طوسون، وبيوتاً فقيرة محشورة في الحواري والأزقة وعششاً على الأطراف. اختفت أشياء مع الزمن وبقيت أخرى، ولكن ظلت شبرا حالة خاصة ومثالاً فريداً للتنوع.

الحارة السد

الحارة السد هى تلك المغلقة على نفسها والتي لا تفضي إلى أى طريق، وتنتشر الحارات السد في أغلب الأحياء الشعبية، ومنها شبرا. وعنها يقول حسان: "تربيت في حارة سد تضم ثمانية بيوت، منها ثلاثة يسكنها مسيحيون، ولم تكن فكرة المسلم والمسيحي قد ظهرت. وكانت الحارة تضم أصحاب مهن مختلفة، وكانت الأدوار الأرضية في أغلب بيوت حارتنا عبارة عن سكن مشترك، مجموعة من الحجرات تشغل كل أسرة واحدة منها، وهؤلاء هم أفقر سكان الحارة، ويعملون في مهن بسيطة مثل بائعة بخور، بائع ترمس أو بطاطا. أما ميسورو الحال، فيسكنون في شقق في الطوابق الأعلى".

الحارة المصرية كان لها قانونها الخاص غير المدون الذي يعرفه الجميع، فلا مكان فيها للمساس بما تعارف عليه الأغلبية باعتباره أخلاقاً قويمة، والمرأة تسير فيها دون أن يجرؤ أحدهم في أن يفكر في أن "يدوس لها على طرفط، كما يقولون.

" في الحارة السد يمكنك أن تنام مطمئناً حتى لو تركت باب بيتك مفتوحاً. وفي الحارة، كان هناك أطعمةً معينةً إذا أعدتها ربة البيت فلا بد أن ترسل لجاراتها منها، وعند المرض لا يحمل الزائرون باقات الزهور أو أكياس الفاكهة، ولكن كل منهم يعطي المريض مبلغاً من المال سيعود إليه بالتأكيد عندما يتعرض لنفس الظروف. ولكن في العمارات الجديدة والمناطق الراقية، يكاد الجار ألا يعرف جاره الذي يسكن بالشقة المجاورة".

في شبرا التي لاتنام دور سينما لا تحصى، وموالد ومنشدون ومطربون شعبيون وفنانون جوالون، وحواة وآكلو نار، وأرجوزات وحركة بيع وشراء لاتتوقف، وفنانون وأدباء بالفطرة بعضهم أبدع في الظل واكتفى بإعجاب المقربين

"عنتر يا أعز الكلاب"

تختزل حواري شبرا قصص حياة كثيرين من بسطاء المصريين المتخصصين في صناعة البهجة "واقتناص الفرح من فم الشقاء والتعب"، على حد وصف حسان، الذي يضيف "أنهم يتحايلون على ظروفهم الصعبة من أجل لحظة سعادة يرون أنفسهم أحق بها، وفي الزمن الجميل في السبعينيات، لم تكن شبرا قد تقنعت، أو مستها ريح صحراوية خشنة. كانت السماحة والصراحة بادية على المظهر ومستقرة في الجوهر".

في شبرا التي لاتنام دور سينما لا تحصى، وموالد ومنشدون ومطربون شعبيون وفنانون جوالون، وحواة وآكلو نار، وأرجوزات وحركة بيع وشراء لاتتوقف، وفنانون وأدباء بالفطرة بعضهم أبدع في الظل واكتفى بإعجاب المقربين، ولعن في سرّه الحظ الذي لم يبتسم له كما فعل مع غيره. ويروي يسري حسان قصة واحد من هؤلاء: "كنا دائماً ننظر لرجاء ابن عمتنا باعتباره شاعر العائلة، ولم نقرأ له سوى مطلع قصيدة واحدة عن كلبه عنتر، يقول فيها: «عنتر يا أعز الكلاب، يا اللي جرادك عننا غاب». وهو أول كلب في حياتي أشاهده يأكل ساندوتشات الفول كل صباح، وكان قد قد أصيب بالجرب وملأ الجراد جسمه كله. أما جاك النقاش، فكان يأتي كل مساء إلى قهوة فتحي فلفل بعد أن ينتهي من عمله بالنقاشة، حاملاً عدة أجندات، واحدة للشعر العاطفي وثانية للوطني وثالثة للفلسفي كما يقول!".

نائب الأذان

وعن طفولته في شبرا يقول حسان: "لم أصادف في مدرسة رقي المعارف الثانوية سوى أشباهي من الأشقياء والصيِّع والمشاغبين. ولاتتعجب إذا أخبرتك أن أحدهم، وكان رفيق دكة واحدة، هو ممدوح إسماعيل الذي صار سلفياً بعد ذلك، ورفع الأذان في مجلس الشعب عندما كان نائباً به، وللأمانة فقد كان ممدوح، ابن شارع الوسطاني فترة صداقتي به، من ألطف وأجدع من عرفت، ولا تسألني عن سر تحولاته، وانظر في تحولات شبرا كلها التي لم تعد كما عرفت، وأنا هنا أكتب عن شبرا التي كانت".

ويضيف: "سوق روض الفرج الذي نقل في لحظة طيش غاب فيها الخيال إلى العبور في عام 1996، أفقد المنطقة الكثير من مظاهر البهجة والونس، وغاب الناس الذين كانوا يقصدون السوق من جميع أنحاء مصر، وبواسطتهم تصنع لغة وثقافة تجعل هذا الحي نموذجاً مصغراً من مصر الكبيرة. فالسوق الذي تم إنشاؤه في عام 1947، كانت واجهته الرئيسية البيع والشراء؛ لكن عالماً آخراً كان محتشداً خلف ذلك، بحكايات وقصص، أرجوك عطل ذاكرتك السينمائية وانس الأفلام التي شاهدتها عن هذا السوق، بما فيها "الفتوه" لفريد شوقي. عن يمينك وأنت تدلف من الباب الرئيسي، ستجد روحية وهى مختصة ببيع (التسعيرة)، تأتي من الفجر ومعها زوجها وأولادها وجميعهم خطاطون، وتحصل من إدارة السوق على قائمة بأسعار التجزئة، وبالريشة والحبر الأحمر يكتبون سعر كل سلعة على ورق كارتون في حجم كف اليد، وإلى جوارها يجلس عم سليمان بائع العصافير المقلية في الزيت، تليه فاطمة شاطورة بائعة المحشي، والسني بائع الكسكسي، ثم أم بطاطا بائعة الفول النابت".

قدم الكتاب صورة مغايرة للعربجي (الشخص الذي يقود العربة الكارو)، مؤكداً أن أبناء هذه الطائفة تعرضوا لظلمٍ كبيرٍ مثل الذي أصاب حميرهم عند اتهامها بالغباء. يقول المؤلف: "أكلت عيش وملح في شبرا مع الكثيرين منهم، ووصفهم على الإطلاق بالبلطجية وقليلي الأدب والذوق ليس صحيحاً بالمرة. عرفت على سبيل المثال كبيرهم المعلم دنجل، رجل غاية في الظرف والجدعنة. وتحميل العربة الكارو لم يكن أبداً عشوائياً كما يظن الكثيرون، فالعربجي له عين فرَّازة، ينتقي الفتيات والسيدات الجميلات ويضعهن في مقدمة العربة، أما الباقيات فيجعلهن في مكان قصي. ويحرص في الأعياد على تزيين العربة والحمار وإلباسه كسوة جديدة، وهو الآخر يلبس جلباباً نظيفاً".

ينشغل يسري حسان مثل كثيرين من كتاب مصر حالياً بتسجيل ما كان، في وقت تتسارع فيه تغيرات المدينة وتقطع أحياءها التاريخية محاور ومبان تغير من معالمها القديمة، لتفقد تلك الأحياء بشكل متسارع سماتها العمرانية كما فقدت تركيباتها السكانية، في قاهرة تزداد شراسة ويزداد إحساس سكانها بالاغتراب داخلها، حتى وإن أبقت الظروف على بيوتهم من دون هدم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard