صالح عبد الحي... ستون عاماً على رحيل فارس الطرب

الخميس 12 مايو 202211:00 ص

يصادف الشهر الحالي الذكرى الستين لرحيل فارس الطرب صالح عبد الحي (1896 – 3/5/1962). المطرب الذي حافظ على إرث مدرسة النهضة الغنائية في القرن التاسع عشر، والتي تبوأت مكانة متميزة على يد عبده الحامولي ومحمد عثمان.

صالح عبد الحي، مجلة الراديو المصري-1936-أرشيف عامر ندروس

ظلَّ صالح وفيّاً لتقاليد هذه المدرسة، ومؤمناً حتى أواخر أيامه بالمنهج الذي اختاره في الغناء، مهما تبدلت الأحوال وتغيَّرت الأمزجة، إذ كان الرجل انعكاساً جليّاً لعصر بأكمله، بكل ما فيه من مظاهر اجتماعية وأحداث سياسية ونشاطات فنية، ومع رحيله، فقدت الحياة الفنية واحداً من أبرز وجوهها خلال النصف الأول من القرن العشرين، لكن أغنيته الشهيرة "ليه يا بنفسج"، التي كتبها محمود بيرم التونسي ولحنَّها رياض السنباطي، بقيت تتناقل من جيل إلى آخر.

مذكرات صالح عبد الحي

ترك لنا صالح عبد الحي وثيقة غاية في الأهمية؛ استطعنا عبرها معرفة أدق التفاصيل حول شؤون حياته العائلية والفنية معاً. هذه الوثيقة عبارة عن مذكرات تتكون من عشر حلقات، نشرتها مجلة صباح الخير عام 1959. نتعرف من خلالها على ولادته في حارة درب الحلواني في منطقة السيدة زينب في القاهرة، وطفولته التي لم تكن هانئة؛ إذ توفي والده قبل أن يبصر هو النور، فتكفل خاله، المطرب الكبير عبد الحي حلمي، برعايته هو ووالدته. وفي الكُتَّاب حفظ القرآن الكريم وتعلَّم أساسيات القراءة والكتابة، قبل أن ينقل عن خاله سلسلة واسعة من الأدوار والموشحات التي حفظها عن ظهر قلب، بل ويضيف لقبه إلى اسمه، ليصبح صالح عبد الحي بدلاً من صالح عبد الجواد خليل، وهو اسمه الحقيقي. فقد اعتاد أن يرافقه لإحياء الأفراح والحفلات الخاصة.

صالح عبد الحي في صباه 1914 - مجموعة عامر ندروس

بدأ عبد الحي حياته الفنية بالانضمام إلى جماعة "الصهبجية" في حي المغربلين، قبل أن يتعرف إلى علي الرشيدي، العوَّاد الذي أعطاه دروساً في الأداء والنغم، كما تعرف على محمد عمر، عازف القانون الذي شاركه في إحياء الأفراح والليالي الملاح. فطافت شهرته البلاد من شرقها إلى غربها، وأقبل عليه الجمهور من كل الفئات والطبقات، وصدرت له الأسطوانة الأولى "في مجلس الأُنس الهني" عام 1914، ليصبح بعد سنوات واحداً من أشهر الوجوه على الساحة الفنية.

يصادف الشهر الحالي الذكرى الستين لرحيل فارس الطرب صالح عبد الحي، المطرب الذي حافظ على إرث مدرسة النهضة الغنائية في القرن التاسع عشر، والتي تبوأت مكانة متميزة على يد عبده الحامولي ومحمد عثمان

الحلقة الأولى من مذكرات صالح عبد الحي، مجلة صباح الخير 1959، أرشيف خاص

لم يكتفِ صالح بالغناء في الأفراح وداخل منازل الوجهاء فقط، بل شارك في المسرح الغنائي عن طريق الانضمام إلى فرقة سلطانة الطرب، منيرة المهدية. فقدم معها رواية "توسكا" من ألحان كامل الخلعي وإخراج عبد العزيز خليل. كما كوَّن فرقة مسرحية خاصة به بعد أن استأجر مسرح "برينتانيا"، وأسند أدوار البطولة إلى الممثلة الناشئة بثينة محمد، وقدمت الفرقة حينها مسرحتي "عيد البشاير" تأليف بديع خيري وتلحين زكريا أحمد، و"برج الغرام" تأليف أحمد زكي السيد وتلحين كامل الخلعي، ليتم عرضهما عام 1930. شارك أيضاً بالغناء فقط في فيلم "عاصفة على الريف" عام 1941 وظهر في فيلم "البؤساء" عام 1944 وهو يغنَّي موال "صبوات" من تأليف بديع خيري وتلحين زكريا أحمد.

الراديو المصري، 1939، أرشيف عامر ندروس

دور الإذاعة الحكومية المصرية

أدّت الإذاعة الحكومية اللاسلكية المصرية، منذ انطلاقها في 31 أيار (مايو) 1934، دوراً غاية في الأهمية فيما يخص تاريخ الفن في مصر، إذ كانت بمثابة البوتقة الفنية التي انصهرت بداخلها خيرة الأصوات الرجالية والنسائية في ذلك العهد، وكان صالح عبد الحي من أوائل المنضمين إليها. كانت وصلاته الغنائية وجبة دسمة لعشاق الطرب الأصيل، لكنَّه ظلَّ يواجه الانتقاد ذاته من بعض القائمين على الإذاعة منذ انطلاقها حتى نهاية الخمسينيات، حيث طالبه البعض بضرورة تقديمه ألحان حديثة وإضافة المزيد إلى رصيده الغنائي بدلاً عن الغناء للسابقين طوال الوقت. لكنه لم يحد عن موقفه يوماً وظلَّ متمسكاً بأسلوبه وطريقته في الغناء، رغم كل ما واجهه من صلف العيش.

فقدت الحياة الفنية بوفاة  صالح عبد الحي واحداً من أبرز وجوهها خلال النصف الأول من القرن العشرين، لكن أغنيته الشهيرة "ليه يا بنفسج"، التي كتبها محمود بيرم التونسي ولحنَّها رياض السنباطي، بقيت تتناقل من جيل إلى آخر

صورة لمؤسسي نقابة ومعهد الموسيقى الشرقي في حفلة اقيمت في تياترو حديقة الازبكية 1930 - من مجموعة عبد اللطيف فاخوري

جمعت عبد الحي خلال رحلته الفنيّة صداقات مع كبار الأسماء في دنيا الفن، فكان يشيد دائماً بالدور التجديدي الذي انتهجه الشيخ سيد درويش، ومحاولاته الدؤوبة لتطوير المسرح الغنائي، وبالرغم من تحفظاته على الموسيقار محمد عبد الوهاب وانتقاده للمزج بين الموسيقى الشرقية والغربية، إلا أن صداقة قوية وفريدة من نوعها جمعتهما لفترة زمنية ليست قصيرة، أما سيدة الغناء العربي أم كلثوم، فكان يقدرها بشدة ويثني عليها في اختياراتها ويمتدح طريقتها في الغناء.

كتب عباس محمود العقَّاد عقب وفاة صالح عبد الحي في جريدة الأخبار: "كان صوته كالماء العذب النقي، يأخذ من كل إناء لونه كما يأخذ من كل إناء شكله..."

أنشد صالح بصوته في مناسبات تاريخية عدَّة منها الغناء على يخت "فيروز"، عندما تولى السلطان حسين كامل حكم البلاد لأول مرة. قبل أن يغنِّي في أسبوع الملك فاروق الأول، كما غنَّى في حفل تتويجه على العرش إلى جانب حفلات الزفاف بالقصر الملكي.

واجه عبد الحيّ نهاية حياته ظروفاً قاسيةً وعاش أياماً صعبة وانقطع عن الحياة الفنية، إذ لم يعد يتردد على منزله أحد من الوسط الفني إلا نادراً، كما أنه عانى من شدة المرض حتى فارق الحياة في 3/5/1962 في شقته بمنقطة حدائق القبة. كانت جنازته بسيطة ومحدودة العدد وخلت من الفنانين.

أفضل ما نختتم به مسيرة هذا المطرب الكبير، هو ما كتبه عنه الأديب عباس محمود العقَّاد عقب وفاته في جريدة الأخبار في 9/5/1962 قائلاً: "كان صوته كالماء العذب النقي، يأخذ من كل إناء لونه كما يأخذ من كل إناء شكله، واستطاع بهذا الصوت الغني (المثالي) أن يحاكي عبده، والمنيلاوي، وعبد الحي حلمي، وسلامة حجازي، ومحمد السبع وإخوانهم وزملاءهم أبناء المدرسة السابقة، فلم يَقصُر عن واحد منهم بحلاوة النغمة، وامتداد النفس، وطمأنينة (المعلم) المرتاح في جلسته وإشارته....كان ارتياحه في جلسته على التخت ارتياح السمكة في ينبوعها، وكان من شأن هذا الارتياح المطبوع أن يتنفس حوله ارتياحاً مثله يسري إلى كل فرد من أفراد التخت يجلس معه، ويتلقَّى منه نظراته وإشاراته وغمزات عينيه التي كانت أبلغ في التوجيه و(التصحيح) أحياناً من إشارات المايسترو القدير بكلتا يديه".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard