قهوة الخديوي إسماعيل المسمومة ومغامرات ابنته زينب في "حرافيش القاهرة"

الأحد 1 مايو 202204:57 م

بعيداً عن الرواية الرسمية للتاريخ، المُكرسة أبداً لسيرة الملوك والقادة، وعلى مقربة من الحكايات الهامشية وأبطالها المجهولين، الذين عادة ما يسقطون من حسبة المؤرخين، جاء كتاب "حرافيش القاهرة" للباحث التاريخي والأديب عبد المنعم شميس (1919-1991)، ليُشكل في مجمله جدارية مزهرة، مفعمة بالحياة وعنفوانها، لأحد أشهر أحياء القاهرة (حي عابدين، في أوائل القرن الماضي)، محتشدة بأبناء البلد، وقصور الباشوات، والأغوات، والحرافيش، والحرفيين، ملونة بالمظاهر الاجتماعية، مثل "زفة المطاهر"، وزفة العروس في "عربة زينب هانم"، جامحة في تصويرها للشخصيات العجيبة المدهشة، مثل جَدة الكاتب التي كانت تشتري الأفيون، وتصنع منه علاجاً ساحراً لأحد أفراد أسرتها حتى شُفي من مرضه المزمن، وكذلك الأسطى محمود النجار، الرجل الأمي، الذي انجذب إلى أحاديث المستشرق اليهودي، وراح يبحث عن ماهية الحياة، وجدوى الأديان.

وقد نسج شميس صاحب "القاهرة والجبرتي"، "قهاوي الأدب والفن"، و"الإسلام والمسلمون" هذه السردية التاريخية الاجتماعية، معتمداً على ما اختزنه في ذاكرته من شخصيات ومواقف وأحداث، كان شاهداً عليها، حين كان يجلس في أيام الصبا والشباب على أحد أرصفة "حي عابدين"، ليُشاهد تيار الحياة الصاخب، ويستمع إلى أحاديث المارة ومعارك التجار والحرفيين، ونوادر وعجائب البشر، وقد أكمل هذه السردية، عبر تفتيشه في المراجع التاريخية التي تخدم مشروعه، وكذلك من خلال حكايات العجائز الذي اختزنها في ذاكرته لسنوات عديدة.

خليل أغا الحاكم الفعلي لمصر

يحتفي شميس في مؤلفه، بالشخصيات التي كانت على هامش الحياة، ثم رفعتها الأقدار، إلى وضع آخر سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي، وكان على رأسهم خليل أغا –الأغا هو الرجل الخصي- وكان الخادم الخاص للخديوي إسماعيل، ومقرباً من والدة باشا، والدة الخديوي، وقد اشترك الخديوي ووالدته في الإغداق على خليل أغا حتى أصبح من كبار الأثرياء في مصر، و قد تبوأ خليل أغا مكانة اجتماعية كبيرة في عهد الخديوي إسماعيل، وكان الجميع من وزراء وأعيان، يتقربون منه، حرصاً على البقاء في مناصبهم، فثمة إشاعات انتشرت في هذه الفترة، تؤكد أن خليل أغا، هو الحاكم الفعلي لمصر، وهو من يتحكم في جميع الأمور.

يصور لنا الكاتب جانباً من جغرافيا الحي وتركيبة السكان، وشكل العلاقات بين الجنسيات المختلفة منذ عهد الخديوي إسماعيل وحتى بدايات القرن العشرين، التي كان شاهداً عليها

ويقول شميس: "إن موضة الأغوات قد انتشرت في قصور الباشوات، تقليداً للخديوي إسماعيل، ولكن هؤلاء الباشوات لم يستطيعوا تقليد زي خليل أغا الذي انفرد به الخديوي. وكان الأغوات يجلسون على دكة خشبية عند أبواب القصور وفي أياديهم عصا، وكانت وظيفة الأغا هي استقبال الضيوف من الرجال والنساء، والدخول بهم إلى القصر حتى يوصلهم إلى سيده أو سيدته، ثم يعود إلى الجلوس على الدكة".

طبق الخديوي إسماعيل

ثمة تقليد كان متبعاً في عهد الخديوي إسماعيل، يراه شميس دليلاً على البساطة من ناحية ومن جانب آخر، يُشير إلى الطبيعة المركبة لشخصية الخديوي إسماعيل، التي تجمع بين الخفة والجنون والتعقيد. وكان هذا التقليد، عبارة عن صوانٍ من الأطعمة الفاخرة يُرسلها الخديوي إلى جيرانه في حي عابدين في غرة شهر رمضان وفي ليلة القدر. أما في عيد الفطر وغيره من المناسبات، فكان يُرسل لهم الحلوى.

ورداً على تحية الخديوي، كان "الحاج الكبير" –لقب يُطلق على كبير الملاك- من عادته أن يُرسل إلى قصر عابدين كل عام اثني عشر أردباً من القمح قبل موسم عاشوراء، هدية للخديوي حتى يصنع منها "العاشورة" على عادة المصريين، وكان الخديوي يقبل هذه الهدية في سرور، ويردها إلى أهالي الحي أطباقاً من العاشورة المصنوعة في مطابخه، مخلوطة بالجوز واللوز والفسدق مع قمح الحاج الكبير. وكان الأهالي يسعدون بهذه الهدية الخديوية التي تصل إلى بيوتهم في أطباق مغطاة بغطاء حريري ثمين، كما أن سعادتهم مضاعفة، حيث أن الخديوي لم يكن يسترد الأطباق الفارغة التي كانت عبارة عن تحفة فنية رائعة.

عربة زينب هانم

زينب هانم، هي ابنة الخديوي إسماعيل، وقد اشتهرت بمغامراتها، وتحررها، ويرى شميس أن ابنة الخديوي، قد حاصرتها الإشاعات، كما حاصرت والدها. ويشير إلى أن السبب في هذه الإشاعات هو "الجب الذي كانت تقتاد إليه عُشاقها، كما كان عند الخديوي إسماعيل، فنجان القهوة المسموم الذي يُنهي به حياة أعدائه أو معارضيه".


وثمة شيء آخر اشتهرت به هذه الأميرة، وهي عربتها مغلقة الأبواب، ذات الستائر المسدلة، التي عُرفت في القاهرة باسم عربة زينب هانم. ويحكي شميس أن أحد رجال أهل عابدين ويُدعى "حنفي"، كان معجباً بهذه العربة، إعجاباً شديداً، دفعه إلى مراقبة جولات زينب هانم بالعربة في شوارع عابدين وعند كوبري قصر النيل، حتى قصر الجزيرة، حتى قاده تفكيره إلى صناعة عربة مماثلة، أصبحت في ما بعد من أنجح المشروعات في ذلك الزمن، حيث كانت تُستخدم في زفاف العرائس من بنات الطبقة الغنية والمتوسطة في عابدين وما حولها من أحياء. وكان الحاج حنفي يتقاضى خمسة جنيهات ذهبية أجراً للعربة والحصان في مشوار الزفة، أما العربجي فليس له أجر محدد، بل كان يحصل من صاحب العُرس على "الوهبة"، وهي ليست أجراً محدداً، ولكنها مبلغ من المال يتناسب مع صاحب الفرح ومكانته.

اشتهرت زينب هانم بعربتها مغلقة الأبواب، ذات الستائر المسدلة، التي عُرفت في القاهرة باسم "عربة زينب هانم"

ومن النوادر اللطيفة التي حكاها شميس في كتابه، هي تلك الحكاية الخاصة بالسقايين، فعندما أراد الخديوي إسماعيل، صنع تمثال لمحمد بك لاظوغلي، رئيس وزراء جده محمد علي، لم يجدوا له صورة مرسومة، ليصمم المثال الفرنسي التمثال من خلالها، وحدث أن رأى محافظ القاهرة، سقاء في خان الخليلي، هو بمثابة نسخة أخرى من لاظوغلي، فأخذه إلى المثال الفرنسي وقال له إن هذا الرجل هو محمد بك لاظوغلي، فصنع تمثالاً للسقاء، وبذلك أصبح تمثال لاظوغلي في ميدانه الشهير بقلب القاهرة هو تمثال سقاء من حارة السقايين.

ويصور لنا الكاتب جانباً من جغرافيا الحي وتركيبة السكان، وشكل العلاقات بين الجنسيات المختلفة منذ عهد الخديوي إسماعيل وحتى بدايات القرن العشرين، التي كان شاهداً عليها، حيث يقول: "في عهد إسماعيل، بدأ الباشوات يبنون القصور في الحي إلى جانب بيوت أبناء البلد، وبدأت هذه الطبقة من الباشوات والأتراك والشراكسة، يكونون طبقة منعزلة عن أبناء البلد، مع أن كثيرين من باشوات المصريين، بنوا لأنفسهم قصوراً أيضاً في الحي مثل سلطان باشا والد هدى هانم شعراوي.

وعندما بنى أحد هؤلاء الباشوات الأتراك، قصره في شارع قوله، بجوار بيت الحاج الكبير، - وكان ذلك في عهد الخديوي توفيق- أراد أن يعزل القصر، عزلًا تاماً عن بيت هذا الرجل البلدي، فبنى جداراً عالياً يبلغ ارتفاعه أربعة أو خمسة أمتار فحجب الشمس والهواء عن بيت الرجل مما أثاره فحاول بجميع الطرق الودية أن يتفاهم مع الباشا ولكن بلا جدوى، فقام الحاج الكبير بذبح جاموسة أمام موكب الخديوي توفيق، وحكى له عن هذا الجدار العازل، فأمر الخديوي بهدمه ومضى بموكبه إلى محطة باب اللوق".

حكاية النجار الفيلسوف والمستشرق اليهودي

من زمن الخديوي توفيق، يمضي بنا شميس إلى أوائل القرن العشرين، حين كان طالباً في كلية الآداب جامعة القاهرة، يُدرسه كبار الأساتذة والمفكرين، ومن بينهم الدكتور باول كراوس، وكان من كبار مستشرقين هذا العصر، وهو يهودي ألماني نمساوي، جاء إلى القاهرة هارباً من فظائع النازي، وعينه الدكتور طه حسين أستاذاً للغات السامية وفقه اللغة في كلية الآداب.

وقد نشأت صداقة قوية بين شميس وكراوس؛ يمشيان معاً من مبنى الجامعة في الجيزة إلى منزله في الزمالك، يتناقشان في الأدب العربي والفلسفة الإسلامية، وعندما يحتدم النقاش، يتوقفان تحت ظلال الأشجار على شاطيء النيل، لتكملة الحديث. لكن هذه الصداقة لم تكن بنفس قوة الصداقة التي نشأت بين الأسطى أحمد النجار والمستشرق الألماني.

يُشير شميس أن الدكتور كراوس، الذي مات منتحراً حزناً على وفاة زوجته، وطفله، كان مشغولاً بالنص القرآني إلى درجة الجنون، وكان يُحاول أن يُثبت بطرق مختلفة، أن القرآن هو في الأساس نص شعري

يقول شميس: "كان الدكتور باول كراوس من الشخصيات العالمية بين المستشرقين وكان الأسطى أحمد من الشخصيات المجهولة التي عرفتها عن طريق الصدفة، ولكنهما كانا صديقين حبيبين. الأسطى أحمد النجار، كان نجاراً محترماً وقد أعجبني فيه طريقة حديثه وثقافته مع أنه كان أيضاً لا يقرأ ولا يكتب ولم أكن أعرف مصادر ثقافته حتى وقعت المفاجأة التي أذهلتني، حيث وجدت الدكتور باول كراوس يجلس مع الأسطى أحمد النجار على الرصيف المواجه للورشة وهما يتناجيان. وفيما بعد كان الدكتور كراوس يأتي كل يوم جمعة ليجلس على الرصيف مع الأسطى النجار".

وكان للدكتور كراوس تأثيراً كبيراً على أفكار صديقه النجار الذي شغلته الموضوعات الفلسفية والدينية، وكان عادة ما يتناقش مع شميس حول ماهية الحياة، وحقيقة الدين الإسلامي، والقرآن. وعندما مات النجار انكشف سره أمام أهل الحارة "عندما مات الأسطى أحمد، واستعدوا لتشييع جنازته، حدثت احداث غريبة في الحارة. فقد جاء قوم غرباء على رأسهم رجل يرتدي عمامة غريبة، وجبة سوداء قريبة الشبه بجبب الحاخامات أو الرهبان. وظل هذا الشيخ الغريب يتحاور مع أقارب الأسطى أحمد في الحارة، ويبلغهم أنه جاء مع رفاقه لأخذ جثته ودفنها في مدافن البهائيين في العباسية حسب وصيته، وجراء ذلك حدث هياج شديد في الحارة، وقام أهل الأسطى الفقيد بطرد الغرباء".

ويُشير  شميس أن الدكتور كراوس، الذي مات منتحراً حزناً على وفاة زوجته، وطفله، كان مشغولاً بالنص القرآني إلى درجة الجنون، وكان يُحاول أن يُثبت بطرق مختلفة، أن القرآن هو في الأساس نص شعري، وأن محمد ليس إلا شاعراً. يقول شميس: "في إحدى زياراتي لكراوس في شقته بالزمالك قبل انتحاره بفتره، بذل الدكتور كراوس مجهوداً غريباً في محاولة إيجاد ميزان شعري لسورة الرحمن. وظل يقفز في الغرفة قفزات تُشبه قفزات المايسترو المجنون الذي فقد سيطرته على الأوركسترا".


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard